في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.
بعد مجاعة 1721 ـــ 1724، ظهر كأن البلاد بدأت تسترد أنفاسها تدريجيا، حيث قُيض لمولاي إسماعيل، أن تكون السنوات المتبقية لحكمه الطويل سنوات هدوء نسبي وسلام من الجوائح الطبيعية. كان يبدو أن عجلة الحياة، قد أخذت طريقها إلى الرخاء والانتعاش، إلا أن ذلك كان مجرد محطة قصيرة وعابرة. فقد تدهورت الأمور بعد وفاة السلطان عام 1727، وسقطت البلاد في دوامة الحروب الأهلية على مدى 30 سنة، وأصبح الشغل الشاغل لكل السلاطين المتصارعين على الحكم جمع المال بأي طريقة، بما فيها الاقتراض التعسفي من التجار والتسلط على أموال الناس ليتمكنوا من الاحتفاظ بالعرش أو غزوه بالسلاح. هذه الحروب تسببت في خسائر جسيمة في الأرواح. وفي هذا الصدد، يذكر محمد الضعيف مثلا، أن الحرب التي اشتعلت في عهد مولاي أحمد بين القبائل الشمالية أسفرت عن مقتل 4000 شخص. ويذكر الناصري من جهته، أن مولاي عبدالله قتل 10 آلاف شخص من العبيد. فيما عدا مثل هذه الأرقام أو الإشارات إلى ألوف الضحايا تستعمل عبارة تدل على ما يشبه الفناء. وهذا ما يقوله القادري بصدد حديثه عن الحالة بعد وفاة السلطانين مولاي عبدالمالك ومولاي أحمد « كثرت الفتن بين سائر القبائل وكثر القتل وسفك الدماء فماتت خلائق لا يحصون، وكاد أن يهلك جميع من في الغرب من خاص وعام ».
ويروي الناصري أن مولاي أحمد عاث بعسكره في بساتين فاس وبحائرها وانتسف ثمارها واجتاح غللها. وفي حديثه عن الحصار الذي ضربه مولاي عبدالله على فاس، يذكر أن السلطان وزع الجنود عليها من كل ناحية وأطلق يد الجيش بالعبث في أطرافها من تخريب وقطع أشجار وإفساد مزارع. وفي الحروب التي قامت بين أهل فاس والأودايا يخبر المؤلف نفسه بأن ما نُهب من البقر والغنم بناحية زواغة كان شيئا عظيما.
وأثرت هذه الاضطرابات على ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتفشت المجاعة بفاس عام 1441 هجرية/ 1728ــ 1729 أثناء محاصرتها من طرف أحمد الذهبي في ولايته الثانية.
ففي مدينتي فاس ومكناس جرت فصول مأساوية، حتى أطلق عليها اسم « المسغبة العظيمة »، فقد كان الناس يتساقطون في أزقة فاس صرعى الجوع، وفي رواية ابن الحاج « مات بالجوع من لا يُحصى »، وروى محمد الضعيف قائلا: « ماتت عامة الناس بالجوع وعجز الناس عن دفن موتاهم وكانوا يرمونهم في الأزقة والمزابل وغير ذلك ».
وأدى ذلك إلى فرار الناس إلى مدن الشمال، كطنجة وتطوان والقصر الكبير والعرائش التي استقبلت أكبر عدد من النازحين، إلا أن الهجرة امتدت، أيضا، في محور شمالي جنوبي، إذ نقرأ في وثيقة يهودية ما يلي: « غادر يهود مكناس سنة 1738 هربا من المجاعة التي حلت بها واتجهوا إلى دكالة أولا، ثم ضربوا بعيدا نحو الجنوب حتى وصلوا إلى درعة ».
ومن مظاهر المجاعة في ذلك الوقت انتشار اللصوصية بسبب ضعف السلطة المركزية، فأصبحت المسالك في البادية ملغومة بِقُطّاعِ الطرق الذين لم يتورعوا في البطش بضحاياهم. وامتد مسرح عملياتهم إلى أحواز المدن، فضيقوا على فاس ومكناس وزرهون والرباط. في هذه المدينة الأخيرة تفيد رسالة مؤرخة في 12 شتنبر أنهم « نهبوا منذ بضع أيام قافلة على أبواب الرباط ». ومن جهة أخرى، يخبرنا القادري بأن قافلة نُهبت بطريق سايس بين فاس ومكناس، وأن الطرق تعذرت منذئذ.
وفي فاس، وفي الوقت الذي استبد بها القحط الأسود، كان الصراع السياسي على أشده بين « أهل فاس » من معارضي مولاي عبدالله، وبين مناصريه ضد أخيه محمد بن عربية من شرفاء وأصحاب زوايا. في ظل هذه الظروف لم تعد الأطر السياسية التقليدية تلعب دورا كاملا، إذ أصبحت العناصر المتصارعة منها حول النفوذ لا تجد غضاضة في الاعتراف باللصوص كقوة تستطيع التدخل لحل مشاكل المدينة، وممارسة دور توازن القوى بها. ومن ذلك أن « أهل فاس » استعانوا بهم خلال معاركهم مع الشرفاء. ووجد الأقوياء في تفشي الخوف موردا جديدا للكسب، فكانوا يجمعون المال من الناس لحماية الفلاحين من اللصوص.
وأدت المجاعة إلى تحطيم شروط الأمن والاستقرار في فاس، وفي ظل الفوضى والخوف من اللصوص أصبحت الكلمة الأخيرة لقوة السلاح، وأصبح الأمن مطلبا ملحا، وأصبح الناس مستعدين لمنح ولائهم لمن يجدون فيهم الحماية والأمن.
ولم تخرج فاس ومدن أخرى من حالة المجاعة إلا بعد الشروع في استيراد الحبوب من الخارج، وتهاطل الأمطار، حيث بدأت سحابة الجوع القاتمة في الانقشاع، « وطمع الناس في الحياة بعد اليأس ». لكن الجوع كان قد خلف أوضاعا مزرية في شتى الميادين وأوهن من صحة الناس، بحيث أنهم أصبحوا ضحايا سهلة للأمراض وعاجزين كقوة منتجة، وزاد من شدة هذه العوامل مصادفة أخرى فتاكة. فقد داهم البلاد طاعونان جارفان، في الوقت الذي لم تندمِل بعدُ جِراح الكارثة السابقة.