فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. انتفاضة ضد ابن تيمية بسبب الحموية –الحلقة 11

09/05/2020 - 19:00
فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. انتفاضة ضد ابن تيمية بسبب الحموية –الحلقة 11

يعد ابن تيمية واحدا من الفقهاء والعلماء في تاريخ الإسلام الذين شغلوا مساحة واسعة من الجدل الديني والفكري والسياسي منذ قرون طويلة وإلى اليوم، سواء في العالم العربي والإسلامي أو في الثقافة الغربية، بل ربما كان الوحيد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أكثر من غيره، وأثيرت حوله الانقسامات، بل صار في فترات معينة عنوانا لما ليس هو، وتهمة كافية توجه إلى كل من دافع عنه أو تحدث عنه بغير اللغة التي يراد أن يُخاض بها في فكره وحياته وشخصه. بعيدا عن القراءة الإيديولوجية التي وضعت ابن تيمية خلال العصر الحديث في هذا الصف أو الصف المقابل، وجعلته إما فقيه السلطة، وإما منظرا للعنف، يحاول الدكتور إدريس الكنبوري تقديم قراءة ثالثة تسعى إلى تخليصه من الصورة النمطية، من خلال إعادة دراسته في واقعه، ووضع فكره وإنتاجه الفقهي ضمن التراكم التاريخي للفكر العربي الإسلامي (تنويه من التحرير: نظرا إلى كثرة الإحالات والهوامش نعتذر إلى القراء عن عدم نشرها).

لم تكن أجواء المواجهة بين المسلمين والتتار من ناحية، وبينهم وبين الصليبيين من ناحية ثانية، ومشاركته في القتال، ولقاءاته مع أركان الدولة والجنود للتعبئة بقصد الجهاد من ناحية ثالثة، لتحول بين ابن تيمية ومهام التدريس والإفتاء وخوض المعارك الفكرية. وقد اجتاز عددا من المحن من جراء فتاواه الجريئة التي كانت تسير على عكس التيارات الموجودة، وتثير حفيظة خصومه، خصوصا منهم أصحاب الكلام. فهذا الرجل الذي نشأ في جو ثقافي وسياسي مشحون، كان يرى أن من واجبه إعادة الاعتبار إلى الرأي الحر ومحاربة التقليد الذي استشرى في زمانه، لذلك، كان لا بد أن تثير مواقفه وآراؤه الفقهية واستشكالاته العقدية الكثير من ردود الفعل، وأن يتعرض بسببها لمحن عسيرة، جعلت منه نموذجا تاريخيا حيا لكفاح الفقيه المسلم من أجل استقلاليته الفكرية، مهما أدى في سبيل ذلك من ثمن.

فقد حوكم بسبب معتقده مرات كثيرة، بعدما طار صيته في الآفاق، وبدأ يقصده الكثيرون من كل فج، فأخذ خصومه يتصيدون كلامه لإيجاد ما منه يتسللون إليه، فاتهموه بالابتداع، ثم اتهموه بالكفر، ودعوا إلى قتله. ولنقرأ ما كتبه أبو عبد الله محمد بن عبد الهادي الدمشقي الصالحي، الذي توفي عام 744 في دمشق وكان معاصرا لابن تيمية، في بضعة سطور لخص فيها كل شيء: «وأكب أهل النظر منهم على ما يُنقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا في ذلك عنه كلاما، أوسعوه بسببه ملاما، وفوقوا لتبديعه سهاما، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدق باطن وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها -على ما زعم- بوائق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه، واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأعمل منهم في كفره فكره، فرتبوا محاضر، وألبوا الرويبضة للسعي بها بين الأكابر، وسعوا في نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية، فنقل وأودع السجن ساعة حضوره واعتقل، وعقدت لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قوما من عُمار الزوايا وسكان المدارس، من مجامل في المنازعة مخاتل في المخادعة، ومن مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون «وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون» (القصص. 69)، وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالا من المخاتل، وقد دبت إليه عقارب مكره، فرد الله كيد كل في نحره، ونجاه على يد من اصطفاه، والله غالب على أمره. ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، إلى أن فُوض أمره لبعض القضاة، فتقلد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله ترجع الأمور».

وقد حصلت المحنة الأولى وهو دون الأربعين، في ربيع الأول من عام 698 عندما ألف الفتوى المشهورة باسم «الحموية»، وذلك أنه تلقى من سكان مدينة حماة سؤالا حول المقصود من بعض الآيات القرآنية المتعلقة بالصفات الإلهية، والتي تُشتم منها رائحة التجسيم والتشبيه، مثل قوله تعالى: «الرحمان على العرش استوى» (طه. آية 5)، وقوله: «ثم استوى إلى السماء وهي دخان» (فصلت. الآية 11)، إلى غير ذلك من الآيات المشابهة، وبعض أحاديث الصفات مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمان».

وتظهر لنا هذه القضية، بداية، الدور المركزي الذي كان يلعبه الفقيه في الحياة العامة خلال القرن الثامن الهجري، الثالث عشر الميلادي، وطوال التاريخ الإسلامي، وكذا مركزية الفتوى العلمية في المجتمع الإسلامي. وبوصف الفتوى سلطة معنوية، كان الفقيه بالاستناد إليها يتوفر على سلطة ثقافية دون معادل وسط العامة والخاصة؛ ويدل ذلك على أن الدولة لم تكن تلعب الدور الأساسي في تدبير الشؤون الدينية للمواطنين، إلا بوساطة الفقيه نفسه، وأن استقلالية هذا الأخير كانت أمرا مجمعا عليه كجزء من التقاليد المرعية، ماعدا استثناءات قليلة لا تمثل القاعدة.

رد ابن تيمية على تلك الأسئلة في فتوى مطولة انتصر فيها لمذهب السلف على حساب مذاهب المتكلمين، وانتقد هذه الأخيرة التي تلجأ إلى التأويل العقلي لتفسير تلك النصوص، انطلاقا من أنها غير قابلة للإدراك دون وساطة العقل. وبناء على منهجه، دافع ابن تيمية عن مواقف السلف من تلك النصوص، واعتمد هو أيضا مسلك العقل في هذه المنافحة، فقد قال بكل بساطة إنه من المستحيل عقلا ودينا ألا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد أوضح معاني تلك النصوص التي تبدو غامضة، كما يستحيل أن يكون الرعيل الأول من السلف غير عالم بها، لأن ذلك معناه واحد من أمرين، إما عدم العلم بها، وإما أنهم كانوا يعتقدون نقيض الحق فيها، وكلاهما ممتنع. وما إن انتشرت تلك الفتوى حتى ثار البعض من خصومه، واستعدوا عليه السلطة السياسية. والظاهر أن الفتوى لم يكن فيها ما يزعج من الناحية النظرية، ذلك أن ابن تيمية كان معروفا في أوساط الفقهاء والعلماء، وكان له أتباع ومريدون من مناطق مختلفة من العالم الإسلامي شرقا وغربا، بدليل الأسئلة التي كانت ترده من غير مكان، سواء من الشام أو من غير الشام، كما أن منهجه كان قد اتضح ونضج وأصبح قائما على سوقه، أي أن الأمر لم يكن فيه ما يفاجئ الآخرين. لكن بسبب الانزعاج الذي كان يشكله وجوده في دمشق لأوساط الفقهاء والعلماء، كان الكثيرون يتربصون به، ويبحثون عن أي ثغرة للنيل منه والتشهير به، وربما هذا ما حصل مع الحموية. ويقول صاحب «الكواكب الدرية» إن التقارب الذي كان قد حصل بين ابن تيمية ونائب السلطنة في دمشق، سيف الدين جاغان، الذي صار يلتمس منه كثرة الاجتماع به، أثار حفيظة المقربين من هذا الأخير، «مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ، وما آلمهم بظهوره وذكره الحسن، فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغا إلى الكلام فيه لزهده، وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه وجودة أجوبته وفتاواه، وما يظهر فيها من غزارة العلم وجودة الفهم، فعمدوا إلى الكلام في العقيدة، لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف».

شارك المقال