فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. كارثة 1878-1883 حين تعرضت كل خيول السلطان للهلاك –الحلقة 17

16/05/2020 - 20:00
فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. كارثة 1878-1883 حين تعرضت كل خيول السلطان للهلاك –الحلقة 17

في ظل جائحة كوفيد ــ 19، اختارت «أخبار اليوم»، أن تنشر سلسلة من الحلقات من كتاب مرجعي بعنوان: «تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19»، لمؤلفه المؤرخ الراحل محمد الأمين البزاز، الذي اشتغل أستاذا بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ويعد الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أشرف عليها المؤرخ جرمان عياش أشهرا قبل رحيله سنة 1990.

بعد كارثة 1867-1869، كان لا بد من انقضاء وقت طويل حتى تعود الحياة في البلاد إلى سيرتها الأولى، لكن لم تكد تمر سوى بعض سنوات حتى ألمت كارثة أخرى طال أمدها عدة سنوات من 1878 إلى 1883، فقد تتالت سنوات من المحاصيل العاطلة أو الرديئة، تسببت في مجاعة هي أسوأ ما عرفه القرن، ومهدت الأرضية لتفشي أوبئة فتاكة من كوليرا وجدري وتيفوئيد. ومما زاد من تشديد آثارها تقلبات الصرف وانعكاسات فوائض الإنتاج التي عرفتها أوروبا خلال تلك الفترة.

وبدأت المؤشرات الطبيعية للأزمة الغذائية منذ سنة 1977، التي تميزت بمحصول أقل من المعتاد ووضعت حدا لسلسلة من السنوات الطيبة التي تعاقب على البلاد بين 1870 و1876. وجاء خريف 1877 بجفاف رهيب، فالأمطار لم تتساقط تماما. واستمر الجفاف طيلة شتاء 1878، حيث لم تنزل قطرة واحدة في أقاليم حاحا والحوز والرحامنة، ولم تسجل سوى بعض التهاطلات الضعيفة في الأقاليم الشمالية. وساهمت عوامل أخرى في تدهور وضع السكان، منها عملية تخزين الحبوب. فمنذ بداية الشعور بضياع الموسم الفلاحي عمد السماسرة والمحتكرون إلى حجب الغلال عن السوق حتى يرتفع ثمنها، وتهافت أهل اليسر على شراء الأقوات وخزنها تحسبا للمستقبل المجهول. وبذلك قلّت الحبوب من السوق وارتفعت أسعارها بشكل فاحش. ويذكر السفير الفرنسي في الدار البيضاء أن « المحميين هم وحدهم الذين يستطيعون الانكباب، بمنجى من العقوبة، على الاحتكار واستغلال هذه الكارثة لصالحهم، إن لم يكونوا يعملون في الوقت نفسه على تشديد آثارها ». وأضيف إلى ذلك، عامل الانهيار النقدي مما ساهم في رفع الأسعار وزاد من تفاقم الوضع حدوث فرق في صرف الريال الفرنسي بين شمال البلاد وجنوبها. كان الريال يُصرف بفاس بـ53 أوقية، وبمراكش بـ63 أوقية وقد وجد التجار في هذا الفرق فرصة أخرى للربح، فراحوا يجمعون الفلوس من مراكش على وجه المضاربة قصد بيعها في فاس، محققين ربحا لعشر أوراق في كل ريال. وكانت النتيجة حدوث اضطراب كبير في المعاملات تسبب في ضيق شديد للضعفاء. يقول الناصري: « قلّت الفلوس من مراكش وتقاعد الناس عليها لما فيها من ربح، وتعطل معاش الضعفاء بذلك، ولحق الناس ضرر كبير، فكان الرجل يطوف بالبسيطة والريال في الأسواق فلا يجد من يصرفه له ولا يتأتى له أن يشتري من ضروريات معاشه ما قيمته أقل من بسيطة ». وفي محاولة لرد الأمور إلى نصابها أصدر السلطان مولاي الحسن ظهيرا في 25 أكتوبر 1877، رد بموجبه صرف الريال إلى السعر الرسمي وهو 32,3 أوقية، لكن محاولته هاته واجهت مقاومة قوية ومعارضة عنيدة من قبل التجار الأجانب والهيئة الدبلوماسية بطنجة، مما أدى لفشلها. وبذلك، ظل سعر الريال يسير في خط تصاعدي إلى أن بلغ في السنة نفسها 90 أوقية. وبالموازاة مع ذلك، زاد سعر المواد الغذائية بشكل كبير، وتفيد أحد تقارير قنصل فرنسا بالصويرة أنها تضاعفت ثلاث إلى أربع مرات. وسقط البؤساء الضعفاء في بؤس شديد، ما جعلهم عاجزين عن مواجهة نكسات الطقس التي استحكمت في السنة التالية.

ومن مظاهر جفاف 1878، هلاك الدواب بنسبة 75 في المائة، في إقليمي الجديدة والدار البيضاء، بينما بلغت النسبة 100 في المائة في جهات أخرى كعبدة وحاحة. ويخبرنا القنصل العام لأمريكا بأن خيول السلطان تعرضت بكاملها للهلاك. كما ارتفعت أسعار الحبوب، ولمواجهة هذا النقص في الغذاء أصبح الاعتماد على الخارج ضروريا، فاتسعت حركة استيراد الحبوب من قمح وشعير وأرز ودقيق من فرنسا وإنجلترا، وحتى من أمريكا.

ومن صور القحط في 1878، ما كتبه قنصل فرنسا بالدار البيضاء من أن موجة الغلاء ستزداد تصاعدا وستؤدي إلى وقوع مجاعة مفرطة وظهور أوبئة فتاكة. وقد تحققت توقعاته، فلم يكد يمر زمن يسير حتى استحكمت أزمة الخبز مرغمة المدن الشاطئية على استيراد الطعام من أوروبا، ومجبرة القرويين على نبش التربة العصية بحثا عن عروق النباتات البرية لسد رمقهم بها.

ومن الوثائق التي تؤرخ لهذه الأحداث رسالة وجهها النائب السلطاني بطنجة محمد بركاش، إلى ممثل إنجلترا بالمدينة في 20 فبراير1879، وتتعلق بغرق سفينة أوروبية محملة بالحبوب بين فضالة والدار البيضاء في غضون نونبر 1878، وتهافت الجياع على الاقتيات بما لفظه البحر منها. وجاء في الرسالة « فقد وصل كتابك بتاريخ 5 فبراير بشأن شكاية تاجرين من رعيتكم على شأن البابور الذي غرق في البحر بين فضالة والدار البيضاء، يطالبان رد ما لفظه البحر من الحبوب التي كانت مختلطة بالرمل، وطالعنا ما كتباه لك من كونهما خرجا إلى ذلك المحل ووجدا الناس هناك يلتقطون الحبوب من الشاطئ.. فلا يخفاك أن أولئك الناس إنما هم من المحاويح الذين كانوا سياحين في الأرض يطلبون القوت لأنهم كانوا يموتون جوعا، فلما وجدوا الحبوب جعلوا يلتقطونها وجل من أكل تلك الحبوب مات هناك.. »

 

شارك المقال