فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. المجاعة الكبرى في 1776 و1779 إلى 1782 -الحلقة 6

04 مايو 2020 - 20:00

في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.

لما تولى سيدي محمد بن عبد لله الحكم عام 1757، بعد مرور ثلاثين سنة من السنوات الصعبة، بدأت البلاد تتنفس الصعداء. وخلال العقدين الأولين من هذا العهد الجديد تراجعت موجات الحروب الأهلية وعصابات اللصوص وقطاع الطرق، كما خلا سجل هذه المرحلة من الكوارث الطبيعية، وكلها عوامل مكنت البلاد من استعادة ازدهارها، وتزايد عدد السكان لتعويض الأجيال. لكن ما كاد يمضي العقدان حتى اعترضت عهد سيدي محمد مجاعة ماحقة أرهقت البلاد والعباد، وصفتها المصادر المغربية بـ”المجاعة الكبرى”. بدأت أولى مؤشرات هذه المجاعة في عام 1775، ففي هذه السنة اجتاح الجراد إقليم سوس والغرب دون أن يعرف مدى الخسائر التي تسبب فيها. إلا أن القنصل الفرنسي شيني، يخبرنا بأن المحاصيل جاءت ضعيفة، وهناك معطيان آخرين، هما: اشتداد موجهة الغلاء ثم قرار السلطان منع التصدير. وكان السكان منذ سنة إذن على شفا نقص حاد في الغذاء.

أصبحت الحبوب نادرة في الأسواق وأسعارها مرتفعة، كنتيجة للموسم الفلاحي السابق، وبسبب الأمطار الطوفانية التي تهاطلت. هكذا أصبح الغذاء غير متاح للضعفاء ومنذ شهر أبريل من هذا العام كان عدد من الناس يموتون من الجوع حتى بالعاصمة الجنوبية، واضطر الكثير من الآباء إلى التخلي عن أبنائهم للمحسنين لعدم استطاعتهم إعالتهم. وأمام تفاقم الشدة أضطر السلطان إلى السماح للأوروبيين باستيراد الحبوب مع إعفائهم من أداء الرسوم الجمركية تشجيعا لهم، لكن الأمطار تهاطلت في شهر ماي وتتالت 15 يوما بلا انقطاع، فخففت من موجة الغلاء.

ولكن لم تكد الأحوال تتحسن حتى حل جفاف رهيب بالبلاد ما بين 1779 و1782، دمر المحاصيل وهجمت أسراب الجراد واضطر السلطان لاستيراد القمح الذي كان يصدره بالأمس. فقد انحبس المطر في جميع الجهات في 1778- 1779، ويقول محمد الضعيف: “وقع موت البقر حتى كاد ينقطع”، وهو ما يشير إليه السفير شيني بقوله “إن البهائم نفقت بالآلاف ولن يتأتى تعويض هذه الخسائر حتى لو توفر الكلأ لمدة أربع سنوات متتالية”. وإلى كارثة الجفاف انضافت كارثة الجراد.

كانت أسراب ضخمة من الحشرات المدمرة ظهرت منذ صيف 1778، وبلغ من درجة كثافتها أن عتمت السماء. ويفهم من رواية شيني أنها لم تتلف المزروعات، إلا أنها تركت وراءها يرقات صغيرة سرعان ما أفرخت وتسببت في أفدح الخسائر. ثم عاد الجراد للظهور في السنة الموالية وغطت جحافله البادية ابتداء من الربيع، تاركة وراءها الأشجار عارية والحقول جرداء. وأدت هذه الكارثة إلى انهيار المحاصيل واشتعال الأسعار. ومع نهاية السنة بلغ عجز الغذاء أسوأ مراحله، مما جعل السلطان يوزع الغوث على رعاياه. وساهمت حركة السفن بين مدينة نفارو البرتغالية وطنجة، في تخفيف حدة الأزمة حيث كانت السفن تأتي محملة بالفواكه اليابسة والزيت والزبدة والقمح، إلا أن ذلك لم يحل دون هلاك الكثيرين. يذكر محمد الضعيف أن الجياع “كادوا يأكلون بعضهم”، ويؤكد الزياني أنهم أكلوا الموتى والدم والخنزير والآدمي، بينما يكتفي ابن الحاج بالقول إن “الموت بالجوع كثر في سائر البلاد”. وبالرجوع إلى مراسلات شنيي، نجده يذكر إشارات إلى هذه المأساة وهي وإن كان تهم الرباط وأحوازها، إلا أنها تسلط الضوء على ما كان يجري في جهات أخرى. في 18 دجنبر 1779، كتب يقول: “بلغ الجوع بالقرويين مبلغه وهم يجوبون الحقول بحثا عن الجذور والكثيرون يتهالكون جوعا”. وكتب في الشهر التالي: “ماتزال شحة الطعام مستمرة والموت يفتك بالناس، لقد تم العثور أسر بكاملها ميتة في الطريق”. وكتب في شهر فبراير “ما من يوم يمر إلا ويُدفن فيه الكثيرون من الأشقياء”. وفي شهر مارس كتب: “إن عددا لا حصر له قد هُلك بالبؤس والجوع”. من جهة أخرى، يفيد مصدر يهودي بأن المجاعة تفشت بحدة في فاس خلال 1780، بعدما بلغت أسعار المواد الغذائية بالمدينة مستويات فاحشة. وحسب المصدر نفسه، فإن عددا كبيرا من اليهود اعتنقوا الإسلام في هذه المجاعة، بينما هُلك عدد كبير منهم.

وبلغت المجاعة ذروتها في 1779، وكانت الآمال معلقة علقة على الموسم الفلاحي الجديد لمحوها، خاصة أن الأمطار تساقطت في نهاية هذه السنة. يخبرنا السفير شيني بأن المحصول جاء ضعيفا، وما زاد الطينة بلة تهافت الجياع على نهب بواكير الغلات وهي ماتزال في الحقول، وتحولت على الخصوص أراضي الغرب والشاوية إلى ميدان صراع من أجل البقاء بين النهابين الجياع والملاكين، فقد كان هؤلاء الأخيرون يدافعون عن بساتينهم وحقولهم بحد السلاح ويسارعون إلى جني أو حصد ما أمكنهم إنقاذه من النهب قبل أوان النضج”. وكنتيجة لسوء التغذية واستهلاك مواد غير ناضجة تفشى وباء بين السكان، يبدو أنه لم يكن معديا، إلا أنه كان قاتلا، إذ مات بسببه حسب رواية شيني، الآلاف من الناس في الرباط وسلا ومكناس وفاس ولعل هذا الوباء هو الذي أشار إليه ابن سودة، في كتاب: “إتحاف المطالع” بقوله: “وفي هذه السنة 1780-1794 كان بالمغرب مرض الحمى ومات به خلق كثير”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.