عبدالسلام الصديقي: أتوقع دولة قوية ديمقراطية ما بعد كورونا وتدخلا مهما للقطاع العام في الاقتصاد

19/04/2020 - 22:20
عبدالسلام الصديقي: أتوقع دولة قوية ديمقراطية ما بعد كورونا وتدخلا مهما للقطاع العام في الاقتصاد

الجميع يُقر بأن ما بعد « كوفيد 19 » سيكون مختلفا عما قبله، حيث من المنتظر أن نعيش وضعية جديدة، على أكثر من صعيد. فمن البديهي بالرجوع إلى السيرورات التاريخية المختلفة أن الأزمات تؤدي إلى ظواهر اجتماعية ومجتمعية جديدة، وأن الشعوب تستفيد من الدروس التاريخية. إنه قانون تطور المجتمعات الذي يهم سائر البلدان.

إن الأسئلة التي تدور اليوم حول المغرب ما بعد كورونا، هي نفسها   المطروحة في معظم البلدان التي تضربها هذه الجائحة، وإن كان ذلك في سياقات وطنية مختلفة. وهذه بعض ملامح ومميزات مغرب الغد بعد كورونا:

أولا، لا بد من التوكيد على أن المغرب، على غرار العديد من البلدان، يعرف أزمة اقتصادية قلّ نظيرها ناتجة، أساسا، عن حالة الطوارئ الصحية وتوقف الآلة الاقتصادية، باستثناء الخدمات الصحية وتلك المتعلقة بتزويد السوق بالمواد الغذائية، بحيث إن هناك قطاعات  بأكملها في طريق الانهيار، ولكن ليس هذا مجال دراسة هذه التداعيات، إذ لا يمكن لأحد الآن، أن يتوقع كم ستدوم الطوارئ الصحية؟ وكم من الوقت يتطلب الأمر لتعافي الاقتصاد؟ ولهذا يصعب تقديم تكهنات.

ثانيا، أرى أن التغييرات المقبلة في المغرب ستشمل مختلف الجوانب سياسية واقتصادية وثقافية، وغيرها، بحيث سنكون أمام تغييرات بنيوية، ونظامية، وهذه الجوانب متداخلة لتكون نسقا فيما بينها. فعلى المستوى السياسي، وخلافا لبعض التوقعات التي تراهن على تقوية الأنظمة السلطوية، أرى أن المغرب سيتجه نحو المزيد من تقوية دور الدمقرطة، وتعزيز المؤسسات مع تقوية دور الدولة في ضبط المجتمع كدولة حامية واجتماعية، وتقوية مختلف الوسائط من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني. أعتقد أن الشعب المغربي سيتصالح من جديد مع السياسة، وسيثق أكثر في المؤسسات. إن ما يدعوني إلى هذا القول،  لا يعود لميولي الشخصي وتفضيلي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، بل ينبني على عناصر موضوعية، ذلك أن الفترة المقبلة ستكون فيها المتطلبات الاجتماعية كبيرة، وستكون هناك نضالات اجتماعية من أجل ضمان الحد الأدنى من مستوى المعيشة والاستفادة من الخدمات الاجتماعية، وهو ما ستسعى الدولة بكل مكوناتها إلى توفيره. وهذا سيعزز الديمقراطية التي لم تعد تعني فقط، حرية التعبير والرأي، بل، أيضا، وأساسا التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإذا كان المغرب قد نجح إلى حد ما في تدبير الجائحة، فلأنه استجاب لحاجيات المجتمع ومتطلباته وجدد كل مؤسسات الدولة.

على المستوى الاقتصادي والاجتماعي سيعرف المغرب « ثورة حقيقية »، حيث سيُعاد النظر في العديد من اليقينيات والألويات، وستتم مراجعة العديد من المسلمات وسيتعزز أكثر دور الدولة والقطاع العمومي في الاقتصاد، وخاصة في المجالات والقطاعات الاستراتيجية كالطاقة وصناعة الأدوية، وبعض الصناعات الأخرى. وستتغير النظرة السائدة تجاه القطاعات الاجتماعية، باعتبارها قطاعات منتجة وليست استهلاكية، وبالتالي، فكل زيادة في الاستثمار في هذه القطاعات، ستؤدي إلى خلق مداخيل وتحسين مستوى عيش المواطنين والمواطنات. إن تدخل الدولة يستلزم التوفر على إمكانيات مادية، وهو ما سيسرع بإصلاح جبائي قوامه العقلانية وتوسيع الوعاء، مع إدماج القطاع غير المهيكل ومحاربة الغش والتملص الضريبي، ولِمَ لا إقرار ضريبة على الثروة. وسيمكن توسيع مداخيل الدولة الديمقراطية من تقليص الفجوات الاجتماعية والحد من الفوارق وتحقيق المزيد من المساواة بين الجنسين والفئات الاجتماعية والوحدات الترابية.

كما أتوقع في المستقبل القريب تطوير الرقمنة، نظرا لدورها في التعليم والشغل، والاستعداد أكثر لمواجهة الأزمات والكوارث التي قد تحدث مستقبلا.

وعلى المستوى الثقافي، أتوقع أن تعود القيم الإنسانية النبيلة، معززة  أكثر، حيث أدرك الجميع المعنى الحقيقي للتضامن بين البشر، وأنه لا أحد مهما بلغت قوته، في منأى من المخاطر. كما سيتعزز الشعور بالانتماء إلى الوطن دون أن يؤدي ذلك إلى نوع من الشوفينية. وأعتقد أنه بقدر ما سيزداد إيمان الناس بالله سيزداد إيمانهم بالعلم وبالفكر العقلاني. وليس من المستبعد أن نشهد تعايشا إيجابيا وخلاقا بين الدين والعلم، وهو ما سيقطع الطريق على المتاجرين بالدين، الذين يوظفون جهل الناس. وسيساعد ذلك، المثقف على العودة إلى الساحة الفكرية والسياسية، والانخراط في الديناميكية المجتمعية بدل الانغلاق.

كما أتوقع تغييرا إيكولوجيا، من خلال تغيير علاقة جديدة للمغاربة بالطبيعة، مبنية على « الاحترام »، ووضع حد للاستهتار بالموارد الطبيعية. وهذا سيتطلب منا إعادة النظر في نمط الإنتاج وطريقة العيش بأن نركز على ما هو ضروري لحياتنا، وما يضمن استقلالنا الاقتصادي.

ودوليا، سيكون على المغرب التأقلم مع الأوضاع الدولية الجديدة، التي ستتسم بتغيير كبير، في موازين القوى، ومن المتوقع أن تتعزز علاقات المغرب على المستوى الإفريقي وسيتقارب أكثر من دول أسيوية مثل الصين والهند، مقابل تراجع العلاقات مع دول الشمال على المدى المتوسط، على الأقل.

شارك المقال