ظهر وباء التيفويد في المغرب سنة 1879، وكان سببا في مقتل الصدر الأعظم، أحمد بن موسى، في عهد السلطان المولى الحسن، فهو وباء لا يميز بين المكانة الاجتماعية للناس، حيث استهدف كبار موظفي المخزن، مثلما تفشى وسط كبار التجار المغاربة والأوربيين على السواء، ومن بين ضحاياه أيضا قناصلة أوربيون، ضمنهم قنصل البرتغال وقنصل النمسا ونائب قنصل إيطاليا.
يذكر المؤرخون أنه كان يقتل ما بين 200 و300 ضحية يوميا في فاس حتى نهاية سنة 1878، ثم اكتسح مجموع البلاد، مخلفا خسائر تتفاوت درجتها حسب المستوى الصحي والمعيشي للسكان. ففي فاس، حيث ظهر أول مرة، داهم هذا الوباء سكان المدينة، ويُروى أنه مات «خلق كثير» حسب مؤرخي تلك الفترة، أما في تطوان، فقد كان يموت بها ما بين 8 و10 أشخاص يوميا. وفي مراكش، مات الفقراء أكثر من غيرهم، بمعدل 30 إلى 40 ضحية في اليوم.
ومن نتائج تفشي هذا الوباء في المغرب أن السلطان الحسن الأول أحجم سنة 1878 عن تنظيم «الحرْكة» شفقة على رعيته من الشدة. لكنه خرج في السنة الموالية على رأس جيشه بهدف إخضاع القبائل المتمردة، ومعاقبة اللصوص وقطاع الطرق، ومن بين القبائل التي أخضعها قبائل زعير، وبني مطير.
وتُعرف «حرْكة» 1879 في المصادر التاريخية بـ«حرْكة الوباء»، بسبب أن خلقا كثيرا هلك خلالها بسبب وباء التيفويد، وهو الوباء الذي تفشى بين جنود جيش السلطان، وأهلك كثيرين منهم، حيث قُدر عدد الضحايا بـ300 جندي في اليوم الواحد، ما دفع السلطان، بعد دخوله إلى مدينة مكناس، إلى الخروج منها وإبعاد جيشه.
لقد تفشى وباء التيفويد وسط مختلف الفئات الاجتماعية، بما في ذلك التجار الأوربيون، وقناصلة الدول، وكبار موظفي المخزن، لكن الضريبة الأكبر دفعتها الفئات الفقيرة والمهمشة، ففي الصويرة بلغ عدد الضحايا 700 شخص يوميا طيلة أشهر يوليوز وغشت وشتنبر، ثم قفز الرقم إلى 900 ضحية في نونبر مع بداية البرد، بل واصل الوباء الفتك بالناس حتى بلغ عدد الضحايا أكثر من 1600 ضحية يوميا، خصوصا وسط الأطفال، وهي أرقام تكشف حجم الخسائر التي لا يخفى أثرها على الوضع الديمغرافي للبلاد.