في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.
في سنوات 1802-1808، أي مباشرة بعد طاعون 1798-1800، تمكن مولاي سليمان من توطيد حكمه المركزي، وفرض الأمن وجباية الضرائب بكيفية منتظمة تقريبا، بحيث ظهر خلال هذه المدة وكأنه يبسط حكمه على مملكة ممهدة، يسودها النظام والاستقرار، ولا يوجد ما ينبئ بشيء من شأنه تعكير صفوها أو الرمي بها في أتون الفوضى والاضطرابات. والواقع أن هذه السنوات العشر في حاجة إلى أن تُدرس بعناية وأن تعلل أحداثها تعليلا مقبولا لنتعرف على العوامل الحقيقية التي أفضت إلى هذه النتائج السارة. ويمكن في هذا الإطار معرفة الدور الذي لعبه الطاعون، فقد أبرز الإخباريون المغاربة والملاحظون الأجانب هذا الدور بكل وضوح. فالمؤرخ الزياني اعتبر الطاعون « خيرا » لأنه أراح السلطان من إخوته الثائرين عليه. أما أكنسوس، فكان أكثر وضوحا عندما قال: « وانقطع الوباء بالمغرب.. وظهر في الدنيا سرور وفاضت الخيرات.. وكذلك لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين، ولا مات الظلمة العتاة ومشاهب البلاد، وشياطين القبائل تمهدت المملكة لمولانا سليمان، فلم يعد له منازع ولا معارض ». ولاحظ القنصل الإنجليزي ماطرا أن: « مولاي سليمان يحكم قبضته الآن على البلاد بشكل مطلق، لأن الأقاليم الساحلية خلت كثيرا من سكانها ولم يعد بالإمكان، بالتالي، أن تظهر بها حركة عصيان ».
لقد أراح الطاعون إذن، مولاي سليمان من إخوته المنافسين له على العرش، وأراحه، أيضا، من بعض العمال المناوئين له. كما أنه استنزف قوة القبائل، هذا بالإضافة إلى أنه مكنه من الحصول على الثروات التي لم يبق لها وارث. وعلى هذا يمكن القول إن الوباء قام بالمهمة التي عجز عنها السلطان. وكان، بالتالي، خير حليف له في بسط نفوذه. غير أن هذا ليس سوى وجه واحد من الأمور. أما الوجه الآخر، فهو أن الطاعون خلف انعكاسات سلبية على مستوى الدولة، بالقضاء على أطرها الإدارية والعسكرية والدينية، وهذا دون ذكر الصعوبات الأخرى مثل اختلال الحياة الاقتصادية. وبناء على ذلك، نرى أن قوة الدولة صورية أكثر منها واقعية. وإذا كانت المملكة قد تمهدت للسلطان، فإن هذا راجع لضعف القبائل وليس لقوته. ذلك ما أبانت عنه الأحداث، فلم يكد تمضي سوى بضع سنوات حتى ظهر مولاي سليمان عاجزا عن التحكم في الموقف عندما اجتاحت البلاد سلسلة جديدة من الثورات، والتي يعتبرها البعض « سيبة » متأصلة في القبائل. ويمكن تعليل أسبابها، أيضا، على ضوء نتائج الطاعون.
أولا، هناك مشكل الضرائب الذي استدعى حله استعمال القوة، ورغم أن هذا ليس مشكلا جديدا إلا أنه يكتسي خطورة في أعقاب كل انهيار ديموغرافي كبير. ذلك أن البنيان الاجتماعي كان يجعل من الصعب على الدولة التعامل فرديا مع الفلاحين، ومن ثم نمت وتوسعت في وقت مبكر فكرة المسؤولية الجماعية التكافلية، عن دفع الضرائب. فإن انقرضت أسرة عن بكرة أبيها، وهو ما كان يحدث في أعقاب الكوارث الطبيعية يصبح ما عليها من واجبات عبئا إضافيا على كاهل الأسرة المنتمية إليها بحكم القرابة. وبتشديد المخزن على الأحياء، كان يتسبب في ظهور مقدمات التدمير الداخلي، ودفع القبائل إلى استعمال العنف كوسيلة للرد على السلطة المستبدة. ذلك ما لاحظه روزنبرجي والتريكي بالنسبة إلى القرنين 16 و17، « ليس بالإمكان تكليف الأحياء، وقد ازدادوا ضعفا بأداء ما بذمة الضحايا بدون مصاعب ومخاطر إثارة التذمر وحتى الثورات ».
إلى ذلك ينبغي أن نضيف الحالة النفسية التي عادة ما يخلفها الطاعون، فظهور هذا الوباء المدمر الذي لم يكن الناس يستطيعون له فهما ولا تفسيرا كان يعتبر عقابا سماويا عن أخطاء الخلق. وهي حقيقة تبلورت إبان طاعون 1798-1800، وسجلها دجاكسون بقوله: « إن السكان يسمون الطاعون خيرا ويعتبرونه عقابا من الله على معاصي العباد »، على أن فكرة العقاب السماوي كمصدر للوباء لم تكن تحول دون البحث في المحيط البشري عمن تلصق به التهمة، وتوجه ضد النقمة العامة. وكان المخزن هو الذي يعتبر دائما مسؤولا وتوجه له النقمة، وإن لعجزه عن منع وقوع المعاصي التي استلزمت عقاب السماء.
هكذا، فإن الطاعون ملأ الأفاق تجهما والنفوس قلقا واضطرابا وهيأ الأرضية أمام بروز القوى اللامركزية الطاردة التي كانت تجد عملها ميسورا في ظل هذه الحالة المضطربة. هذا هو المناخ الذي ينبغي أن نبحث في أجوائه عن العناصر التفسيرية للثورات التي عتمت السنوات الأخيرة من حكم مولاي سليمان وجعلت الدولة نفسها على شفا الانهيار. وهذا ما يفسر النجاح الباهر لحركة أبي بكر مهاوش، زعيم أيت علي، الذي تمكن من جمع بربر صنهاجة وزناتة تحت رايته في جبهة واحدة ضد المخزن. فهذه الحركة ذات الأهمية البالغة في التاريخ، انطلقت متزامنة مع طاعون 1800. يقول محمد الضعيف: « وفي رمضان )يناير- فبراير 1800(، قوى الكلام في الناس على ولد مهاوش وأنه أراد القيام مع البربر واشراردا ».