ذاكرة اليسار.. عبد الرحيم بوعبيد: شهادات وتأملات 1944-1966

08/05/2020 - 01:00
ذاكرة اليسار.. عبد الرحيم بوعبيد: شهادات وتأملات 1944-1966

تعزز المشهد الثقافي المغربي في العقدين الأخيرين بصدور عدد من المذكرات، من أبرزها مذكرات فاعلين سياسيين من هيئات تنتمي إلى اليسار المغربي. وتناولت هذه المذكرات بشكل متفاوت وبرؤى مختلفة، الأحداث الهامة والمصيرية أحيانا، التي عرفها المغرب زمن الحماية والاستقلال. وأثار مضمون هذه المذكرات وما جاء فيها من آراء ومواقف وتفسيرات ردود فعل متفاوتة، صدرت عن مثقفين وسياسيين ومهتمين من أطياف متعددة. وتم الاحتفاء غير ما مرة ببعض هذه المذكرات. كما تم تقديمها في عدد من المنابر والمؤسسات. وفي هذا السياق، ومساهمة منها في إثراء النقاش الدائر، وانسجاما مع اهتماماتها، نظمت مجلة رباط الكتب الإلكترونية لقاءً علميا بشراكة مع مؤسسة أرشيف المغرب، في موضوع ذاكرة اليسار. وساهمت في اللقاء الذي احتضنته المؤسسة بتاريخ 18 أبريل 2019، ثلة من الباحثين الجامعيين والشباب. وقد اختار المشاركون في اللقاء مقاربة موضوع الذاكرة، من خلال نماذج منتقاة هي: شهادات وتأملات لعبد الرحيم بوعبيد، وهكذا تكلم بنسعيد لمحمد بنسعيد آيت إيدر، وأحاديث فيما جرى لعبد الرحمن اليوسفي، ويوميات العمل الوطني المسلح لعبد السلام الجبلي، والمغرب الذي عشته لعبد الواحد الراضي. وحظيت هذه المساهمات بتمهيد نظري من خلال قراءة في كتاب ميلونكوليا اليسار: الماركسية، التاريخ، والذاكرة لإنزو ترافيرسو. مجلة رباط الكتب تفضلت بتقاسم ثمار هذا اللقاء مع قراء «أخبار اليوم»، والتي تنشرها على حلقات.

 

تعتبر الذاكرة أساس الكتابة التاريخية حول الماضي القريب، بل تعد، حسب بول ريكور، بمثابة حوض السمك الذي يأخذ منه المؤرخون، لما تثيره من تعدد المحكيات، والمساهمة في تراجع مساحة الطابو والمحرمات، وإن كان ضروريا الانتباه إلى سياق ورهانات الكتابة.

وتكثفت العودة للذاكرة بمستويات مختلفة وبأهداف متنوعة، حيث شهدت العقود الأخيرة تناسل عدد من الشهادات، حاول معها أصحابها استعادة تجاربهم الشخصية والسياسية، والأحداث التي شهدوها وكانوا من الفاعلين فيها خلال القرن العشرين.

ويعد عبد الرحيم بوعبيد من بين هؤلاء الفاعلين الذين حاولوا التوثيق لمرحلة من مساره النضالي، انطلاقا من عمل حمل عنوان شهادات وتأمّلات. ويضم هذا العمل مجموع الكتابات التي خلفها عبد الرحيم بوعبيد عن الفترة الممتدة بين عامي 1944 و1961. ويقع في جزأين من 519 صفحة، ويتكون الأول من الكتابات التي حرر عبد الرحيم بوعبيد أهمها في وقت سابق وأكملها خلال إقامته الجبرية بميسور إبّان شتاء 1981-1982. أما الجزء الثاني، فهو عبارة عن إعادة نشر الافتتاحيات التي سبق صدورها في جريدة الاستقلال، والتي كتبها في سنتي 1951 و1952. ويتعلق الأمر إذن بجزأين متعاقبين، متداخلين كرونولوجيا، وكتبا في وقت محدد من مسار المؤلف.

وننطلق في قراءتنا لهذه الشهادة من جملة تساؤلات هي: كيف استحضرت تجربة بوعبيد هذه المرحلة؟ وما طبيعة الكتابة التي اعتمدها؟ وما حدود التقارب بين الذاكرة والتاريخ في هذه التجربة؟

يبتدئ الجزء الأول المعنون بـ « دفاتر نحو الاستقلال 1944-1961″، بالوقوف على حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944. وكان المؤلٍّف من بين أصغر الموقعين على هذه الوثيقة. ويستعيد عبد الرحيم بوعبيد بقوة التفاصيل الدقيقة لتلك اللحظة المؤسٍّسة على المستويين السياسي والرمزي، كاشفا عن حيثيات الاستشارات التي كانت تتم في سرية تامة بين الملك وقادة الحزب الوطني منذ بداية سنة 1942، أي قبل نزول قوات الحلفاء بالمغرب في نونبر 1942. وذلك بعد أن تبين أنه لم يعد ممكنا إعادة طرح مطالب « برنامج الإصلاحات » التي تعود لسنوات 1934-1936 حتى لو تم تجديدها، لأنها أصبحت متجاوزة. كما لم يعد من الممكن إعادة طرح مطلب الاحترام الدقيق لبنود معاهدة 1912، والتخلي عن نظام الإدارة المباشرة، واستعادة ما تبقى نظريا من مقومات السيادة المغربية.

خلّف نزول الحلفاء لدى مجموع مناضلي الحزب الوطني وأطره إحساسا كبيرا بالمرارة. فالقيادة العسكرية الأمريكية لم تكن لها علاقات سوى مع القيادة الفرنسية الجديدة، وكانت تتجاهل عاهل البلاد. وشكل ذلك دافعا لإجراء اتصالات مع موظفي القنصليات الأمريكية في الرباط وطنجة، ثم فيما بعد مع بعض ضباط القيادة الأمريكية. إلا أن المخاطبين الأمريكيين، الذين كانوا يشعرون بنوع من الإحراج، اختاروا أن يظلوا صامتين وقبلوا بالاستماع فقط.

وفي هذا السياق، يورد عبد الرحيم بوعبيد حدثا تاريخيا مهما، وهو طلب الجنرال موريس نوغيس من السلطان محمد بن يوسف الانتقال إلى فاس، بمجرد الإعلان عن عملية الإنزال الأمريكية بالدار البيضاء والمهدية. وكان الهدف من هذا الطلب هو تمكين المقيم العام من الاحتماء وراء السلطة الملكية والانسحاب بدوره إلى فاس. وكان هذا العمل سيفسر كنوع من المقاومة لعملية إنزال قوات الحلفاء. إلا أن العاهل رفض مغادرة الرباط، ولم يتبن موقف المقيم العام الممثل لحكومة فيشي.

انعقد مؤتمر آنفا يومي 22 و23 يناير 1943، واستدعي السلطان للحضور باعتباره عاهل البلاد، وذلك بإلحاح من الرئيس الأمريكي روزفيلت. والتقى السلطان، مصحوبا بولي العهد مولاي الحسن والجنرال « نوغيس »، بالرئيس الأمريكي الذي تحدث، بعبارات عامة، عن روح الميثاق الأطلسي، وعن ضرورة أخذ تطلعات الشعوب إلى حريتها وامتلاكها الحر لثرواتها، وذلك أمام تشرشل الذي ظل صامتا ويبدو عليه نوع من الانزعاج. هكذا تحقق الهدف، وأخبر السلطان نفسه حلفاء فرنسا الحرة بتصميم الشعب المغربي على وضع حد لروابط التبعية التي فرضتها معاهدة فاس وعلى استرجاع السيادة الكاملة. وكتب بوعبيد، « تم تحقيق خطوة حاسمة، في العمليات التحضيرية لعريضة 11 يناير 1944 » (ص.26).

وقبل تحديد صيغة مشروع العريضة على الورق، تم اقتراح تسمية التجمع الذي سهر على العملية، أي اسم « حزب الاستقلال ». يقول بوعبيد: « اقتراح أحمد بلافريج، استند فيه ربما إلى الحزب الذي كان يحمل نفس الاسم في العراق. وقد أبدى المهدي وأنا شخصيا، بعض التحفظات.. استقلال، نعم ولكن لماذا كلمة حزب؟ فجبهة وطنية أو أي صيغة أخرى ستكون أكثر ملاءمة لبنيته ومكوناته المختلفة، لأن المعركة ستكون طويلة، وإذا وقعت انشقاقات فالانشقاق عن الجبهة سيكون بتأثير سياسي أقل. إلا أن هذه الملاحظات لم تحظ بما تستحقه من الاهتمام » (ص.28).

وأشارت المذكرات إلى الاتصال بمحمد بلحسن الوزاني، بيد أنه رفض العرض، وبالمقابل بقي موقف بعض أنصاره غامضا. كان الاستثناء هو محمد بن العربي العلمي، الذي قبل أن يكون بين الموقعين على العريضة. وذكرت كذلك التواصل مع جمعيات قدماء تلاميذ فاس والرباط وسلا وغيرها من المدن، بهدف لفت انتباه الرأي العام الدولي إلى الإرادة الجماعية للمغاربة. كما تم التواصل مع خريجي الثانويات أو المؤسسات البربرية، ومن بينهم جمعيات قدماء تلاميذ ثانوية أزرو. وشارك العلماء أيضا في هذه المبادرة، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن العربي العلوي. وأثير خلالها اسم كل من بوبكر زنيبر والمختار السوسي، ولكن لم يحتفظ باسميهما في النهاية ضمن لائحة الموقّعين. وأثير اسم آخر هو مسعود الشيكر، وهو موظف سام في المخزن منذ عدة سنوات، وكان صلة الوصل بالملك في اللحظات الاستعجالية، وحرص على أن يخرج من الظل، وبذلك كان من بين الموقعين الأكثر إثارة للانتباه على العريضة. ومن جهة أخرى، تم ربط الاتصال مع باشا مراكش، ومع خصمه القائد العيادي.

 

 

شارك المقال