في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.
لم تنحصر المجاعة في فاس وناحيتها، ذلك أن الجفاف كان عاما ومتواصلا في شتى أقاليم المملكة. وقد أقيمت صلوات الاستسقاء في ثلاث مدن هي: مكناس، صفرو وسلا. وتفيدنا سفارة إنجليزية حلت بطنجة في 6 ماي 1721، بأن الناس في هذه المدينة كانوا يقيمون الصلوات استدرارا لرحمة السماء. وفتح المولى إسماعيل مخازن قمحه لإغاثة الجائعين، وأن قبائل البربر والأعراب هرعت إليها من كل حدب وصوب للاستفادة من هذا الغوث. وهناك ثلاث روايات مقتضبة تدل على الامتداد الجغرافي الكبير لأحزمة الجوع، الأولى تتعلق بمرسوم يهودي يرجع إلى عام 1731، ويستفاد منها يهود بني سنوس اتجهوا إلى وجدة ليقيموا بها مدة المجاعة التي سبقت موت المولى اسماعيل. والثانية يقدمها صاحب « رحلة الوافد » الذي يخبر بأن سنة 1721، تميزت بغلاء المعيشة بتاسافت جنوب مراكش، بلغت فيها أسعار الحبوب والفواكه والخضروات مستويات فاحشة، ويضيف أن المجاعة والأمراض أودت بحياة الكثيرين. كما يخبرنا المؤلف بأن الحالة كانت مزرية في آيت باعمران وأن الناس كانوا يموتون من الجوع والأمراض.
هاتان الروايتان تفيدان أن المجاعة تفشت بحدة في المناطق الشرقية والجنوبية، وأدت إلى حدوث وفيات كثيرة وهجرة الأفراد والجماعات للجهات القريبة أو البعيدة بحثا عن الغوث.
أما الرواية الثالثة، فهي أكثر أهمية وتتعلق بناحية الجديدة. كانت هذه المدينة ما تزال وقتئذ تحت الاحتلال البرتغالي. وحسب ما ذكره « كولفان »، فقد وقعت مجاعة مدمرة بالمغرب في عهد عاملها دوارتي سوردري بريرا، الذي روى أنه « من حسن الحظ أن المواد الغذائية كانت تصل من البرتغال لتموين حامية المدينة بحيث أن المغاربة هم الذين عانوا وحدهم من هذه الكارثة ». واغتنم البرتغاليون فرصة الظروف العصيبة التي كان يمر منها السكان فراحوا يشترون أبناء القبائل ونساءها، ويقول المؤلف: « للنجاة من الجوع اضطر أعداء الصليب إلى المجيء متوسلين لأهل الجديدة البرتغاليين ليبيعوا لهم نساءهم وأطفالهم ومواشيهم، مقابل حفنة دقيق أو قمح ». والظاهر أن حركة الاسترقاق هاته اتخذت أبعادا خطيرة، كما يستنتج ذلك من الرواية عينها « لم يسبق، كما حدث في هذا الوقت، أن اشترى البرتغاليون مثل هذا العدد الكبير من العبيد المغاربة ». ونعلم أن البرتغاليين سبق لهم أن مارسوا هذا الاسترقاق خلال المجاعة التي ضربت المغرب عام 1521، فقد أظهر الوطاسيون عجزا كبيرا في تدارك الموقف، مما تسبب في موت كبير في فاس ومكناس وعبدة ودكالة وهي حينها لم تكن تخضع لأي سلطة مركزية. « وحيث إن الناس تركوا وشأنهم، فإنهم لم يجدوا سبيلهم إلى الخلاص إلا ببيع أنفسهم وأولادهم للإسبان والبرتغاليين في أصيلة وأسفي وأزمور، بل عمد بعضهم لاعتناق المسيحية أملا في الحصول على لقمة العيش مفكرين بذلك بوحي من بطونهم لا من عقيدتهم ». كل هذا حدث في عهد الوطاسيين عندما كان الحكم المركزي عاجزا عن التدخل لتطويق الكارثة، أما أن تتكرر الظاهرة نفسها في عهد مولاي إسماعيل فهذا أمر يدعو حقا إلى الاستغراب.
تسببت هذه المجاعة في نزيف ديموغرافي كبير. يروي القادري قائلا: « لقد رأيت بالمرستان بفاس، الذي كانوا يجمعون فيه الأموات يجهزونهم فتراهم بعضهم على بعض حتى صعدوا من الأرض نحو القامتين كله معمور بالأموات ». يمكن أن نستشف، أيضا، من الرخاء المفرط الذي جرى الحديث عنه مباشرة بعد المجاعة، بحيث يقول محمد الضعيف: « وفي 1136 الموافق لـ1723 إلى 1724، أغاث الله البلاد والعباد بكثرة الأمطار في جميع الأمصار وفيها كان الرخاء المفرط ». ألا يدل هذا الرخاء المفرط على قلة المستهلكين؟ ثم علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الاسترقاق التي مارسها البرتغاليون بناحية الجديدة، والتي همت ساكنة فتية، خاصة النساء في سن الإخصاب. فهذا يعني أن السكان لم يتناقصوا فحسب، بل سيصعب تعويضهم لمدة طويلة.
وهكذا، فإن أواخر عهد مولاي إسماعيل يظهر أن صورة قاتمة تختلف عن تلك الصورة المشرقة التي رسمها الإخباريون عنه، بحيث يمكن القول إنه ترك لخلفائه مملكة قد أصابها الوهن وفي طريقها للضعف.
ولكي يمكن للبلاد أن تسترجع أنفاسها وسيرتها العادية، كان يلزم مرور مدة طويلة من الهناء الطبيعي والسلم الاجتماعي. لكن مع رحيل السلطان، وتهافت المتنافسين على اقتسام الوزيعة، مضى شريط الاضطرابات دون توقف وعادت المجاعة إلى الظهور من جديد، مع ما يواكبها عادة من أوبئة فتاكة.