فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. الكوليرا والحملة الاستعمارية –الحلقة 16

14/05/2020 - 20:00
فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. الكوليرا والحملة الاستعمارية –الحلقة 16

في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.

 

انتشرت الكوليرا من فاس انتشارا واسعا في البلاد، ولم تسلم منها حتى المناطق الجبلية، يقول المشرفي: « وعم الحواضر المغربية وقراها، وجل البوادي في شامخات الجبال ». وتبقى المعلومات عن هذا الاجتياح معلومات مقتضبة ومتفرقة، لكنها تدل على أن الوباء كان فتاكا أينما حل وارتحل.

بخصوص مدينة سلا هناك وصف بليغ لأعراض المرض سجله الناصري بقوله: « وهو إسهال مفرط يعتري الشخص ويصحبه وجع حاد في البطن والساقين ويعقبه تشنج وبرودة واسوداد لون، فإذا تمادى بالشخص حتى جاوز أربعا وعشرين ساعة فالغالب السلامة وإلا فهو حتفه ». وحسب المؤلف نفسه، فإن عدد الموتى بالوباء بلغ في المدينة 120 نفسا في يوم واحد في منتصف 30 يوليوز 1856. وكانت الحالة مزرية، أيضا، في الرباط، إذ إن « بوميي »، وهو شاهد عيان قدر عدد ضحايا الملاح وحده بـ600 ضحية، وهي خسارة جسيمة، تمثل نسبة 25 في المائة من سكان الحي. ويظهر أن الكوليرا استمرت بهذه المدينة الأخيرة إلى بداية السنة الجديدة، إذ يخبرنا بوجندار، صاحب « الاغتباط » بسقوط أحد ضحاياها في 8 فبراير 1856، وهو الفقيه الحسن بن محمد بن التهامي بن عمر.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الدارالبيضاء التي خسرت ثُمن سكانها، والصويرة التي داهمها الوباء في منتصف شوال 1271، والتي يقول عنها الصديقي: « ومات من المسلمين الكثير ومن الإسرائيليين أكثر ». وعلى الرغم من تأكيدات رينو، فإن الوباء ضرب طنجة، وكان فتكه بها شديدا، إذ إن عدد الضحايا من الجالية الأوروبية وحدها بلغ 35 ضحية، أي بنسبة 10 في المائة من أوروبيي المدينة. وهذا ما يجعلنا نتصور ما قد يكون أحدثه بين السكان الأصليين.

أما بخصوص تطوان، فإن هناك رواية المفضل أفيلال، الذي غادر فاس دون شك فرارا من الكوليرا في 26 دجنبر 1854، ودخل تطوان في اليوم الثاني عشر منه، أي 2 يناير1855، يقول: « ثم بلغ الوباء تطوان في أوائل ذي القعدة من العام، وقد بلغ عدد الموتى في اليوم الواحد سبعين شخصا ».

كانت هذه المرحلة الأولى من عودة الكوليرا. أما المرحلة الثانية، فقد جرت عامي 1859-1860، وكان الجيشان الفرنسي والإسباني هما اللذان نقلا العدوى إلى المغرب خلال حملتيهما الإسبانية على تطوان، والفرنسية على بني يزناسن. وقد أصيب الجيش الإسباني منذ 16 يونيو 1859 عند مروره بالجزيرة الخضراء، حيث كانت الكوليرا متفشية، وخلال الحملة أدى ضريبة فادحة للوباء. ففي شهر دجنبر مات 2000 ضحية، وفي نهايتها ارتفع عدد ضحاياه إلى 4000. أما الجيش الفرنسي، بقيادة مرتينبريز، فقد أحدث فيه الوباء بسهل طريفة خسائر جسيمة قدرت هي الأخرى بـ4000 ضحية. فعن طريق هذين الجيشين جرى استيراد الوباء للمغرب وكانت الظروف أشد ما تكون ملائمة لانتشاره، نظرا إلى المصاعب الغدائية والمجاعات المحلية التي تهدد الإنسان. وقد انتشر بالفعل وكان فتاكا. فتفشى أولا في النواحي الشرقية وفي سبتة وتطوان، ومنطقة الريف، ثم انتقل في بداية 1860 إلى طنجة والرباط والدار البيضاء ونزل إلى أزمور إلا أنه لم يتجاوز نهر أم الربيع. كما أنه تفشى في الأقاليم الداخلية، وضرب من جملة مدنها مدينة فاس. وقد تحدث صاحب « السلوة » عن وفاة أحد فقهائها بالطاعون في 1 يوليوز 1860.

وقد كان لهذه السلسلة من الكوارث الطبيعية آثارها الوخيمة على الحياة المغربية ككل الكوارث التي مرت، لكن ما أعطاها خصوصيتها، وميزها عن سابقاتها أنها حدثت متشابكة متداخلة مع عوامل تدمير مستجدة مرتبطة بالتوسع الاستعماري الأوروبي الذي جاء نتيجة تطور نمط الإنتاج الرأسمالي في البلدان الأوروبية، وحاجة هذه البلدان إلى الأسواق الخارجية لتصريف منتجاتها الصناعية واستيراد المواد الأولية للازمة لصناعتها. في هذا السياق، والمغرب يعاني من ويلات الكوليرا والجفاف أنزلت فرنسا وإسبانيا ضرباتهما بالبلاد، الأولى في إيسلي في 1844، والثانية في تطوان في 1859-1860، بينما تمكنت إنجلترا من انتزاع معاهدة 1856 التي فتحت الأسواق المغربية أمام تسرب الرأسمالية العالمية ومنحت التجار الأجانب امتيازات كانت بمثابة الأدوات التي استخدمت لإشاعة الفوضى والارتباك في جميع نواحي الحياة اليومية للسكان. ففي 1850 كانت الدولة عاجزة عن ضمان القوت الكافي لجنودها، وكتب القنصل الفرنسي بالرباط يقول: « إن أغلبية هؤلاء الجنود وهم أرباب عائلات قد اضطروا إلى بيع أسلحتهم وملابسهم لتوفير بعض الفتات لزوجاتهم وأولادهم ». كل هذه العوامل مجتمعة جعلت المخزن على شفا الإفلاس.

شارك المقال