فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. لماذا يثري الكاتب الإفريقي لغات الاستعمار؟ -الحلقة 3

29 أبريل 2020 - 01:00

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

قد نتساءل لماذا ينبغي أن يصبح الكاتب الإفريقي، أو أي كاتب آخر، مهووسا إلى هذا الحد بالاقتباس من لغته الأم وإثراء ألسن أخرى؟ لماذا يتعين عليه أن يرى في ذلك مهمته الخاصة؟ لم نسأل أنفسنا أبدا: كيف يمكن أن نغني لغاتنا؟ كيف يمكن أن ‘نتغذى’ على الإرث الإنساني والديمقراطي في كفاحات شعوب أخرى في أزمنة أخرى وأمكنة أخرى، بغية إثراء إرثنا؟ لماذا لا نتملك بلزاك وتولتسوي وشولوكوف وبريخت ولو سان وبابلو نيرودا وهـ. س. أندرسن وكيم تشي ها وماركس ولينين وألبرت أينشتاين وغاليليو وأيسخيلوس وأرسطو وأفلاطون باللغات الإفريقية؟ ولِم لا نبتكر مآثرنا الأدبية بلغاتنا؟ بعبارة أخرى، لماذا لا يبذل “أوكارا” جهدا ليبدع بلغة الإيجو، التي يعترف أنها تملك أعماقا فلسفية ومجالا من الأفكار والتجارب؟ ما كانت مسؤوليتنا تجاه كفاحات الشعوب الإفريقية؟ لِم لا تُطرح هذه الأسئلة. فما بدا مقلقا أكثر لنا هو ما يلي: بعد كل الرياضات الأدبية في افتراس لغاتنا للزيادة في عمر وحيوية اللغات الأخرى، فهل ستغدو النتيجة مقبولة باعتبارها إنجليزية جيدة أو فرنسية جيدة؟ هل سينتقد مالك اللغة استعمالنا؟ هنا، كنا ميالين أكثر إلى التوكيد على حقوقنا! كتب “تشينوا أتشيبي” يقول: “أشعر أن اللغة الإنجليزية ستكون قادرة على أن تنوء بحمل تجربتي الإفريقية. لكن يجب أن تصبح إنجليزية جديدة، تربطها صلة حميمة بوطن أجدادها، على أن تتحول لتلائم الأوساط الإفريقية”.

وكان موقف “غابرييل أوكارا” من هذه الفكرة يمثل جيلنا، حيث يقول: “قد ينظر البعض إلى هذه الطريقة في الكتابة بالإنجليزية باعتبارها استباحة للغة. هذا غير صحيح بالطبع. ذلك أن اللغات الحية تنمو مثل الأشياء الحية، والإنجليزية بعيدة عن أن تكون لغة ميتة، حيث لها صيغ أمريكية، وهندية غربية، وأسترالية، وكندية، ونيوزيلندية. تزيد جميعها في عمر وحيوية اللغة، إذ تعكس ثقافاتها الخاصة. لِم لا تكون هناك إنجليزية نيجيرية أو إفريقية غربية يمكننا أن نستعملها للتعبير عن أفكارنا الخاصة، وتفكيرنا وفلسفتنا بطريقتنا الخاصة؟”

كيف وصلنا إلى التسليم بـ”المنطق القدري لموقع الإنجليزية الراسخ في أدبنا”، في ثقافتنا وسياستنا؟ وما طبيعة الطريق الذي امتد من برلين سنة 1884، مرورا بمؤتمر “ماكيريري” سنة 1962، وصولا إلى المنطق الذي ظل سائدا ومهيمنا خلال السنوات المائة اللاحقة؟ كيف صرنا، باعتبارنا كتابا أفارقة، بهذا الهوان تجاه ما تطالبنا به لغاتنا، وبهذا الشراسة فيما نطالب به من لغات أخرى، خاصة لغات استعمارنا؟

لقد جرى تنفيذ بنود اتفاق برلين سنة 1884 بحد السيف والرصاص. غير أن ليل السيف والرصاص أدركه صباح الطبشورة والسبورة. وأعقب العنفَ الجسدي في المعركة العنفُ النفسي في القسم. لكن حيث كان الأول وحشيا على نحو جلي، كان الثاني وديعا بشكل واضح، وهي عملية وصفها شيخ حميدو وصفا أفضل في روايته “المغامرة الغامضة”، حيث يتكلم عن أساليب المرحلة الاستعمارية من الإمبريالية باعتبارها تتمثل في معرفة كيفية القتل ببراعة والمداواة بالفن نفسه. “في القارة السمراء، أخذ المرء يفهم أن القوة الحقيقية لم تكن تكمن البتة في مدافع مطلع الصباح، وإنما في ما تلا المدافع. من ثمة، خلف المدافع كانت المدرسة الجديدة التي امتلكت طبيعة المدفع والمغناطيس معا، حيث أخذت من المدفع نجاعة سلاح القتال. لكنها رسخت أقدام الغزو بشكل أفضل من المدفع. ذلك أن المدفع يرغم الجسد، بينما تسحر المدرسةُ الروحَ.

كانت اللغة، حسب رأيي، أهم وسيلة استمالت بها تلك القوة الروحَ وأسرتها. كانت الرصاصة وسيلة الإخضاع الجسدي. وكانت اللغة وسيلة الإخضاع الروحي. دعوني أشرح هذه الفكرة اعتمادا على تجاربي في تعلمي، خاصة في اللغة والأدب.

ولدت في عائلة زراعية كبيرة، تتكون من الأب وأربع زوجات ونحو ثمانية وعشرين ولدا. كما كنت أنتسب، كما كان جميعا في تلك الأيام، إلى أسرة أوسع امتدادا، وإلى المجتمع ككل.

كنا نتحدث بالـ”جيكويو” ونحن نشتغل في الحقول. كنا نتحدث الـ”جيكويو” داخل البيت وخارجه. بمقدوري أن أستحضر بحماس أماسي الحكايات تلك حول مواقد النار. كان الكبار يروون الحكايات للصغار في الغالب، لكن الجميع كانوا مهتمين بها ومنخرطين فيها. وكنا نحن الصغار نعيد رواية تلك الحكايات في اليوم الموالي لأطفال آخرين يعملون في الحقول، يقطفون أزهار حشيشة الحمى أو أوراق الشاي أو حبوب البن لصالح ملاكنا الأوروبيين والأفارقة.

كانت جميع الحكايات، التي يتخذ معظمها الحيوانات شخصيات رئيسة، بلغة الـ”جيكويو”. كان الأرنب بطلنا، لأنه صغير وضعيف، لكنه مفعم بالفطنة والدهاء المجددين. كنا نتماهى معه وهو يكافح الوحوش المفترسة مثل الأسد والفهد والضبع. انتصاراته هي انتصاراتنا، حيث تعلمنا منه أن من يبدو ضعيفا بمقدوره أن يغلب القوي. وكنا نتابع الحيوانات في مكافحتها ضد الطبيعة المعادية- الجفاف، المطر، الشمس، الريح- وهي مواجهة غالبا ما تجبرها على البحث عن أشكال من التعاون. لكننا كنا مهتمين، كذلك، بصراعاتها فيما بينها، خاصة بين الوحوش وضحايا الافتراس. إذ كانت هذه الصراعات المزدوجة، ضد الطبيعة والحيوانات الأخرى، تعكس صراعات الحياة الواقعية في عالم الإنسان.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.