فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. رجل محنة المماليك على رأس الدولة: إشكالية فقهية –الحلقة 6

04 مايو 2020 - 19:00

يعد ابن تيمية واحدا من الفقهاء والعلماء في تاريخ الإسلام الذين شغلوا مساحة واسعة من الجدل الديني والفكري والسياسي منذ قرون طويلة وإلى اليوم، سواء في العالم العربي والإسلامي أو في الثقافة الغربية، بل ربما كان الوحيد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أكثر من غيره، وأثيرت حوله الانقسامات، بل صار في فترات معينة عنوانا لما ليس هو، وتهمة كافية توجه إلى كل من دافع عنه أو تحدث عنه بغير اللغة التي يراد أن يُخاض بها في فكره وحياته وشخصه. بعيدا عن القراءة الإيديولوجية التي وضعت ابن تيمية خلال العصر الحديث في هذا الصف أو الصف المقابل، وجعلته إما فقيه السلطة، وإما منظرا للعنف، يحاول الدكتور إدريس الكنبوري تقديم قراءة ثالثة تسعى إلى تخليصه من الصورة النمطية، من خلال إعادة دراسته في واقعه، ووضع فكره وإنتاجه الفقهي ضمن التراكم التاريخي للفكر العربي الإسلامي (تنويه من التحرير: نظرا إلى كثرة الإحالات والهوامش نعتذر إلى القراء عن عدم نشرها).

 

في هذه الظروف المعقدة، ولد أحمد تقي الدين بن تيمية عام 661 للهجرة، الموافق 1263 للميلاد، في مرحلة صعبة من التاريخ الإسلامي. فقبل ذلك بثلاث سنوات كان السلطان الظاهر بيبرس البندقداري قد تولى السلطة، باعتباره أول سلطان من سلاطين المماليك الذين سيستمر وجودهم في الحكم قرنا من الزمن، وكان الصليبيون لايزالون يسيطرون على أجزاء من بلاد الشام حتى عكا، فيما كان التتار لايزالون يحكمون في العراق والجزيرة وخرسان.

لقد كانت أخبار سقوط الخلافة الإسلامية، التي مثلها العباسيون ردحا من الدهر، والطريقة البشعة والغادرة التي قُتل بها الخليفة المستعصم، لاتزال طرية على الألسن وفي أقلام المؤرخين. ولم يكن سقوط بغداد مجرد حدث صغير في التاريخ يمكن تعويضه، بل كان بمثابة انهيار نظام عالمي كامل تقف الخلافة الإسلامية في قلبه، كما لم يكن من غير الوارد أن ينعكس كل ذلك على الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية في العالم الإسلامي، خصوصا في دمشق والقاهرة اللتين انتقل إليهما مركز الثقل بعد زوال العاصمة بغداد، بل لقد انعكست تلك التحولات حتى على أمزجة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، إذ عمت الفوضى، وانتشر اليأس، وساد الخوف مما يضمره الصليبيون والتتار للمسلمين المذعورين، فعندما يقتل ممثل السلطة المركزية في الخلافة الممتدة الأطراف بتلك الطريقة، وتصل الأخبار بذلك إلى مختلف البقاع، لنا أن نتصور كيف يستقبل الناس ذلك.

كان الظاهر بيبرس يريد أن ينتقم مما حصل، وأن يعزز موقعه في السلطة، ولكي يفعل ذلك كان عليه أن ينهض بمهمتين، أولاهما، إيجاد الشرعية الدينية للحكم، والثانية إيجاد الشرعية السياسية. وقد وجد أن الخيار الأفضل لتعزيز مكانته في مواجهة خصومه من المماليك من جهة، وفي مواجهة بقايا الفاطميين من جهة ثانية، هو رفع مظلة الخلافة والجلوس تحتها، لذلك، ما إن علم بأن أحد أفراد الأسرة العباسية الحاكمة قد نجا من مذابح التتار حتى أرسل في طلبه على وجه الاستعجال لتنصيبه خليفة والحكم من خلاله. أما من حيث الشرعية السياسية، فقد شرع منذ توليه الحكم في شن الغارات على الصليبيين الذين تحالفوا مع التتار، فاستطاع بذلك أن يرص الجبهة الداخلية، وأن يعيد بعض الأمل إلى نفوس الناس.

بيد أن ذلك كله لم يكن يخلو من مشاكل اجتماعية ودينية، وربما نفسية أيضا، نتيجة وجود المماليك على رأس السلطة، وهم الذين كانوا إلى وقت قريب مجرد عبيد أو رقيق. فكونهم اعتنقوا الإسلام حديثا لم يحل المشكلة بشكل نهائي، لأن وجودهم في مركز السلطة في البلاد الإسلامية طرح إشكالية فقهية جديدة هي مدى صفاء عقيدة الدولة، ومدى علاقة القوانين التي سنوها بالشريعة الإسلامية.

ينحدر المماليك من قوميات عدة، منذ أن بدأ الخلفاء العباسيون في جلب الرقيق والعبيد من الشعوب الأخرى لتوظيفهم ضمن أسلاك الجيش، أو في الحراسة الشخصية للخلفاء، أو في المهام الداخلية في البلاط. وبالغ الخلفاء العباسيون في شراء هؤلاء العبيد من أسواق النخاسة مبالغة شديدة، إلى حد اختلاط الدماء داخل بيوتهم، فعلى سبيل المثال، كانت أمهات معظم أبناء هارون الرشيد من الإماء، ومنهم المأمون نفسه الذي كانت أمه فارسية، كما كانت أم المعتصم تركية، وكان هذا الأخير يميل أكثر إلى جلب الرقيق من تركيا، إلى درجة أنه عندما كثرت أعدادهم بنى لهم مدينة خاصة شمال بغداد هي سامراء، أو سر من رأى، بعدما تضايق منهم سكان المدينة.

وكان هؤلاء العبيد يُستجلبون، في الغالب، من بلاد القوقاز وفارس وتركستان وبلاد ما وراء النهر، وبعضهم من أماكن قصية كبحر البلطيق وحوض الدانوب، وهم لم يكونوا مسلمين لأن المسلم لا يُسترق، وحين يجري إيواؤهم في أماكن خاصة بهم يوجد بها موظفون يعنون بشؤونهم، يحضر إليهم كل يوم فقيه يحفظهم أجزاء من القرآن ويعلمهم آداب الشريعة والعبادات والخط، حتى إذا تقدموا في الدراسة، أخذ الفقيه في تعليمهم شيئا من الفقه.

وقد أقام المماليك نظاما اجتماعيا مغلقا، ذلك أنهم كانوا أكثر تعصبا لجنسهم وقوميتهم، ولم يكونوا يستعملون المماليك من جنسهم الذين كانوا يولدون في مصر، وبالتالي، يولدون أحرارا من البداية، لذلك، ظلوا يستعينون بالمماليك أو العبيد الذين يجلبونهم من أماكن أخرى، لأن هؤلاء العبيد لا يدينون بالولاء سوى للسيد الذين يرتبطون به.

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.