الاقتصاد العالمي.. لماذا بعض الدول غنية وأخرى فقيرة؟

21/04/2020 - 07:00
الاقتصاد العالمي.. لماذا بعض الدول غنية وأخرى فقيرة؟

لماذا بعض الدول ثرية ثراء يتجاوز احتياجاتها الذاتية، وأخرى فقيرة لا تجد ما يساعدها على تحقيق الاكتفاء الذاتي وموازنة اقتصادها الداخلي؟ هو السؤال الذي يطرحه الباحث روبرت سي آلن في كتابه: «التاريخ الاقتصادي العالمي» الذي تُرجم في الآونة الأخيرة إلى العربية. إذ يسلط فيه الضوء على مختلف العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية والطبيعية والبشرية التي ساهمت في خلق فوارق بين دول العالم، وجعلت من بعضها ثرية ثراء فاحشا وأخرى فقيرة فقرا مدقعا.

في هذا الكتاب الذي عربته المترجمة هبة نجيب مغربي، والصادر ضمن منشورات هنداوي، يميط الباحث اللثام عن الأسباب والعوامل التي رسمت ملامح العالم الحديث غير المتساوي من حيث ثروات الدول. إذ يقسم الكتاب القرون الخمسة الأخيرة إلى ثلاث فترات، تمثل الفترة الأولى، التي استمرت منذ سنة 1500 إلى نحو عام 1800 (العصر التجاري)، بدأت هذه الفترة برحلات كولومبوس وديغاما، وأدت إلى تكامل الاقتصاد العالمي وانتهت بالثورة الصناعية، وأقيمت المستعمرات في الأمريكتين اللتين قامتا بتصدير الفضة والسكر والتبغ؛ وشحن الأفارقة كعبيد إلى القارتين لإنتاج هذه السلع، كما صدرت آسيا البهارات والمنسوجات والخزف الصيني إلى أوروبا، وسعت الدول الأوروبية الرائدة إلى زيادة تجارتها من خلال إقامة المستعمرات، وفرض التعريفات الجمركية، وشن الحروب لمنع الدول الأخرى من الاتجار مع مستعمراتها. وقد روجت الصناعة الأوروبية على حساب المستعمرات، غير أن التنمية الاقتصادية في حد ذاتها لم تكن هي الهدف.

تغيرت الأوضاع في الفترة الثانية في القرن التاسع عشر، ففي الوقت الذي هزم فيه نابليون في معركة «واترلو» سنة 1815، كانت بريطانيا قد حققت الريادة في المجال الصناعي وتفوقت على الدول الأخرى، وقد جعلت أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية التنمية الاقتصادية أولوية لها، وسعت إلى تحقيقها من خلال بناء قياسي يتألف من أربع سياسات؛ ألا وهي: إنشاء سوق وطنية موحدة من خلال إلغاء التعريفات الداخلية وإقامة بنية تحتية للنقل، ووضع تعريفات خارجية لحماية صناعاتها من المنافسة البريطانية، وتأسيس بنوك للحفاظ على ثبات أسعار العملات وتمويل الاستثمارات الصناعية، وتوفير التعليم العام للارتقاء بمهارات القوى العاملة.

وقد حققت هذه السياسات نجاحا في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية؛ حيث انضمت الدول في هذه المناطق إلى بريطانيا لتشكل ما صار معروفا اليوم، بنادي الدول الغنية، بينما تبنت بعض دول أمريكا اللاتينية هذه السياسات بصورة غير كاملة ولم تحقق نجاحا كبيرا. وأدت المنافسة البريطانية إلى إعاقة التنمية الصناعية في معظم مناطق آسيا، فيما اكتفت إفريقيا بتصدير زيت النخيل والكاكاو والمعادن عند انتهاء تجارة بريطانيا في العبيد سنة 1807.

في القرن العشرين، أثبتت السياسات التي حققت نجاحا في أوروبا الغربية، لاسيما في ألمانيا وفي الولايات المتحدة، عدم فعاليتها في الدول التي لم تحقق التنمية بعد. تبتكر معظم التكنولوجيا في الدول الغنية، وهذه الدول تحتاج إلى رأس مال بصورة متزايدة لزيادة إنتاجية الأيدي العاملة فيها التي تتقاضى أجورا هي الأعلى على الإطلاق. ولا تعتبر معظم هذه التكنولوجيا الجديدة اقتصادية في الدول التي تنخفض فيها أجور الأيدي العاملة، لكنها في المقابل تمثل أهم ما تحتاج إليه هذه الدول للحاق بركب الغرب. وتبنت معظم الدول تكنولوجيا حديثة بدرجة أو بأخرى، لكنها لم تتبنها بالسرعة الكافية التي تمكنها من تخطي الدول الغنية. أما الدول التي نجحت في رأب الصدع مع الغرب في القرن العشرين، نجحت في ذلك من خلال نموذج «الدفعة القوية»، والذي استخدم التخطيط وتنسيق جهود الاستثمار لتحقيق طفرة.

وهكذا، يحدد الكتاب أن الدول الغنية صارت، كذلك، خلال الفترة الممتدة بين القرن السادس والتاسع عشر. إذ أضحت القارة الأوروبية بالفعل، في سنة 1820، هي أكثر القارات ثراء؛ فكان إجمالي الناتج المحلي لكل فرد في أوروبا يساوي ضعف مثيله في معظم أنحاء العالم. كانت أكثر الدول ازدهارا هي هولندا التي وصل متوسط الدخل فيها (إجمالي الناتج المحلي) إلى 1831 دولارا أمريكيا للفرد.

شارك المقال