مغرب الفرص الضائع.. هكذا تكلم محمد بنسعيد آيت إيدر

14 مايو 2020 - 01:00

تعزز المشهد الثقافي المغربي في العقدين الأخيرين بصدور عدد من المذكرات، من أبرزها مذكرات فاعلين سياسيين من هيئات تنتمي إلى اليسار المغربي. وتناولت هذه المذكرات بشكل متفاوت وبرؤى مختلفة، الأحداث الهامة والمصيرية أحيانا، التي عرفها المغرب زمن الحماية والاستقلال. وأثار مضمون هذه المذكرات وما جاء فيها من آراء ومواقف وتفسيرات ردود فعل متفاوتة، صدرت عن مثقفين وسياسيين ومهتمين من أطياف متعددة. وتم الاحتفاء غير ما مرة ببعض هذه المذكرات. كما تم تقديمها في عدد من المنابر والمؤسسات. وفي هذا السياق، ومساهمة منها في إثراء النقاش الدائر، وانسجاما مع اهتماماتها، نظمت مجلة رباط الكتب الإلكترونية لقاءً علميا بشراكة مع مؤسسة أرشيف المغرب، في موضوع ذاكرة اليسار. وساهمت في اللقاء الذي احتضنته المؤسسة بتاريخ 18 أبريل 2019، ثلة من الباحثين الجامعيين والشباب. وقد اختار المشاركون في اللقاء مقاربة موضوع الذاكرة، من خلال نماذج منتقاة هي: شهادات وتأملات لعبد الرحيم بوعبيد، وهكذا تكلم بنسعيد لمحمد بنسعيد آيت إيدر، وأحاديث فيما جرى لعبد الرحمن اليوسفي، ويوميات العمل الوطني المسلح لعبد السلام الجبلي، والمغرب الذي عشته لعبد الواحد الراضي. وحظيت هذه المساهمات بتمهيد نظري من خلال قراءة في كتاب ميلونكوليا اليسار: الماركسية، التاريخ، والذاكرة لإنزو ترافيرسو. مجلة رباط الكتب تفضلت بتقاسم ثمار هذا اللقاء مع قراء «أخبار اليوم»، والتي تنشرها على حلقات.

منذ حكومة البكاي الأولى، تهيأ محمد بنسعيد للانتقال من أسلوب المقاومة إلى أسلوب السياسة، فكان شاهدا على ميلاد قوة سياسية في 25 يناير 1959، ومساهما في ميلاد حزب سياسي جديد هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي شغل الساحة السياسية المغربية طيلة الستينيات والسبعينيات بمقارعته “النبيلة” للمستحيل. وأعطيت الفرصة لحكومة عبد الله إبراهيم، فسارعت في وضع برامج تنموية واعدة في البلاد، أهمها التصميم الخماسي. وتحركت حكومة الظل بزعامة ولي العهد آنذاك، وزج بالتجربة في غَيَابَة الْجُبِّ، واعتقل بعدها عبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري وآخرون بتهمة المس بسيادة ومقدسات البلاد بعد صدور مقال يوضع تجاوزات السلطة. وتحركت مظاهرات ضد الاعتقال في صفوف المقاومين، واعتقل أزيد من ثلاثين مقاوما، كان منهم محمد بنسعيد الذي اقتيد من بويزكارن إلى الدار البيضاء، حيث قضى شهرين في السجن وتعرض لتعذيب بتهمة محاولة اغتيال ولي العهد. وعند خروجه، واصل نضاله السياسي مع حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

وبعد وفاة الملك محمد الخامس في 26 فبراير 1961 بأسبوعين، تقدم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمذكرة إلى الديوان الملكي بهدف التوجه بالبلاد نحو بناء مجتمع مغربي مسؤول، في ظل نظام ديمقراطي قائم على المؤسسات. ورد الحسن الثاني بمسودة دستور جديد أبعدت بعض القوى السياسية من صياغته. ووضع للتصويت في دجنبر 1962، فقاطعه الاتحاد، وكان رد فعل النظام نسج خيوط مؤامرة يوليوز 1963، أي تهمة “قلب النظام”، وزج بأغلب قيادات الحزب في السجون، وحصلت العديد من الاغتيالات. وبعدها اختارت بعض فصائل الحزب عملا مسلحا ضد النظام (ص201)، ودخلت البلاد في مسلسل من العنف والعنف المضاد، وحظر العمل السياسي، وشهدت البلاد “أبشع” الجرائم والاعتقالات. وحكم على بنسعيد غيابيا بالإعدام، وكان آنذاك في الجزائر، حيث واصل عمله السياسي، خاصة بعد انضمام الفقيه البصري وآخرين إليه، واستمر “النضال” ضد النظام. وخلال الخمس سنوات التي قضاها في الجزائر، بدأت مراجعات الطريقة التي كان يسلكها بنسعيد، وتبين أن العنف لم يمثل حلا، بل أدخل البلاد في سلسلة من المواجهات الدامية والاعتقالات والإعدامات. ودخل في خلاف مع الفقيه البصري حول أطروحة العنف، وغادر الجزائر في اتجاه فرنسا 1967 (ص. 206-216).

دخل محمد بنسعيد فرنسا تحت اسم مستعار هو “خالد عبد الله”، ودخل مصحة نفسية بعد أزمة لحقت به، ودرس التاريخ والجغرافية في جامعة فانسين ضواحي باريس، وحصل على الإجازة. وبدأ العمل السياسي المنظم، “اليسار الجذري”، الذي جمع ثلة من السياسيين المعارضين للنظام في المغرب، والذين تبنوا أطروحة “النضال من أجل الديموقراطية من داخل المؤسسات”، وأسسوا مجلة أنفاس التي أصبحت لسان حال “23 مارس” و”إلى الأمام”. وسرعان ما توقفت هذه التجربة بعد صراع بين التنظيمين، ووقع الاختيار على جريدة 23 مارس، التي صدرت بين سنتي 1973 و1979، ثم حلت محلها تجربة جريدة أنوال التي صدر العدد الأول منها في باريس في نونبر 1979. وكانت هذه الجريدة فاتحة عهد جديد لرفقاء محمد بنسعيد، واستطاعت في ظرف وجيز أن تجد لها مكانة مرموقة في أوساط المثقفين المغاربة. وأعقب ذلك رجوع محمد بنسعيد آيت إيدر من فرنسا إلى المغرب في 8 مارس 1981، بمعية ثلة من السياسيين، منهم رشيد سكيرج والعربي مفضال ومحمد المريني ومحمد الحبيب طالب وابراهيم ياسين وحصلت هذه الجماعة على الشرعية السياسية، حيث أسسوا بعد سنتين منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، ودخل محمد بنسعيد معترك انتخابات 1984، ومثل المنظمة في مجلس النواب، وطرح قضايا ساخنة في البرلمان، منها ملف المعتقلين. وعلى الرغم من أن الحياة البرلمانية كانت تتميز بالميوعة، لتدخل وزارة الداخلية والديوان الملكي وأحزاب الإدارة والبرلمانيين الرحل في الساحة السياسية، فقد ساهم محمد بنسعيد في تشكيل الكتلة الديموقراطية في ماي 1992 (ص. 281)، التي تكونت من أحزاب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وكان القصد منها توحيد الجهود من أجل تحقيق مطلب الإصلاح، والإصلاح الدستوري بالأساس. واستطاعت الكتلة انتزاع بعض المكتسبات، وأهمها دستور 1996، لكنها تصدعت بسبب صفقة التناوب التوافقي بين النظام وحزب الاتحاد الاشتراكي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.