في رسالة خاصة.. عبد الله الحمودي يكتب: رسالة إلى صديق بشأن وباء كورونا

10/05/2020 - 12:00
في رسالة خاصة.. عبد الله الحمودي يكتب: رسالة إلى صديق بشأن وباء كورونا

خصّ الأنتروبولوجي المغربي عبدالله حمودي جريدة « أخبار اليوم »، برسالة قال إنها إلى صديق راسله يسأله عن رأيه في جائحة كورونا. ويقدم حمودي في هذه الرسالة اقتراحه بالتوجه نحو بناءات اجتماعية من رأسين: رأس يُجَمِّع نسيجا من المنظمات الاجتماعية -المدنية المحلية المنتشرة على مدى مجموع التراب الوطني، ورأس يتوج الإدارات الوطنية والحياة السياسية للأمة.

ويوضح المفكر المغربي أن فرضية النظام الثنائي الرؤوس هذه لن يكون لها فعليا المعنى عينه في كل مكان، بل « سوف يكون بلا شك من اللازم استثناء البلدان التي دمرتها الحروب وتداعياتها وأصابتها بالشلل: العراق، سوريا، اليمن وليبيا ». وبشأن الحالة المغربية، يعتبر حمودي أن الجائحة والإجراءات الصارمة في العزل الصحي التي تفرضها « تسلط ضوءً ساطعا على الأعداد الكثيرة من المهملين من طرف النظام. والحقيقة ساطعة على الخصوص في المغرب، حيث نسمي « القطاع غير المهيكل » الذي ليس في الواقع إلا شبه عمل، وجب إلحاقه صراحة بقائمة البطالة ».

 

ماذا عساني أقول عن هذه الجائحة؟ علي أن أعترف بأن الأمر عينه يستعصي على أن يُعرَّف، كما أنه لا يخضع بسهولة للتحليل. فقد تغلغل إلى داخل حياتنا وأخذنا على حين غِرَّة. بقينا في البداية ننظر مشدوهين وبعيدين كثيرا عما يحدث في الصين. ثم بعد ذلك، أدركنا أن الأمر يتعلق بنا أيضا. الموت الذي أهلك الصينيين في البداية أخذت وتيرته تتباطأُ عندهم لينتشر بعد ذلك في كل مكان. في البلدان الغنية؛ قديمها وجديدها، وفي نصفنا نحن من الكرة الأرضية؛ في الدول ذات الاقتصادات الهشة، أو تلك التي يعمها الفقر والأمراض.

الدول خائفة

الموت بالنسبة إلى كل واحد منا هو حقيقة حاضرة وفورية. إننا نراه يأخذ الآخرين، بينما نستمر نحن في الحياة دون أن نفهم كيف، ولا إلى متى تستمر بنا الحياة. على المستوى الفردي هو الحدث الأكثر جدة والأصعب تحديدا لمعالمه. جواب العلم لازال يتأخر ولا يستطيع شيئا في الوقت الحاضر ضد هذا الإحساس وهذه الحقيقة. وجواب الدين منقسم إلى قسمين: أمل في الخلاص وانتظارات من الطب، أو؛ وعلى الخصوص في بلداننا؛ إنكار للعلم ووضع الثقة في المعجزة [وهذا جواب قديم]. أما الدول، فهي من جهتها تقفز على كل هذا وتتخوف على الخصوص من فقدان القدرة على تدبير المجتمعات، ومن أن تنتهي الخسائر في الأرواح إلى فقدان زمام الأمور وفقدان التحكم الاقتصادي والسياسي. وبطبيعة الحال، فإن الضربة التي تصيب الاقتصاد والبنيات التحتية والمؤسسات هي التي تشغل أكثر. ومن وجهة النظر هاته؛ فإن الجديد الحاسم لهذه الجائحة هو الآتي: إننا لم ندرك حقيقة الإدراك إشاراتها التي لمحت لنا بها في حياتنا، ونحن لا نعرف كم سوف تدوم ولا متى أو كيف سوف تتوقف. وإلا فهل سيكون علينا أن نتعايش معها؛ وبالتالي، أن نتوصل إلى أسلوب آخر للعيش؟ نحن إلى الآن، نحتفظ بالأمل في مخرج ما. فلا يعقل سواء بالنسبة إلى الأفراد أو بالنسبة إلى الدول ألا نأمل في مخرج. هذا مع الاستمرار في النظر بعيدا بمداومة التركيز على البؤر التي تظهر؛ وذلك في ظل غياب تنبؤات حقيقية. إن التنبؤات تهم فقط وسائل احتواء الجائحة وكبح انتشارها… وأساسا: الفحص والكشف، والحجر والتباعد الاجتماعي.

يجب أن نكون حذرين

في الوهلة الأولى يظهر أن المزج ما بين رأسمالية متقدمة وجهود الدولة السلطوية في مجال البنيات التحتية، والتخطيط في البحث وفي الإنتاج؛ يبدو أن هذا النظام قد قدم الجواب الأفضل عن الأزمة. بينما الواقع أنه يجب أن نكون حذرين: إن التحكم في المعلومة من طرف الحزب الواحد وأجهزة الدولة يُبقينا في الضباب.

وفي الجانب الآخر؛ فإن الرأسمالية النيوليبرالية وتطور الديمقراطية المرتبطة بها قد أديا إلى تراجع الامتيازات الاجتماعية المكتسبة، وعلى الخصوص من طرف الأغلبيات [الطبقات المتوسطة، والكادحة، والشعب بصفة عامة]. لقد جرى إدماج سياسة السوق بالنسبة إلى الخدمات الاجتماعية والطبية، وجرى تقليص الضرائب على المقاولات [الكبرى على الخصوص]. فيم تقتضي الجائحة تدخلا مكثفا وسريعا، وبنيات طبية واستشفائية تتجاوز بكثير ما يمكن للسوق أن يوفره [في إسبانيا اقتصر الأمر على تحويل الفنادق إلى مستشفيات]. وأما فحص مكثف للساكنة فيبقى أملا جد طويل الأمد، أو مستحيلا بالتدخل السريع.

في كلتا الحالتين؛ سواء في الصين أو في أمريكا وفي الاتحاد الأوروبي؛ فإن تراكم الرأسمال ومستويات الربح قد ألقت بالتجويد الضروري لوسائل بناء حياة جيدة معممة، والحفاظ على البيئة؛ إلى الدرجة الثانية من الاهتمام: وسيكون لزاما إعادة التركيز على الآدميين وغير الآدميين [جميع الكائنات الحية؛ بما في ذلك الأرض والكون] الواجب احترامهم ومعالجتهم على العموم [وليس فقط، المعالجة الطبية]. وأظن أن الرفاهية النسبية للأغلبية الصينية قد دُفِع ثمنها غاليا جدا. وعلى كل حال، فإن أكبر قدر من ذلك الثمن [وفي الحالتين معا] قد جرى إنفاقه في المنافسة الكونية من أجل السلطة!

بناءات برأسين

ربما سوف يجب التوجه نحو بناءات اجتماعية من رأسين: رأس يُجَمِّع نسيجا من المنظمات الاجتماعية -المدنية المحلية المنتشرة على مدى مجموع التراب الوطني، ورأس يتوج الإدارات الوطنية والحياة السياسية للأمة.

سيكون على الرأس الأول مراقبة المصادر والاستثمار في هذه المصادر؛ وذلك بتعاون مع الدولة والمقاولات؛ وسوف تعمل النقابات والأحزاب بالتشاور معها. فرضية النظام الثنائي الرؤوس هذه التي أتقدم بها هنا في صيغة عامة، لن يكون لها فعليا المعنى عينه في كل مكان. فإذا نظرنا إليها من الصين أو من روسيا؛ فإنها تبدو غير عملية. فيم إذا نظرنا إليها من الولايات الأمريكية المتحدة؛ فإنها تبدو متمحورة حول المفاهيم القديمة الراسخة للديمقراطية [كما حددها توكفيل]. غير أن الرأسمالية النيوليبرالية، ربما، تكون قد لغَّمت هذه المفاهيم؛ ويبدو، كذلك، أنها قد خلقت شبكاتها المصلحية والسلطوية الخاصة؛ التي لا تملك الأغلبية داخل مجتمعاتنا نفوذا يذكر عليها.

وعلى الرغم من كل هذا؛ فإن هذا المخطط الثنائي الرأسين يلتقي في الغرب مع المطالب البيئية القوية، ومع التطلعات إلى الخروج من كونية السلع القاتلة هذه التي تهدد بمسخ جميع أشكال العيش وأنماط الحياة [اجتماعية وثقافية] إلى صورتها هي. وهو في الأخير يلتقي مع عدم الرضا ومع الانزعاج من التنافس العولمي على السلطة. ويمكن لشبكات النفوذ المحلية على الموارد وعلى السياسات المتعلقة بها أن تعدل من موارد الدول ومن بنياتها التكنولوجية. مثل أن تكون لهذه الشبكات سلطة ما على السياسات التنموية والإنتاجية، وعلى البحث العلمي.

استثناءات عربية

ولكن؛ كيف ستكون ملاءمة هذا المخطط في منطقتنا المغاربية وفي الشرق الأوسط؟ سوف يكون بلا شك من اللازم استثناء البلدان التي دمرتها الحروب وتداعياتها وأصابتها بالشلل: العراق، وسوريا، اليمن وليبيا. فهنا تُفاقِمُ الجائحة أو تسرِّع من الخسائر في الأرواح؛ بينما الذي كان يمكن استغلاله في مواجهة الأزمة من وسائل يجري توجيهه إلى مصارف أخرى. الوضع في السودان من الهشاشة بمكان، ولا نعلم عن موريتانيا إلا القليل. ثم يجب فصل بلدان البترول عن الباقي؛ وهذا الباقي يشمل المغرب، ولبنان، وتونس، ومصر. البِتْرُولِيون؛ بما فيهم الجزائر يستطيعون الدفع مقابل التجهيزات ومقابل المساعدة. شريطة أن يكون عرض هذه السلعة متوفرا. والجائحة أبانت أن هذا ليس دائما هو واقع الأمر. وأما الآخرون، فهم متضررون بشدة من تداعيات الجائحة على الاقتصاد العالمي وعلى السياحة [حالة المغرب].

ومع ذلك، فإن الأضرار الجسيمة على البيئة، وتحول أنماط الحياة إلى سلعة؛ هي أمور قد أخذت وضعا متقدما؛ فبعض المدن قد تحولت إلى متاحف كبرى في الهواء الطلق لاسترخاء المصطافين القادمين من الشمال. تكشف الأزمة في كل مكان التعطش لسلع الغرب، وكذلك رفض الطبقات الجديدة استهلاك المنتجات المحلية، وقلة رغبة الرأسمال الوطني في الاستثمار في السلسلات طويلة الأمد من الصناعات التي تغذي صناعات أخرى، وأحرى الاستثمار في البحث العلمي والتقني. إنها نفس الامتيازات المقارنَة لِكُلْفة العمل وللأعباء الاجتماعية التي يستفيد منها الرأسمال الوطني الذي يبحث خصوصا عن الاندماج وسط السلسلات العولمية للرأسمال.

حقيقة المغرب الساطعة

إن الجائحة والإجراءات الصارمة في العزل الصحي التي تفرضها تسلط ضوءً ساطعا على الأعداد الكثيرة من المهملين من طرف النظام. والحقيقة ساطعة على الخصوص في المغرب، حيث نسمي « القطاع غير المهيكل » الذي ليس في الواقع إلا شبه عمل، وجب إلحاقه صراحة بقائمة البطالة. وبالمقابل يجب الاعتراف بنجاح الإجراءات المتخذة، وبمشاركة شعب مجبول على الإسراع في التضامن وفي التعبئة في مواجهة الأخطار التي تتهدده. زخم التضامن هذا يتجلى، كذلك، لدى الأطباء وغيرهم من العاملين في الإدارة، وشبكات التعاون التي تكمل مساعدة الدولة، أو تعوضها عندما تغيب. مجموع الدول التي ينتمي إليها المغرب تتوفر على اقتصاد أكثر تنوعا، وإدارة يقظة، وتقنيات أمنية ذات خبرة ثابتة.

إن الخروج من الحجر يمكن أن يكون مجازفة كما يمكن أن يحمل وعودا بمستقبل أفضل. فالجائحة لا تتضمن أي مساواة؛ سواء فيما بين الدول أو داخل الدولة نفسها. عندنا كما في أي مكان آخر يعيش الأغنياء الحجر الصحي في ظروف لا يمكن للأغلبية؛ أي الفقراء حتى أن يحلموا بها. وكل شيء معروف في زمن الإنترنيت. غير أن التعبئة من أجل إنقاذ الجميع عليها دون أدنى خلل أن تحمل الرفاه للجميع. وستكون هذه مطمحا يصعب التغاضي عنه أو دفنه.

ولا يمكن للدولة أن تيسر استثمار الرأسمال المُعَوْلم والمشاركة فيه دون أن تضمن دخلا كافيا لأكبر عدد. صحيح أن الدولة لا تستطيع أن تتحكم في العولمة، ولكنها تستطيع أن تسهر على توفير العيش الكريم لرعاياها؛ بالتشغيل، وبالأجور، وبالتعليم، وبالحفاظ على الحياة. وهذا لن يكون ممكنا دون سياسة للادخار، ودون إعادة النظر في أنماط الاستهلاك، ودون تقليص للفوارق بين الطبقات وبين الجهات.

كثيرا ما نسمع بمقترحات بضرورة عودة الدولة إلى التنمية، وعن الاستقلالية وعن السيادة الاقتصادية. وبالفعل؛ فهناك مقاولات كبرى ذات مصلحة وطنية من درجة كبيرة من الأهمية يجب فعلا أن توضع تحت سيادة وتدبير الدولة. ولكن؛ إذا ما أخذنا في الاعتبار مقترحي في فرضية الثنائية الرأسية: فإن الرأس الأول يجب أن يتم إشراكه في تدبير هذه المقاولات؛ وإلا فقد نعود إلى القطاع العمومي المدمر وغير المنتج لسنوات 1960-1970. فليس هناك من استقلالية وهمية للبحث عنها؛ بل على العكس يجب الإنتاج حتى نكسب قوتنا، وحتى نضمن الازدهار في الأسواق العَوْلَمية. فمع بنية برأسين؛ سيكون على الرأس الأول أن يسهر على بيئتنا المتهالكة حاليا.

سيمكن الرفع من قيمة الثقافة ومن البيئة من أجل تأهيل السياحة الوطنية والدولية. ولكن ليس كل شيء يباع؛ فالنظام التعليمي، والتربية على قيم الفن والطبيعة يمكنها أن تدفع ببيئتنا وبمبدعينا إلى مسارات من شأنها أن تثير الإعجاب، وأن تساعد إبداعاتنا على إيجاد مكانتها في العروض الكبرى التي تشع في العالم وترفع من شأنه.

شارك المقال