بلال كركيش: عبدالمالك السعدي وافق على الدعاء للسلطان العثماني فوق المنبر وضرب النقود باسمه -حوار

03 فبراير 2020 - 00:00

أصدرت مؤخرا كتابا حول العلاقات المغربية ــ العثمانية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هل لذلك ارتباط بالسياق الحالي ومحاولة تركيا استعادة أمجادها التاريخية؟

نعم، جرى إصدار الكتاب في القاهرة عن مركز التاريخ العربي للنشر، والكتاب جاء في سياق بحثي خالص، وهو محاولة للكشف عن هذه العلاقة بين البلدين الممتدة في الزمان، وأيضا، هو جهد مبذول من أجل إيجاد أجوبة لأسئلة متعددة وشائكة، سواء في الكتاب أو في المشاريع العلمية المقبلة لأننا نتوفر على كتب وإصدارات مهمة جدا رغم قلتها، تعود إلى جيل من المؤرخين المغاربة، اهتموا بتاريخ العلاقات المغربية العثمانية في الفترة الحديثة نذكر منهم: الأستاذ عبدالرحيم بنحادة، والأستاذ عبدالحفيظ الطبايلي، والأستاذ مصطفى الغاشيي، والأستاذ عبدالرحمان المودن، والأستاذ عبدالحي الخيلي، وغيرهم، لكن في الفترة المعاصرة نجد أن هناك نقصا حادا في الاهتمام بهذه الفترة الزمنية المهمة، خصوصا القرن التاسع عشر، قرن التحولات الكبرى، وأيضا، في العلاقة الثنائية بين البلدين في الفترة الراهنة والدور التركي الصاعد على الساحة السياسة والاجتماعية وموقع المغرب في هذا التحول والاستفادة منه. من هنا جاء طرح الأسئلة التالية في الكتاب ومحاولة إيجاد الأجوبة لها :إلى أي حد يمكن القول إن العلاقات المغربية العثمانية، خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، اتسمت بالتقارب والتعاون أو المعاداة والقطيعة؟ وما هي العوامل المؤثرة في ذلك، في جانب الإيجاب أو السلب؟ وإلى أي حد تبلورت إرادات التعاون والتآخي كما هي جلية من خلال البرقيات والمراسلات بين البلدين؟ وما موقع العلاقات المغربية العثمانية في ظل الضغوطات الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر ومطلع العشرين؟ وما هي السمات التي طبعت العلاقات المغربية العثمانية؟ وما هي العناصر الفاعلة في التقريب بين الدولتين؟ وما هي العوامل المؤدية إلى التنافر والقطيعة؟

ما حقيقة بقاء المغرب خارج سيطرة الإمبراطورية العثمانية. هل يعود ذلك إلى اعتبارات القوة أم له تفسير آخر؟

ظهر الأتراك العثمانيون بالشمال الإفريقي بسبب تدهور وضع الغرب الإسلامي، وما تسبب عنه من سقوط العديد من الثغور بيد المسيحيين الإيبيريين، وهو ما جعل العثمانيين يتمركزون في السواحل من أجل الجهاد ومواجهة الخطر المسيحي، بعدما عجز الحكام المحليون عن القيام بذلك، وإذا كان الدخول العثماني للجزائر وتونس قد جرى استجابة لطلب أهلها، فإن المغرب في هذه الفترة سيعرف تغيرات مهمة شملت وصول الأشراف السعديين إلى الحكم في المغرب، ومنه قيام محمد الشيخ ( 1544 _ 1557 م) بشن حملة عسكرية على تلمسان سنة 1550 شارك فيها أبناؤه الثلاثة محمد الحران ومولاي عبدالله وعبدالقادر. لقد كانت مواجهة عنيفة، وكان هناك تطلع من طرف محمد الشيخ للتقدم في الإيالة العثمانية بالجزائر. لكن، وبعد مقتل محمد الحران، واندلاع تمردات داخلية بالمغرب أدرك السعديون أن الدخول في صراع مع الأتراك العثمانيين مغامرة لا جدوى منها وجرت العودة إلى فاس. في تلك الفترة وقعت تطورات، يبدو أنها دفعت العثمانيين إلى تغيير أولوياتهم، بحيث لم يعد على رأسها ضم المغرب لسلطتهم. وهنا أشير، أساسا، إلى الوضعية العامة للبحر الأبيض المتوسط، الذي شهد صراعا بحريا بين العثمانيين والإسبان، استغله المغرب بنهج سياسة خارجية تقوم على التوازن في العلاقة بين القوتين: العثمانيون والإسبان. علاوة على انشغال العثمانيين بالحرب مع الدولة الصفوية التي كانت تجاورهم من ناحية الشرق. وأعتقد أن تحييد المغرب من الأجندة العثمانية في شمال إفريقيا، أسهم فيها، كذلك، المرونة التي تسلح بها بعض حكام المغرب تجاه الدولة العثمانية؛ وعلامة ذلك موافقة عبدالمالك السعدي بالدعاء للسلطان العثماني فوق المنبر في خطب الجمعة، وضرب النقود باسم مراد الثالث، وغير ذلك من الخطوات الرمزية الكبرى التي حالت دون ضم العثمانيين للمغرب. أظن أن هذه العوامل، وربما غيرها، أسهمت مجتمعة في أن يظل المغرب خارج الحكم العثماني.

كيف كانت العلاقات بين المغرب والدولة العثمانية، هل غلب عليها التعاون أم التوتر؟

يمكن القول إنه غلب عليها التقارب والتواصل والتعاون بين القوتين، وذلك منذ القرن الخامس عشر، وهذا النهج التعاوني ساهمت فيه عدة عوامل جغرافية ودينية وسياسية. إذ علاوة على العامل الديني، وأساسا، الإسلام السنّي، أسهم العامل الجغرافي، وخصوصا وجود العثمانيين في الشمال الإفريقي وفي البحر المتوسط، في ترسيخ علاقة التعاون، كذلك. لكن يبدو لي أن العامل السياسي والاستراتيجي كان حاسما، فصعود القوة الغربية المسيحية، متمثلة في القوة الإسبانية والقوة البرتغالية، التي أنهت الوجود المغربي في الأندلس، أجبر المغرب على نهج سياسة التعاون مع العثمانيين. وحين قررت إسبانيا التوسع واحتلال شمال افريقيا، وقامت بذلك بالفعل في مطلع القرن الخامس عشر، لم تجد أي قوة قادرة على صدها في البحر المتوسط سوى العثمانيين، فهم من أخرجوا الإسبان من «جربة» في تونس ووهران في الجزائر، لكن للأسف لم يواصل العثمانيون دحر القوة الإسبانية الغازية التي كانت قد احتلت سبتة سنة 1415، وتلك قصة أخرى.

إلى أي حد تبادل المغرب والدولة العثمانية التأثير في نظام الحكم وبناء الدولة؟

أعتقد أن السعديين تأثروا كثيرا بالنمط العثماني في الحكم، وإذا كان أحمد المنصور السعدي أبرز من بَنَى أُسس «المخزن»، فإن الكثير من الطقوس (اللباس مثلا)، والتنظيمات في الإدارة والجيش، اقتبسها من العثمانيين. وقد استعان المغاربة حينها بخبراء وعسكريين عثمانيين في تأسيس وترسيخ الدولة السعدية. الحقيقة أن النخب والمصلحين المغاربة تأثروا بالتجربة العثمانية، وهذا التأثير استمر حتى بداية القرن العشرين. إذ إن الذين تزعموا الدعوة إلى القيام بإصلاحات في المغرب، كانوا متأثرين بالإصلاحات التي أقرتها السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر.

ما سبب ذلك؟

سبب ذلك أن الاتصال بين النخب المغاربية والعثمانية لم ينقطع حتى بداية التخلي عن الخلافة وإعلان الجمهورية التركية في العشرينيات من القرن الماضي. وأتذكر في هذا الصدد العلاقات التي حاولت جماعة «الاتحاد والترقي» بناءها مع النخب المغربية، إذ كانت تبعث بنخبها إلى فاس، ومن ذلك زيارات محمد خير الدين بن المصلح الشهير خير الدين باشا التونسي، والذي كان على اتصال بالشيخ محمد بن عبدالكبير الكتاني.

لم يقف نشاط النخب من أنصار الاتحاد والترقي عند الكتابة في الصحف، بل حاولوا أن يسهلوا على مولاي عبدالحفيظ مهمة وضع الدستور، فكتبوا مشروعا لدستور عصري معتدل لا شك أنهم قدموه للسلطان الجديد، ثم نشروه في جريدة «لسان المغرب» في الأعداد الأربعة منها الصادرة في 11-18-25 أكتوبر وفاتح نونبر سنة 1908م. كما أشار إلى ذلك علال الفاسي في كتابه: «الديمقراطية وكفاح الشعب لمغربي من أجلها».

هل وظف المغرب والعثمانيون ورقة التهديدات الأوروبية ضد بعضهما البعض، أم تعاونا على مواجهتها؟

قد يكون المغرب في فترة من فترات الصراع والمواجهة مع الدولة العثمانية، قد وقع معاهدات الهدنة مع الطرف الأوروبي، من أجل الابتزاز أو إظهار استقلالية القرار الذاتي فيما يخص تعامله مع القوي الخارجية، خصوصا في الفترة الحديثة إلا أن الظروف السياسية والأوضاع الداخلية للدولتين العثمانية والمغربية وعلاقتهما بالقوى الأجنبية تتشابه إلى حد كبير، فمنذ القرن التاسع عشر سوف تكثف الدول الأوروبية الاستعمارية هجومها وتدخلها في شؤون البلدان والمجتمعات الإسلامية، بآسيا والهند وإفريقيا، وذلك بمختلف أشكال الوصاية وفرض التدخل والتوسع من خلال المعاهدات والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي تستغل خيرات البلدان المستعمرة، هذا إلى جانب التدخل السياسي المدعوم بمبررات الإصلاح والتمدين، وكان هذا الجانب جليا في علاقة فرنسا بالمغرب، حيث قاوم المغرب ذلك في البداية وسعى إلى الإصلاح على يد نخبة أو دولة ينتسب معها إلى الكيان الحضاري عينه، وهنا كانت إرادة الانفتاح على العثمانيين جلية نهاية القرن 19، وبداية القرن العشرين.

إن العلاقات المغربية العثمانية في الفترة المعاصرة انبثقت من فكرة الإصلاح، وتطورت بعد ذلك لتصبح ضرورة من أجل خلق نوع من الوحدة السياسية والتنسيق المشترك الكفيل بالحد من الآثار الحاصلة عقب التدخلات الاستعمارية في مختلف الأقطار، وهنا نشير بشيء من التفصيل، إلى أن التحولات التي شهدتها أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، جعلت الجانبين المغربي والعثماني يستشعران الضعف والخطر نتيجة انقلاب ميزان القوى لصالح أوروبا التي خرجت من رحم النهضة والأنوار، والتي أثمرت تحديثا ناجحا في مختلف البنيات الثقافية والاجتماعية ونظم المعرفة والسياسة، وهي أسباب القوة التي أشرنا إليها سالفا؛ ما يعني أن التعاون العسكري بينهما، هو نتاج ظروف عصيبة وجد معقدة، كانا يمران بها في صراعهما مع «دار الحرب»، حسب المفاهيم المستعملة في ذلك الوقت.

كيف يُفسر تأخر سقوط المغرب تحت الاستعمار الأوروبي، مقارنة بالولايات العثمانية المجاورة في تونس والجزائر؟

إن تحييد القوة العثمانية كان الهدف الرئيس للقوى الأوروبية الصاعدة، وهزيمتها معناه إسقاط نظام دولي وإقامة آخر بديل له. لقد كان العثمانيون يوجهون النظام الدولي طيلة ستة قرون تقريبا، أي حتى القرن التاسع عشر، وقد أثروا في أوروبا بشكل لم يكن معه لهؤلاء الأوروبيين إحراز السيطرة على العالم سوى بتنحية القوة العالمية الأبرز حينها، أي الدولة العثمانية. تحقيق هذا الهدف، تمكن منه الأوروبيون نتيجة عوامل عدة. أولا، عدم الاستقرار الداخلي نتيجة سيطرة جيش الإنكشارية على القرار في السلطنة العثمانية. وثانيا، التمردات على السلطة العثمانية في مناطق القوقاز والبلقان، حيث ثار سكان عدة مدن في اليونان والقرم وصربيا والألبان، مطالبين بدولة مستقلة عن العثمانيين. وثالثا، دحر الأسطول العثماني في مواجهة مع الروس والبريطانيين في معركة «نقارين» سنة 1927. في هذا السياق، حدث تمرد، أيضا، للجيش الإنكشاري في الجزائر سنة 1827، دفع الفرنسيين إلى احتلال الجزائر سنة 1830، وهم الذين كانوا قد هزموا قبل ذلك في حملتهم النابليونية على مصر. ولم يكن المغرب بعيدا عن هذه الوضعية؛ لأسباب متداخلة، منها الحروب الأهلية الداخلية بين أبناء السلاطين العلويين حول الحكم، ومنها أن إخراج المغرب من الأندلس كان ضربة قاصمة له، أثرت على وضعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى النفسي، فلم يعد قادرا على أي مواجهة دولية مع القوى الأوروبية الصاعدة، بل اختار الانغلاق أو المداهنة والمسايرة، واللعب على التناقضات، لكن تلك السياسة أَجّلت السقوط فقط، وهو ما حصل بموجب معاهدة فاس سنة 1912.

*باحث متخصص في التاريخ العثماني المغربي

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.