منير أبو المعالي يكتب: الثورة على الثروة

23 أبريل 2020 - 20:30

ما يجب أن نكون حريصين على أن يحدث بعد هذه الأزمة هو ألا نسمح باستمرار ما كان يحدث من قبل. السياسات التي جعلت الاستثمار العمومي في بنيات الصحة والتعليم مجرد عبء ثقيل، وروتينا يدار بأقل الأضرار على الموازنة العامة، يجب أن تتغير.

لكن، يبدو أن هناك أشياء أعمق يجب أن تتبدل أكثر من مجرد تغيير لوجهة السياسات. هذه المقالة ستخصص لبحث ما إن كانت سياسات الضريبة في البلاد مجدية. يشكل «صندوق كورونا» وحده أزمة في المالية العمومية. إن السلطات غير قادرة حتما على دفع فاتورة الكارثة لوحدها، وهي بحاجة إلى من يساعدها. ولسوف يتصدى كبار الأغنياء في البلد لفعل ذلك.

لقد ألقي علي باللوم حول ما كنت قد كتبته بخصوص تبرع عزيز أخنوش بمليار درهم لصندوق كورونا. كانت فكرتي أن هذا الملياردير بصدد البحث عن باب خلفي مُدعم بتبرع، في السياسات المالية للدولة، لكي يعين نفسه، وأيضا زملاءه الأغنياء، على تحمل الخسائر المحتملة من أزمة «كورونا». ولكن، هل كان أخنوش مجبرا على أن يمنح مليار درهم؟ لقد جعلت تبرعات الشركات لصندوق كورونا المناقشات حول ضريبة الثروة تبدو غير ذات بال. إن رجلا مثل أخنوش كان سيكون مفروضا عليه أن يضخ -لو كانت ضريبة الثروة مطبقة- أموالا أقل في المالية العمومية. ولسوف تتعذر محاسبته من الوجهة الأخلاقية، إذا لم يقدم شيئا لصندوق كورونا. إن الغاية من هذه الضريبة هي جعل الأغنياء، على نحو سواء، متضامنين مع مجتمعهم، ولو كان قد حصل وفعل ذلك، فإن عُشر ما كان سيقدمه آنذاك بشكل سنوي، كان سيعفيه من أي سؤال. كنا سنحتاج إلى عشر سنوات أو تزيد للحصول من أخنوش على مليار درهم ضرائب على الثروة. لحسن الحظ أننا لم نفعل. وعمر بلافريج، النائب اليساري، دون شك، سيعرف أن مقترحه لم يكن ليساعد في شيء، وكان علينا أن نطلب، بمذلة هذه المرة، من الأغنياء أن يدفعوا أكثر. وفي الواقع، من الضروري قياس تأثير مدخول الضريبة على الثروة في المالية العامة، وسنكون محظوظين بشكل هائل، إن نجحنا في جمع مليار درهم من كافة الأغنياء المقيمين بالمغرب. مليار درهم؟ لا شيء؛ إن الشركات تدفع ما هو أكثر كل عام؛ مليارا درهم على شكل مساهمات في صندوق التجانس الاجتماعي المخصص لتطوير التعليم. لا أحد يتحدث عن ذلك على ما يبدو. من الواضح، إذن، أننا كنا على الطريق الخطأ، حيث يبدو تضريب الثروات وكأنه ملاحقة دون جدوى لأشخاص من العسير تقفي آثارهم، فيما كان علينا أن نضع أقدامنا على الطريق الصحيح، أي حيث تصبح الضريبة أكثر عدلا، وأكثر فعالية.

غير أننا سوف نكون ظالمين إن أخذنا بتصورات الضريبة على الثروة بشكل جزئي. ولسوف نكون مصابين بالعمى أيضا إن كنا نعتقد أن الأغنياء يدفعون ما يجب. أخنوش نفسه ربح حوالي 4 ملايير درهم عقب تحرير أسعار المحروقات في عامين فحسب، ولسوف تكون محاسبته مصدرا لقلق أولئك الذين أرادوا منه أن يعيد بعضا من تلك الأرباح. إن مشكلة البلاد كانت تكمن دائما في وجود أولئك الذين يجب أن يدفعوا، لكنهم لا يفعلون ذلك، كما في وجود أولئك الذين يدفعون، لكنهم لا يفعلون بقدر ما يجب. التهرب والغش الضريبيان تحولا إلى رياضة وطنية يمارسها الأدعياء، خصوصا أولئك الذين يرمون في وجهك عناوين كليات الاقتصاد في الخارج التي درسوا فيها، فيما تبدو مصلحة الضرائب وكأنها تحت تأثير منوم. يمكنك تخيل العدد الهائل للإعفاءات الضريبية التي تقدم سنويا لفهم كيف تدار لعبة ما بمكر في مكان ما. بعد كل ذلك، أي كل ذلك المكر والغش والإعفاء، يستطيع رجال الأعمال التشكي في أول شهر مضطرب، وكأنهم كانوا يدفعون كل أرباحهم للدولة.

إن الإقلاع بعد كورونا سيكون رحلة مضطربة دون شك. لكن يتعين، في مرحلة معينة، أن نشد أحزمة الأمان، وأن نضع تصورا لمستقبل هذه الأمة. إن شبكات الأمان المجتمعية ليست على ما يرام. لا يمكن أن تحرم موظفا من عمله فجأة، أو تطلب منه أن يقبل بألفي درهم من صندوق الضمان الاجتماعي، فيما كانت أجرته مليون سنتيم مثلا. هذه الظروف ليست حتما وسيلة لجعل الطبقة المتوسطة أكثر فقرا، وهي أيضا ليست فرصة لمنح الشركات تعويضات جزافية عن خسائر يمكن تحملها في كل الأحوال. بنية الشركات هي أيضا بحاجة إلى إعادة نظر. الآلاف من المقاولات قدمت بيانات عجز في الشهر الأول من هذه الأزمة. هذا أمر غير صحي وغير معقول.

من الضروري التفكير، جديا، في الفقراء كذلك. إذا كانت هذه الجائحة قد كشفت شيئا جديرا بالاهتمام، فهو أن بطاقة العوز «راميد» محدودة الفعالية بشكل كبير. لقد كانت السلطات مضطرة إلى رفع عدد المستفيدين من تعويضات العوز لتشمل أولئك الذين لا يحوزون بطاقة «راميد»، ولسوف يكونون تقريبا بالحجم نفسه الذي يشكله من يملكونها. لقد ظلت مسألة مساعدة الفقراء تتأرجح بين السياسات باستمرار. لقد كنا بحاجة إلى حوالي 20 مليار درهم لدعم حوالي مليون ونصف معوز يملكون بطاقة راميد طول العام. وبالنسبة إلى بلد ذي موارد محدودة، فقد كان المبلغ مستحيلا. نعم، كان كذلك، لأننا في الغالب لم نكن نمتلك الشجاعة والإرادة الضروريتين لخلق مجتمع خال من العوز الشديد.

على الدولة أن تغير سياسات الاستثمار في الصحة والتعليم. لا ريب في ذلك. لكن عليها أن تبحث عن الموارد، حتى لا نكون مجبرين كل مرة على تشكيل صندوق لجمع التبرعات. الدول الصلبة لا تفعل ذلك. المتبرعون لديهم صلاحية فعل ما يشاؤون بأموالهم وفق الوجهة التي يرونها مناسبة لمواجهة الأزمة، فيما قد يكون من الصعب هنا الحصول على بيان شفاف عن الطريقة التي تدار بها –أو ستدار- أموال الصندوق.

وإذا كان على الدولة أن تعثر على موارد، فإن الطريق القصير -وقد يكون متعبا أيضا- هو الضرائب، وبشكل ضروري، هو جعل مكتب الصرف هيئة رقابية أكثر من أن يكون مجرد صيرفي بسيط. إن لتهريب الأموال، كما الإثراء غير المشروع، ناهيك عن التهرب والغش الضريبيين، ثم الإعفاءات الضريبية غير واضحة الأثر، تأثيرا مذهلا على البلاد، لنتذكر أن هذه الممارسات الفاسدة تحدث ثقبا ضخما قدره 70 مليار درهم بشكل سنوي.

ما ينبغي فعله ليس ملاحقة الأثرياء لتحصيل ضريبة ثروة لا تشكل، في نهاية المطاف، فرقا كبيرا في موارد الدولة. إن ما يجب القيام به -بصيغة الوجوب هذه المرة- هو مكافحة الفساد. سيمنحنا ذلك القدرة على مواجهة الكوارث كيفما كانت مسمياتها، وهذه عملية لا يمكن أن نصبر عليها عشرين عاما كما طلب منا، بكل صلافة، وزير للعدل.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عادل منصور (خ أ ص) منذ سنتين

* ملا حظة : هذه مٌـرْسَـلَـةٌ و ليست تعليقا . السلام عليكم .. الأخ منير ، حاولت الاتصال بهيأة التحرير عبر رابط : "اتصل بنا" في الموقع لكنه لا يشتغل ، مما اضطرني لمكاتبتكم من هنا ... أكاتبكم بخصوص : الفيديو الذي يحمل العنوان التالي :" تعنيف شاب من طرف زوجة والده..الأب: ابني استفزها" ، المنشور في موقع اليوم 24 ، لأن المقابلة مع أب الطفل تحمل كلمة نابية خادشة للحياء ، لم يتم ترميزها أو إخفاؤها ... طبعا بالتأكيد أـنها هفوة و خطأ غير مقصود ناتج عن ضغط و إكراهات العمل ... المرجو معالجة هذا الخطأ قبل إعادة رفع الفيديو .. نظرا لمكانة موقع اليوم 24 لذى قرائه و متابيعه .... و لما هو معروف عن الموقع من مهنية و ابتعاد عن الاسفاف و شكرا ... وفقكم الله رمضان مبارك لكم ... و السلام عليكم .