تركيا بين المغرب والجزائر

02 فبراير 2020 - 21:00

تغطي الأصوات المحذرة من النفوذ التركي، على أساس أنه مدفوع بخلفية عثمانية قديمة، على حقيقة السلوك السياسي والاقتصادي التركي تجاه الدول المغاربية. محمد الشرقاوي، باحث في مركز الجزيرة للدراسات، يرى أن الاستراتيجية التركية في المغرب الكبير تقوم على «طموح شرس بتكريس القوة الصلبة في ليبيا، والتعاون السياسي مع تونس والجزائر، وعلى التعاون الاقتصادي مع المغرب»، وهي «ثلاثية مؤثرة في نشوة تركيا بنفسها، باعتبارها قوة إقليمية تريد التوسع، وقد ضمنت مباركة كل من روسيا وأمريكا».

يزكي السلوك التركي هذه القراءة، فحين عبّر المغرب عن انزعاجه من الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الوطني بسبب اتفاقية التبادل الحر مع تركيا، والتي تقدر بـ2 مليار دولار، استجابت بسرعة، تماما كما فعلت مع الأردن منذ مارس 2018. ما يؤكد أن الانزعاج المغربي مدفوع بالخسائر الاقتصادية، وليس بدوافع سياسية، كما ادعى البعض.

ويشير التجاوب التركي السريع مع الطلب المغربي إلى اقتناع الأتراك بأن الحفاظ على السوق المغربي يقتضي تفهم الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد المغربي، كما أنها تدرك بأنها في حاجة إلى تغيير سياستها التجارية، من سياسة تقوم على الإنتاج داخل تركيا والتصدير، بما يعنيه ذلك من أرباح على أكثر من صعيد (القيمة المضافة، التشغيل…)، إلى سياسة تقوم على الاستثمار. وهو منطق اقتصادي صرف في علاقتها بالمغرب، الذي تتنافس فيه قوى نفوذ اقتصادي متعددة، فرنسية وإسبانية وأمريكية وغيرها.

على خلاف ذلك، لا تربط تركيا أي اتفاقية للتبادل الحر مع الجزائر لحد الآن، ورغم ذلك تعد المستثمر الأول في الجزائر منذ 2017، على الأقل بنحو 3,5 ملايير دولار، علاوة على قيمة الصادرات التي تسير نحو 5 ملايير دولار، ويشكل توريد الغاز أساسها الاقتصادي. لكن العلاقات السياسية تبدو سائرة نحو التعزيز بشكل أقوى بين البلدين، منذ الزيارة الأخيرة للرئيس التركي أردوغان قبل أسبوع، حيث يتحدث الطرفان عن محور سياسي عسكري في المنطقة، إزاء التهديدات المتصاعدة في ليبيا أساسا.

في هذا الصدد، يمكن فهم تصريحات أردوغان من الجزائر، والتي تشير، حسب ما نقلته عنه وكالة «الأناضول» التركية، أن «تركيا والجزائر ستواصلان السير بخطى سريعة وثابتة لتحقيق هدفهما المشترك، ولتحقيق أهدافنا الاقتصادية»، وتابع: «عدم وجود اتفاقية تجارة حرة بين تركيا والجزائر رغم الروابط القوية والمتجذرة يعد نقصا كبيرا، لكن إن شاء الله سيتم اتخاذ الخطوات اللازمة بسرعة». وكشف أردوغان أن الشركات التركية أنجزت 377 مشروعا في الجزائر بقيمة 16.1 مليار دولار، وأن الشركات التركية تحتل المركز الثامن كأكثر شركات تنفيذا لمشاريع التعهدات في الجزائر.

وبعدما تطرق إلى التقدم الذي حققته تركيا في تصنيع وتصدير المنتجات الدفاعية، بدءا من الطائرات المسيرة المسلحة، مرورا بالسفن الحربية والطائرات التدريبية، وصولا إلى المروحيات ومعدات أخرى، كشف أن تركيا ترغب في تعزيز التعاون مع الجزائر في مجال الصناعات الدفاعية، في هذه الفترة التي تشهد توترات إقليمية، ويبدو أن ذلك هو ما يفسر حضور وزير الدفاع التركي ضمن وفد أردوغان في جولته الإفريقية.

ومن المعلوم أن الجزائر تسعى بدورها إلى كسب تركيا لعدة أسباب: سياسيا، من أجل تجاوز الاحتقان الداخلي نتيجة الحراك الشعبي المتواصل منذ عام تقريبا، حيث يسعى تبون إلى تسويق صورة جديدة للجزائر، التي انكفأت على نفسها في عهد الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، صورة الدولة الفاعلة في محيطها، ومع الفاعلين في ذلك المحيط، وأبرزهم، حاليا، تركيا. ويبدو أن القيادة الجزائرية الجديدة اختارت الملف الليبي لتحقيق هذا الهدف، ما مكنها من الحضور لمؤتمر برلين بدعم تركي، بعدما انخرطت في التعبئة للحل السياسي في ليبيا، وخصوصا تحييد مصر للتخلي عن الحل العسكري. واقتصاديا، أساسا، لأن الاقتصاد الجزائري يعاني من تبعية مفرطة لعائدات البترول، إذ تمثل نحو 93 في المائة من موارد الميزانية العامة للدولة. ومنذ تراجع أسعار النفط سنة 2014، تراجعت مداخيل الجزائر من النقد الأجنبي من 60 مليار دولار إلى 32 مليار دولار خلال 2019، وفق إحصاءات رسمية. وقد أثّر ذلك سلبا على احتياطاتها من العملة الصعبة التي تراجعت من 200 مليار دولار سنة 2014، إلى نحو 52 مليار دولار نهاية 2019. وفي خضم الأزمة التي تعيشها الجزائر، اضطرت الحكومة، لأول مرة منذ 15 عاما، إلى منح الضوء الأخضر للاستدانة من الخارج لتمويل مشاريع منتجة في ميزانية 2020، في الوقت الذي يتوقع أن يصل عجز الميزانية إلى 7,2 في المائة، أي ما يعادل 12 مليار دولار.

هكذا، وبعيدا عن القراءات السياسية المؤدلجة، تبدو تركيا قوة إقليمية صاعدة، تبحث لها عن أسواق، مثلما تبحث لها عن حلفاء، وفق منطق اقتصادي وسياسي قد يبدو طموحا أكثر من قدراتها، لكن يبقى منطقا قابلا للقراءة والفهم، بعيدا عن منطق الخير الذي تزعمه أنقرة عن نفسها، وبعيدا عن منطق الشر، كذلك، الذي يُستعمل من قبل خصومها للحد من تمددها في المنطقة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.