عبد المولى الماروري يكتب: توفيق بوعشرين سنتان من الاعتقال بعيدا عن الملف وهمومه

25 فبراير 2020 - 15:08

لن أتكلم هنا عن التهم الموجهة إليه، أو اعتقاله التعسفي، ولن أتكلم عن ظروف المحاكمة وقساوة الحكم.. كل ذلك تكلمت فيه وأفاض فيه غيري حتى اقتنع من له عقل يفكر، وقلب يشعر، وضمير حي أن الرجل مظلوم وضحية..

معرفتي بتوفيق بوعشرين لم تكن قوية أو عميقة، ولم تكن مفتوحة أو طيبة، بل كان يلفها الكثير من التحفظ من طرفي أنا، ولم تكن تروقني بعض مواقفه وتحليلاته، ونقده اللاذع لبعض وزراء العدالة والتنمية على وجه الخصوص، ولم أكن أجد مبررا مقنعا لذلك، لذلك قررت في وقت من الأوقات أن أضع مسافة بيني وبين جريدة «أخبار اليوم»، وقاطعتها لمدة تزيد عن سنة…

فكيف تحول موقفي من الرفض والتحفظ زمن ازدهار جريدة «أخبار اليوم» واتساع شعبيته، إلى النقيض زمن محنتها ومحنته، وأصبحت محاميه القريب جدا، ومن المدافعين عنه وعن جريدته، حتى نالني ما نالني من استفزازات ومضايقات، وظلم ذوي القربى…

كلما زرته إلا وأخرج بمعلومات نادرة وقيمة، وأرقام ومعطيات وإحصاءات ودراسات.. أو تحليل عميق ودقيق، أو تساؤلات منهجية وكبيرة، تتجاوز محنته وأزمته.. وتنظر إلى المستقبل والمآل، لا إلى الماضي والزوال.. إلا في إطار النظر إلى الأحداث والتاريخ.. لفهم الواقع واستشراف المستقبل..

عندها أدركت وأيقنت أن شخصا مثله، وما يملك من رؤية سياسية نافذة، وتحاليل عميقة، بحس نقدي وفكاهي، وبطريقة يسهل فهمها واستيعابها، قريبة الفهم من المواطن البسيط والمفكر العميق… أدركت أن لمثل هذا النوع من الشخصيات أعداء ليسوا عاديين أو بسطاء، بل أعداء من العيار الثقيل جدا، والخطير جدا، والمرعب جدا جدا…

إن الذين صنعوا ملفه هم أدرى الناس بقيمته ومكانته وتأثيره، لذلك كان الانتقام أفظع مما نتصور، بحجم ما يشكل عليهم من «خطر».. كما يتوهمون !

للأسف، هم مخطئون جدا، وبعيدون عن استيعاب ما تحمله كتاباته وتحاليله من خير ومنفعة لهذه البلاد..

ولكن غلبتهم مصالحهم الخاصة على مصلحة الوطن، وأعماهم الحقد وحب الانتقام عن إدراك الجوانب الإيجابية والموضوعية في كتاباته..

للأسف اعتقال توفيق بوعشرين هو اعتقال لقلم كبير، عز نظيره في السنوات الأخيرة..

للأسف، اعتقاله هو محاولة إعدام منبر إعلامي متفرد بخطه التحريري الأكثر شعبية وقبولا، وما يزال هذا المنبر صامدا رغم المضايقات، رغم افتعال أزمات داخلية، رغم حرمانه من حقه في الدعم، رغم حرمانه من الإشهار، بفضل ثلة من الصحافيين المخلصين المناضلين، ففي زمن المحنة يظهر الرجال، والأنذال أيضا..

لقد تضايق البعض من أسلوب الجريدة ومدير نشرها، ولكن :

لا يمكن لأي دولة أن تتقدم باتباع سياسة تكميم الأفواه وخنق الأنفاس، فلا بد من إفساح مساحة معقولة من حرية الرأي والنقد.

لا يمكن لأي دولة أن تحقق تنمية بدون تعدد الأفكار والتوجهات والرؤى، بل واختلافها وتنوعها وتباعدها ..

إن دور الرأي المخالف أو النقد الشجاع أن يبين وجهة نظر أخرى، ربما، كانت غائبة عند صناع القرار، الهدف منها معالجة بعض الاختلالات أو النقائص، وتقديم اقتراحات وأطروحات تساهم في معالجة بعض الأمراض أو العلل، وإصلاح بعض الأعطاب التي أثرت سلبا على مسارات الإصلاح والديمقراطية والتنمية..

أعتقد أن السياسي الموضوعي والنزيه، قد يُضايقه أو يزعجه هذا النقد، ولكن لن يصل به إلى حد الحقد والانتقام، ذلك أسلوب الفاشلين، والذين يتملكهم الرعب من أن ينكشف فسادهم أو يفتضح استغلالهم ونهبهم لهذا الوطن. السياسي الموضوعي والنزيه يتعامل بكل موضوعية وشجاعة ومسؤولية مع الكتابات النقدية التي تستهدفه، فمن خلالها يكتشف ما غاب عنه من أفكار توجهه في مساره السياسي، وبواسطتها يمكن أن يتجنب مشاكل وأخطاء لم ينتبه إليها تحت ضغط العمل وحمأة الصراعات السياسية. ويحمد الله على خط تحريري نقدي تنويري، قد يكون لاذعا وقاسيا، لكنه موضوعي وتنويري ونزيه.

هذا ما حاول توفيق بوعشرين تحقيقه من خلال خط تحريري شجاع وجريء، ربما كان مبالغا في جرأته، جر عليه العديد من العداوات والأحقاد والخصومات، ولكن لا يجب أن تصل إلى حد الحقد والوقيعة والمكيدة والانتقام والتشفي بلا رحمة أو شفقة…

أعتقد أنه آن الأوان ليعود الجميع إلى الرشد والصواب، إلى التعقل والحكمة، فلم يكن ولن يكون الحقد والانتقام حلا ناجعا لتدبير الاختلاف.. هناك ما هو أنجع وأكثر قيمة ومنفعة: الإنصاف والموضوعية والتجرد لمصلحة الوطن، يجب أن تكون هذه الأخلاق فوق كل اعتبارات ذاتية أو مصالح شخصية.

والحل ليس في الانتقام من توفيق وأمثاله، بل الإصغاء إلى كلامهم وتأمل تحاليلهم هو أنفع وأجدى للجميع.. مهما اختلفنا معهم أو كان كلامهم قاسيا أو مؤلما.. ففي ثناياه قد نجد خيرا كثيرا وفضلا عظيما..

فلنعد جميعا إلى الرشد والصواب.. قريبا إن شاء الله.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *