صوّتت الجمعية الوطنية الفرنسية، أمس الخميس، بالإجماع على مشروع قانون يقضي بالإلغاء الرسمي لما يُعرف بـ »الكود الأسود »، وهو النص القانوني الذي شكّل منذ أواخر القرن السابع عشر الإطار التشريعي المنظم للعبودية في المستعمرات الفرنسية، في خطوة وُصفت بأنها ذات أبعاد رمزية وتاريخية مرتبطة بمراجعة الإرث الاستعماري الفرنسي.
وجاء التصويت بعد نحو 178 سنة من الإلغاء النهائي للعبودية في فرنسا سنة 1848، غير أن المراسيم الملكية التي أرست نظام « الكود الأسود » ظلت قائمة من الناحية الشكلية داخل المنظومة القانونية الفرنسية، رغم توقف العمل بها منذ القرن التاسع عشر.
ويُعد « الكود الأسود » من أكثر النصوص القانونية إثارة للجدل في التاريخ الفرنسي، إذ صدر أول مرة سنة 1685 في عهد الملك لويس الرابع عشر، ونظم أوضاع المستعبدين في المستعمرات الفرنسية، خصوصا بمنطقة الكاريبي. وقد اعتبر الأفارقة المستعبدين « أملاكا منقولة »، وفرض عليهم قيودا صارمة وعقوبات قاسية، كما وضع قواعد تنظم الحياة الاجتماعية والدينية داخل المستعمرات.
وخلال المناقشات البرلمانية، اعتبر عدد من النواب أن الإبقاء على هذه النصوص ضمن الترسانة القانونية الفرنسية، حتى وإن كانت فاقدة لأي أثر عملي، يشكل تناقضا مع القيم التي تعلن الجمهورية الفرنسية الدفاع عنها، وخاصة مبادئ الحرية والمساواة وحقوق الإنسان.
ويأتي هذا القرار في سياق تصاعد النقاش داخل فرنسا حول الذاكرة الاستعمارية والعبودية ومسؤولية الدولة في مواجهة آثارها التاريخية والاجتماعية، خاصة بعد سنوات من المطالب الصادرة عن جمعيات مدنية وممثلين عن أقاليم ما وراء البحار تدعو إلى الاعتراف الكامل بالإرث المرتبط بالاستعباد والاستعمار.
ورغم الإجماع الذي حظي به مشروع القانون، فإن النقاشات كشفت استمرار الخلاف بشأن مسألة التعويضات المرتبطة بمرحلة العبودية، إذ لم يتضمن النص أي إجراءات مالية أو قانونية لفائدة أحفاد المستعبدين، وهو ما أثار انتقادات بعض النواب والفاعلين الحقوقيين الذين اعتبروا أن الإلغاء الرمزي لا يكفي لمعالجة آثار قرون من الاستغلال والتمييز.
ويرى مراقبون أن التصويت يمثل خطوة جديدة ضمن مسار فرنسي أوسع لإعادة قراءة الماضي الاستعماري، بعدما سبق لفرنسا أن اعترفت سنة 2001، بموجب « قانون توبيرا »، بأن تجارة الرقيق والعبودية تمثلان جريمة ضد الإنسانية.
ولا يزال مشروع القانون في حاجة إلى مصادقة مجلس الشيوخ الفرنسي قبل أن يستكمل مساره التشريعي ويصبح نافذا بشكل نهائي، غير أن التصويت الحالي اعتُبر حدثا سياسيا وتاريخيا بارزا يعكس محاولة فرنسية متجددة لمواجهة أحد أكثر فصول تاريخها الاستعماري حساسية وإثارة للجدل.