فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. طاعون 1742-1744 نقله تجار من الشرق ونشره الجنود –الحلقة 5

30/04/2020 - 20:00
فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. طاعون 1742-1744 نقله تجار من الشرق ونشره الجنود –الحلقة 5

في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.

بعد الطاعون الذي ظهر في عهد مولاي إسماعيل في 1678-1680، يبدو أن المغرب استراح من شر هذا الوباء الخطير زهاء نصف قرن. إلا أن أخطار العدوى ظلت تهدده باستمرار انطلاقا من البلدان المتوسطية. ويفهم من المصادر المغربية أن الطاعون ظهر مباشرة بعد اضطرابات جوية عنيفة. يذكر ابن الحاج في هذا الصدد أن رياحا هوجاء هبت عشية 12 شتنبر 1742، انهارت بسببها دور وأشجار عظيمة، ثم انهالت السماء بأمطار طوفانية مسترسلة نحو أربعين يوما، ففاضت الأودية، واجتاح سيل عظيم مدينة فاس، وتهدمت بسببه دور كثيرة كما جرف وادي سبو أشجار الأرز العظيمة وذهب بكثير من الدواب في الغرب. ويضيف المؤلف « في هذا الوقت تفشى الطاعون بفاس وزرهون ومكناسة وأحوازها وعم جميع المغرب ». والحقيقة أن الوباء ظهر منذ شهر مارس، كما يستشف ذلك من المراسلات القنصلية، إلا أن هذه المراسلات نقلت روايات متضاربة حول مصدره وطبيعته. تفيد رواية أولى بأن المرض لم يكن في الحقيقية سوى حمى نجمت عن إفراط السكان في تناول الفواكه، بدليل أن الوفيات المسجلة تنحصر بين المسلمين دون اليهود والنصارى. وتزعم رواية أخرى أن الطاعون مجرد إشاعة روجها يهودي من تطوان، يعمل كاتبا لباشا المدينة أحمد الريفي. والرواية الثالثة، وردت في مراسلة بتاريخ 19 مارس 1742 تفيد بأن قافلة تجارية محملة بالحرير قدمت من الشرق وحملت العدوى إلى قرية بجوار فاس. وهذا الرأي الأخير يبدو محتملا. كما نجد إشارة عابرة عند القادري تؤكد المصدر الشرقي للطاعون، إذ يقول إن الوباء ظهر أول مرة بتازة، ونحن نعرف أن هذا المدينة تقع عل المحور التجاري الرئيسي الرابط بين وجدة وفاس.

ويظهر إذن، أن الطريق الذي سلكه الطاعون إلى المغرب هو الطريق القاري القادم من الجزائر، وذلك في غضون مارس 1742. فما طبيعته وكيف انتشر؟

يمكننا الاعتماد على الأوصاف التي قدمت عنه في الجزائر عندما فتك بها سنوات 1740-1743، فقد كان المصابون يعانون في البداية من انحراف صحي كبير، ثم تأخذهم القشعريرة، فيتقيئون ويموتون. أما إذا تمكنوا من اجتياز هذه المرحلة الأولى فيصابون بحمى مرتفعة وانهيار تام وبعطش لا تنفع له غلة، وبتصلب في الساقين وبالهذيان وتظهر عليهم بعد ذلك الدماميل في الإبط، وأحيانا في العنق والقفا. وعموما، فإن المرض يودي بحياة صاحبه. وهذه الأوصاف لا تترك مجالا للشك في كون الوباء الذي نحن بصدده طاعونا بنوعيه الدملي والرئوي.

وعندما رمى الطاعون بكل قسوته على المغرب، كانت الظرفية تشكل أرضية مناسبة لتزيد لهيبه اشتعالا. فبالإضافة إلى آثار المجاعة السابقة كان الصراع على أشده حول العرش بين المولى عبدالله والمولى المستضيء، اللذين عبآ وحدات عسكرية متعددة الأصول. فقد ضم جيش مولاي عبدالله، الأوديا، وبربر زمور، وكروان، وأيت ادراسن، وأيت أو مالو، والحياينة وأولاد جامع، بالإضافة إلى فرقة من العبيد المشايعة له. أما المستضيء، فقد ضم جيشه عبيد مشرع الرملة، وجيش حليفه الباشا أحمد الريفي. وكان هذا الأخيرة يتحرك من تطوان وطنجة في اتجاه فاس بجموع غفيرة من الجند تضم جبالة والريف والفحص والخلط. وبلغ عدد قواته حسبما يخبرنا محمد الضعيف، 50 ألف جندي، بالإضافة إلى 15 ألف من الجبليين. ولكن هذه الوحدات كانت موبوءة. كان مشرع الرملة وهو أهم تجمع عسكري لجيش العبيد من بين المراكز الأولى التي أصيبت. وتفيد مراسلة في 6 نونبر أن العبيد كانوا يموتون بالآلاف والموت ما يزال يحصدهم على الأقل بالمئات ». ويستفاد من المراسلة أن قائد الجيش قرر بعدما رأى هذا الموت الذريع في معسكره الخروج متذرعا بتوجيه حملة ضد فاس ليطرد منها المولى عبدالله، لكن تبين فيما بعد أنه إنما خرج فرارا من الوباء. مع ذلك كان يموت من جيشه 20 إلى 30 جنديا في اليوم. وتفيد مراسلة أخرى في 16 أكتوبر أن الجيش الذي عبأه باشا تطوان لمحاربة المولى عبدالله كان يخسر كل يوم 25 إلى 30 ضحية بالوباء. كما تفيدنا المراسلة نفسها أن جل فرق العبيد المشايعة للمولى عبدالله، تعرضت للهلاك مع عدد من العناصر الأخرى.

ويظهر إذن، أنه إذا كان التجار هم الذين أدخلوا الطاعون إلى المغرب، فإن وحدات المقاتلين هي التي لعبت أهم دور في نشره أولا، على طول تنقلاتها، وثانيا، بعد عودة أفرادها الموبوئين إلى مواطنهم الأصلية. وامتد الوباء جغرافيا فاكتسح الشمال ضاربا مدن فاس مكناس، زرهون، وزان، القصر، تطوان، سلا، والرباط. وباستثناء هاتين المدينتين الأخيرتين، فقد تميز الوباء بقوة تدميرية في كل الجهات، خاصة في القصر الكبير ووزان. وتفيد مراسلة بتاريخ 25 يونيو 1742 بأن الكثيرين كانوا يموتون بهما، وأن من بقي فيهما على قيد الحياة لاذ بالفرار إلى المعمورة، إلى حد أنهما خلتا تماما من سكانهما. ثم انتشر الوباء فيما بعد في مدن أخرى مثل سبتة وأسفي ومراكش.

شارك المقال