جدل التراويح في زمن "كورونا".. أنصار الريسوني وجها لوجه مع علماء الدولة وأنصار "الإمارات"

02 مايو 2020 - 21:00

أعاد الجدل الذي أثير حول كيفية أداء صلاة التراويح، في ظل الحجر الصحي، إلى إخراج الخلافات والحسابات بين مختلف مكونات الحقل الديني في المغرب إلى الواجهة. الحكاية ابتدأت عندما أجاب الحسين آيت سعيد، عضو المجلس العلمي الأعلى وأستاذ الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، على سؤال ورد عليه من بلجيكا حول جواز صلاة التراويح من عدمه خلف التلفاز، بالقول إن تلك الصلاة جائزة ما دامت صورة الإمام مشاهدة وصوته مسموعا، وما دام أن الغاية من الصلاة خلف إمام غائب هي “الفوز بفضل الجماعة الكبيرة”.

“فتوى” آيت سعيد هذه لم تدم طويلا حتى خرج اثنان من أبرز زملائه في المجلس العلمي الأعلى لنسفها، ويتعلق الأمر بمحمد الروكي الذي قال: ” إن بعض الفقهاء المعاصرين أجازوا صلاة التراويح عبر المذياع والتلفاز، غير أن الأدلة تحيل على عدم الجواز في صلوات المكتوبات والفرائض وكذلك في الجمع وحتى في النوافل”. ثم مصطفى بنحمزة الذي رد في شريط فيديو يقول: “البعض الآن أصبح يحاول أن يغير مفهوم الصلاة، وينادي بالصلاة بإمام من خارج المسجد… حينما تصلي مع إمام غير موجود وأنت تتابعه على وسائل الاتصال الموجودة، أنت لا تتابعه متابعة دقيقة، والصورة التي تراها، تصلك متأخرة بلحظات قليلة… هذه ليست إمامة، ونريد أن تبقى الصلاة على ما هي عليه… هذا حدث سيزول، سيعلم الناس أن الصلاة الحقيقية هي أن يذهبوا ويصلوا مع الإمام في المسجد. لا نفتح هذه الأبواب، هذه أبواب تفتح ولا تسد”.

الحسين آيت سعيد، الذي سبق أن تلقى “تقريعا” من وزير الأوقاف احمد التوفيق، بعدما ردَّ على البرلماني عمر بلافريج في موضوع الحريات الفردية، سرعان ما سيخرج مبررا موقفه هذا، بعدما رأى اثنين من كبار زملائه في المجلس العلمي الأعلى قد خرجا للرد عليه، ورفض ما “أفتى” به، حيث كتب يقول “أولا: هذا نقل وعرض لما في المسألة وليس فتوى لأن الفتوى تكون جماعية لا فردية والذين سموها فتوى فذلك شأنهم وليس في كلامي من بدايته إلى نهايته ما يشير إلى أنه فتوى وحتى لو كانت فتوى فليست بملزمة لأحد. ثانيا: ما عرضته ليس رأيي الخاص وإنما هو رأي لكبار الأئمة…”.

مخالفة الريسوني

إذا كان هذا الاختلاف، على الأقل في ظاهره، يبدو اختلافا عاديا ومألوفا حدوثه بين “علماء الدولة”، وبينهم وبين غيرهم، وهو أمر محمود في الدين، فإن هناك من قال بأن الذين ردوا على الحسين آيت سعيد، فعلوا ذلك بخلفية “إياك أعني واسمعي يا جارة”، وأنهم، في الحقيقة، كانوا يردون، من خلال آيت سعيد، على رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين احمد الريسوني، الذي كان قد قال ، في لقاء عن بعد، نظمته حركة التوحيد والإصلاح بمكناس، تحت عنوان “رمضان وحالة الطوارئ”، إن الصلاة خلف إمام غائب ممكنة نظرا لورود تخفيفات وتسهيلات كثيرة في النوافل. وتابع الريسوني قائلا إن صلاة التراويح “فيها أقوال، وهناك عدة علماء أفتوا بجواز أدائها وراء المذياع وما شابهه باعتبارها نافلة وليس مفروضة”، معتبرا أن من لم يجد حلا في صلاة التراويح سوى أدائها وراء إمام غائب أينما كان، فهذا يُمكن… ويبقى أنه كلما اقتربنا وامتثلنا للصورة المنقولة، وهي الصلاة بالبيت ولو بمصحف يقرأ منه من يؤمنا، فهو الأسلم والأفضل ولا خلاف فيه نهائيا، ومن لم يجد هذه الحالة وأراد الصلاة وراء التلفاز فهو ممكن، علما أن التراويح ستقام ببعض الدول بدون مصلين وقد تُنقل عبر التلفاز”.

لقد اعتبر البعض أن قول محمد الروكي بأن من يقولون بجواز صلاة التراويح من وراء إمام غائب هو “تمييع لمفهوم الإمامة لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال إنما جعل الإمام ليؤتم به ومما يفهم من الحديث أن الإمام والمأموم به ينبغي أن يكونا معا في المسجد نفسه وفي المجلس نفسه رغم وجود تباعد أحيانا بسبب كثرة الصفوف”، هو رد يظهر طبيعة الخلاف والصراع بين “علماء” الدولة و”دولة العلماء” ممثلة في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ولذلك لم يخل رد الروكي على زميله آيت سعيد، الذي اتفق مع الريسوني، من استفزاز لفظي.

مواجهات بلا حدود

جدل صلاة التراويح خلف إمام غائب، بالاستعانة بالتلفزيون أو المذياع أو غيرهما من الوسائط الحديثة، لم يبق مغربيا مغربيا، حيث رد عبد الله الجباري، الباحث المغربي في العلوم الإسلامية، بطريقة ساخرة، على الفقيه السعودي، حاتم العوني، بتدوينة على الفايسبوك عنونه بـ”نظرية الخيال العلمي في النقد الفقهي”، قال فيه: “قرأنا نظرية المصلحة، ونظرية التعليل، ونظرية التقريب والتغليب، ونظرية التقعيد، ونظريات أخرى، ولم يسبق لي أن قرأت عن نظرية الخيال العلمي في الفقه، حتى رأيتها عيانا، في شريط طويل الذيل للأستاذ حاتم العوني، من المشتغلين بالحديث النبوي في مكة المكرمة زادها الله شرفا وكرما، وزاد أهلها نورا وفتحا”. وأضاف الجباري: “أصدر السيد حاتم العوني شريطا مطولا ليس للاستدلال على منع صلاة التراويح بواسطة الوسائل التواصلية الحديثة، وإنما أصدره لتفنيد وإفحام الطرف الآخر وفتواه، واشتط في القول وغلا، وكأنه يتكلم في قضية من الأصول، أو في قضية مجمع عليها، أو قضية ذات دليل قطعي، فاستعمل في حق الطرف الآخر عبارات لا تليق بإنسان يشتغل بالعلم، كالوصف بالشذوذ والبطلان، وكرر عبارات القول الشاذ الباطل العاطل… وهذا التكرار سائغ في الأكشن والميديا، حيث يلجأ المتحدث إلى إقناع المتلقي بالقصف اللفظي حتى يترسخ لديه بعد نهاية الشريط أن الأمر شاذ عاطل باطل. إذا كان هذا سائغا في فن البروباغندا، فإن الفقه لا يُرَجَّح بالقصف المعجمي، وإنما بالدليل”.

الجباري سوف يضرب عصفورين بحجر، عندما سيحول رده المتهكم على الفقيه السعودي بـ180 درجة في اتجاه الفقيه المغربي مولود السريري، حيث قال إن السعودي حاتم العوني “حاول أن يبين ضابط الجماعة، ومتى تكون جماعةً، ومتى يكون الإنسان منفردا أو في جماعة، ومفهوم الجماعة لغة وشرعا، إلخ ما أطال فيه، وأنا لا أعتبر قوله هذا شاذا أو عاطلا أو باطلا. كلا، ولكنه قول شارد، لماذا؟ لأن المجيزين لم يقولوا إن المصلي المنفرد في بيته إذا اتبع إماما فهو في جماعة، وله فضل الجماعة. فكأني به قد تخيل هذا القول ونسبه إلى خصمه وتسلح للرد عليه ونقضه، وبذل في ذلك جهدا، وهذا من باب جهاد في غير عدو. ولو حذفه من الشريط لكان قاصدا في قوله، ولأراحنا من التسمر أمام الشريط مدة أطول. وهذا أمر يفعله مولود السريري من المغرب، بدل أن يتكلم في الموضوع يحوم حول الحمى في دقائق عديدة مديدة”… إلى آخر “القصف” الطويل والمتشعب الذي أمطر به الباحث المغربي نظيره السعودي.

ابتلاع اللسان

الصراع السياسي الخليجي الذي وجد أصداءً له داخل المجال الديني في العالم الإسلامي والعربي، وكان لا بد أن يكون للمغرب منه نصيب، سيعود للظهور بمناسبة “تراويح كورونا”. فإذا كان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيسه احمد الريسوني يجدان من يناصرهما ويقاسمهما الرأي والفكر، فإن هناك من يناوئ رئيس الاتحاد ويتربص بكل خرجاته لينتقدها حينا ويتفهها أحيانا. أغلب هؤلاء الذين يقفون بالمرصاد لأحمد الريسوني هم من أتباع العالم الموريتاني الشيخ عبد الله بن بية، الذي استقال، في 2013، من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بعدما كان نائبا لرئيسه السابق يوسف القرضاوي، وهو الآن يشغل منصب رئيس مجلس الإفتاء الشرعي في دولة الإمارات. أنصار بن بية الذين انتقدوا، في البداية، الريسوني على فتواه التي أجازت الصلاة وراء إمام غائب، سوف يصدمون بشيخهم بن بية وهو يوافق الريسوني الرأي في هذا الموضوع. لذلك لم يهللوا لفتواه ولم ينشروها على حساباتهم في الفايسبوك وتويتر، كما يفعلون عادة. هذا الأمر التقطه الباحث في العلوم الإسلامية عبد الله الجباري، وكتب على صفحته بالفايس بوك يقول: “فتوى الشيخ عبد الله بن بية لم ينشرها أتباعه في المغرب لمخالفتها لما ذهب إليه الروكي والسريري. المهم، نحن ننشرها لنقربها إلى الناس”. وعلق الجباري على فتوى بن بية قائلا: ورغم أن الاستدلال بما قاله مالك والمدونة لا علاقة له بالنازلة، فالمهم في هذه الفتوى (فتوى بن بية) أن صاحبها توسع في التوسع حتى لم يبق للتوسع مجالا للاتساع. فقال بجواز الائتمام عن بعد حتى في الظروف العادية. وليس في ظروف الجائحة فقط”. وتابع الجباري يقول في التدوينة إياها: “كثير من أتباع المفتي الموريتاني الأصل الإماراتي الجنسية لم يسخروا من كلامه، ولم يقللوا من شأنه، ولم ينتقدوه. وفي المقابل، لم يقصروا في ذلك كله مع من قال بالجواز. يعني، حتى الفتوى والفقه بالوجهيات والمحسوبية ونتا ديالي والآخر ماشي ديالي. المهم، هاهي فتوى بن بية بين يديكم”. ونشر نص الفتوى التي قال فيها بن بية: “نفتي: بأن يصلي الناس في بيوتهم فرادى أو جماعات يؤم الرجل أهل بيته، بما معه من القرآن الكريم، أو بالقراءة من المصحف الشريف.

إلا أنَّه في الظروف العادية يصحُّ أن تؤدى صلاة التراويح في البيوت جماعة أو فردى بلا خلاف بين أهل العلم، كما يصحُّ فيها الاقتداء بالإمام من خلال التقنيات الحديثة التي تنقل الصورة أو الصوت، بشرط أمن انقطاع البث إبّان الصلاة عادةً، وذلك أخذًا بالصحيح من مذهب الإمام مالك في جواز الاقتداء بالصوت دون الرؤية وبالرؤية دون الصوت، وعدم اشتراط اتصال الصفوف، حيث يصحُّ الاقتداء بالإمام مع وجود حاجز أو مسافة بينه وبين المؤتمّ، ما دامت إحدى وسيلتَيْ الارتباط مضمونةً وهي الرؤية أو السماع مع مراعاة اتحاد الزمان والمكان (أي المدينة الواحدة).

فقد جاء في المدونة أنَّه قال: (وقال مالك: لو أن دورًا محجورًا عليها صلى قوم فيها بصلاة الإمام في غير الجمعة فصلاتهم تامة؛ إذا كان لتلك الدور كوى أو مقاصير يرون منها ما يصنع الناس والإمام، فيركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فذلك جائز، وإن لم يكن لها كوى ولا مقاصير يرون منها ما تصنع الناس والإمام إلا أنهم يسمعون الإمام فيركعون بركوعه ويسجدون بسجوده؛ فذلك جائز) المدونة (1/175-176)، وقال خليل في المختصر: (واقتداء به -أي بمسمع – أو برؤية وإن بدار) مختصر خليل (1/41).

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

احمد من فرنسا منذ سنتين

لماذا تكثر النقاشات في المسائل الفرعية! اﻻصل في التراويح ان تصلى في البيوت ؟! لكن المحزن في أﻻمر ان الفتاوي الاسلامية تختلف حسب توجهات سياسية وليست دينية محضة ، صديق البارحة عدو اليوم، ﻻن السياسة تريد ذالك !! رغم ان آﻻراء تختلف، واﻻختﻻف رحمة وليس نقمةوكما يقال من قلد عالما دخل الجنة سالما !!