أثار التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي نشر أمس 17 أبريل 2020 على موقعه الإلكتروني، انتقادات حقوقية عديدة، من بينها ما أثاره الحقوقي عزيز إدمين الذي سجل في مقال مطول 10 ملاحظات منهجية حول التقريرالذي وصفه بأنه « حكواتي » وأنه يكيل بمكيالين، كما اعتبر بأن توصياته بلا هوية.
وأكد إدمين أن نشر هذا التقرير في سياق وطني ودولي يتسم بالتجند لمواجهة جائحة الكورونا، مما يتطلب تكثيف الجهود والتنسيق بين عموم المواطنين والسلطات العمومية لتجاوز هذه المحنة، « يعتبر مبادرة غير سليمة وغير ضرورية، لكون الفعل الحقوقي أو الفعل العمومي بشكل عام يتطلب أن يراعي ما يسمى بـ »الزمن السياسي » أو « الزمن التاريخي »، حتى تكون لأي مبادرة أثر في الحياة والشأن العامين ».
تغييب السند التشريعي
أما الملاحظات التي سجلها إدمين على التقرير، فهي ما أسماه « غياب أسباب النزول »، مشيرا إلى أن المجلس تجاهل في تقريره الإشارة إلى المادة 35 من القانون المنظم لأشغاله، والتي تعتبر المرجع القانوني لإصدار التقرير السنوي، وترك المجال مفتوحا للمتتبع أن يعود للتنقيب في مواد القانون لمعرفة السند التشريعي لإصدار هذا التقرير.
خرق القانون والأعراف
كما سجل إدمين وجود »خرق القانون والأعراف المرعية »م حيث « تنص المادة 35 من القانون على أن المجلس يعد تقريرا سنويا عن « حالة حقوق الانسان »، ويرفع للملك أولا، ثم توجه نسخة منه إلى رئيس الحكومة ورئيسا البرلمان ثانيا، ونشره وإطلاع العموم عليه ثالثا، وهذا التقرير ينشر في الجريدة الرسمية. إلا أن نشر هذا التقرير خرق النص القانوني، حيث وجه للعموم أولا، في انتظار أن يرفع « إلى نظر الملك، كما ستوجه نسخة إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلس البرلمان، وسيعمل على نشره وإطلاع العموم عليه » (ص 8 من التقرير)، مما يعني أن هناك خللا ما في مسطرة إعداد ونشر التقرير.
تقرير « حكواتي »
واعتبر إدمين أن تقرير المجلس جاء بعيدا عما تتميز به التقارير الحقوقية التي تعمل على تكثيف الإحالات على الاتفاقيات الدولية والتوصيات الأممية وأيضا الدستور والقوانين الوطنية وقانون المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
ويقول إدمين إن التقرير الأخير لمجلس بوعياش جاء عبارة عن سرد « حكواتي » تغيب فيه الإحالات بشكل مطلق إذا استثنينا حالات معدودة على روؤس الأصابع يضيف إدامين، مستدلا بعدد من الأمثلة منها تناول التقرير لملف المستشار البرلماني عبد الحق حيسانم حيث تم ربط قضيته بالحق في التعبير والحق في الوصول للمعلومة، مثله مثل الصحافيين الأربعة معه، وهو أمر لا يستقيم لأن حيسان مشمول بحقوق متعلقة بحماية المبلغين والشهود، كما نصت على ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2005 في المادتين 32 و33، يقول إدمين.
عدم الاقتراب من « طابو » الإدارة العامة للأمن الوطني
كما سجل إدمين أن التقرير لم يتطرق نهائيا لأي زيارة لأي زيارة لمراكز الشرطة، حيث يقضي الموقوفون فترة الحراسة النظرية، رغم أن اتفاقية مناهضة التعذيب والبرتوكول الملحق بها، حدد مراكز سلب الحرية، ومنها السجون وأيضا مراكز الشرطة والدرك، وغيرها.
وأشار إدمين إلى أن التقرير رغم ذلك سجل في فقرته الـ96 أن « حقوق المشتبه فيه أثناء الإيداع تحت تدابير الحراسة النظرية: يتظلم المشتبه فيهم عند الإيداع تحت تدابير الحراسة النظرية، بصفة عامة، من عدم توفر شروط نظافة الزنازين وعدم توفر العدد الكافي من المراحيض ونظافتها، وعدم تخصيص زنازين للنساء مجهزة بالمراحيض، منفصلة عن أماكن إيداع باقي السجناء، بالإضافة إلى التشكي من عدم تقديم وجبات الطعام »، وأوصى المجلس « تخصيص أماكن للحراسة النظرية تستجيب لمعايير النظافة والتهوية ».
وأعتبر المتحدث أن مثل هذه الادعاءات أو التظلمات تقتضي أن يقوم المجلس بزيارات لمخافر الشرطة وأيضا الدرك والاطلاع على الأوضاع بشكل مباشر، لكون هناك حالات اشتكت بسوء المعاملة داخل هذه المراكز، حتى وإن كانت مجرد زيارة واحدة شكلية فعلى المجلس إعمال القانون المنظم له وصلاحياته القانونية، فكما يقوم بزيارات اعتيادية للسجون، فعليه قانونا وأخلاقيا (ولو في إطار المجاملات) اختراق ذلك « العالم المظلم » المتعلق بمخافر الشرطة.
وذكر إدمين بأن المجلس الوطني منذ إحداثه في نسخته السابقة والحالية، أي منذ سنة 2011 الى غاية 2020، لم يزر ولو مرة واحدة أي مخفر من مخافر الشرطة ولا الدرك.
خلط بين « حالة حقوق الانسان » و »حصيلة العمل »
يسجل إدمين أيضا احتواء التقرير على « سرد لعدد من الأنشطة، بشكل كبير، كالندوات والدورات التدريبية والمشاركات في اللقاءات… وأيضا عمل الآليات التنظيمية داخل المجلس »، في حين، يضيف الخبير الحقوقي، أنه وبالرجوع للمادة 35 من القانون المنظم للمجلس، فإن التقرير السنوي حصري فقط بـ »حالة حقوق الانسان » أما تقرير عن حصيلة عمله، فهو تقرير مستقل لا علاقة له بالتقرير السنوي ».
وفي هذا الصدد يشير إدمين إلى أن الفقرة الثالثة من المادة 35 قد نصت على تقديم « رئيس المجلس، تطبيقا لأحكام الفصل 160 من الدستور، تقريرا عن أعماله مرة واحدة في السنة على الأقل يكون موضوع مناقشة من قبل البرلمان ».
خرق لأحكام المادة 20 من القانون 76.15
كما يسجل إدمين أن التقرير المنشور لم يضمن ولم يبرز الإستقلالية التي حرص المشرع على ضمان وجودها لفائدة الآليات الحمائية الثلاث داخل المجلس الوطني لحقوق الانسان، وذلك من خلال أحكام المادة 20 من القانون 76.15، حيث يسجل الخبير الحقوقي أن تقارير ثلاث آليات خصصت لها ثلاث صفحات فقط و18 فقرة من أصل 378 فقرة، كما أنه اعتبر مجرد محور ضمن المحاور الأخرى للتقرير، دون أن تكون لتقارير الآليات الثلاث « هوية » مستقلة تتماشى والاستقلالية المعبّر عنها في المادة 20، كما أن مضمون ما ورد في الصفحات الثلاث لا يشير بالمُطلق بكون أن مُعدُّوه هم منسقو الآليات الثلاث، بل يلاحظ أن معد التقرير كاملا واحد، وليس أربع جهات.
« التدليس » بخصوص المادة 21 من القانون
كما لاحظ إدمين وجود « تدليس » في التقرير الذي جاء فيه أن الضمانات المتعلق باستقلالية الآلية الوقائية من التعذيب، منذ تعيين أعضائها في الجمعية العامة (أي 21 شتنبر 2019)، تكمن في » التفرغ الكامل لمنسق الآلية وأعضاءها واستغلال طيلة الوقت » وفقا لأحكام المادة 21 من القانون، لكن الحقيقة أن في حين أن الدكتور محمد بنعجيبة منسق الآلية للوقاية من التعذيب، لازال يجري إلى حدود 26 مارس حوارات مع جرائد ومواقع إلكتورنية بصفته مديرا للمركز الوطني لتحاقن الدم بالرباط.
خلط بين الحماية والنهوض
كما يلاحظ إدمين وقوع التقرير في الخلط بين بين حماية حقوق الإنسان والنهوض بها، وهما المركزان الذان تقوم عليهما منظومة حقوق الإنسان، حيث أن الحماية هي التدخل الإستباقي أو البعد لوقف انتهاك معين يمس فرد أو مجموعة والأليات المعنية، والنهوض أو التعزيز ويهدف إلى التكوين والأراء المتعلقة بالقوانين والملاءمة مع التشريعات والمصادقة على الاتفاقيات والسياسات العمومية.
ويسجل إدمين أن التقرير أورد في المحور الأول المتعلق بحماية حقوق الإنسان، عشرات الأنشطة لا علاقة لها بالحماية: كالترافع حول إلغاء قانون، عقد شراكات والمشاركة في الندوات الإقليمية والدولية والوطنية، الانضمام لاتفاقية معينة ( فقرات: 10، 11، 12، 13 كمثال، ولا يسع المقال لجردها كلها، ولكن بمعدل 60 من الفقرات تدخل في مجال النهوض وليس الحماية).
توصيات بلا هوية
أما التوصيات التي نص عليها التقرير، فيؤكد إدامين أنها وخلافا لقواعد وأصاليب إعداد وصياغة والتقارير، التي تفرض وجود حيثيات معينة أو حالات أو وقائع وراء كل توصية على حدة، فإن تقرير المجلس الوطني قد أورد عشرات التوصيات « عنوة دون أن نجد لها سبب داخل محاور التقرير ».