كورونا.. هل يعيد ترتيب المشهد السياسي من جديد

17 مايو 2020 - 22:01

رغم الانشغال الوطني بمواجهة تداعيات فيروس كورونا، والذي حقق إجماعا قلّ نظيره منذ عقود مضت، إلا أن البعض اختار أن يجعل من هذه اللحظة فرصة لإثارة النقاش حول كفاءة بعض الوزراء التكنوقراطيين، مقابل تبخيس دور وزراء الأحزاب. يُذكر وزراء أمثال عبدالوافي الفتيت، ومحمد بنشعبون، وحفيظ العلمي، وسعيد أمزازي، بل ومدير مديرية الأوبئة في وزارة الصحة، محمد اليوبي، بتبجيل في بعض وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بينما يتعرض وزراء آخرون، بمن فيهم رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، لانتقادات تبدو موجهة أحيانا، فقط لأنه لم يستجب لانتظارات بعضهم في خروجه الإعلامي الأخير.

إحياء النقاش من جديد حول التكنوقراط والسياسة، يثير التساؤل على أكثر من صعيد، بحكم الظرفية القائمة التي اقتضت تعبئة الجميع من أجل التخفيف من خسائر الفيروس القاتل، وهي الظرفية التي دفعت أحزاب ومنظمات وجماعات لم تهادن السلطة في أي يوم من الأيام إلى الكف عن منطق الرفض والحق في الاعتراض، بل أعلنت بكل شجاعة سياسية عن دعم إجراءات الحكومة لتطويق الفيروس، مهما كانت نقائصها والانتقادات التي يمكن أن توجه إليها.

هكذا، وفي الوقت الذي أبان السياسيون عن حكمة وتعقل، انبرى البعض لتبخيس دورهم السياسي، بالتشكيك في قدراتهم التواصلية وكفاءتهم التدبيرية. لذلك تثير حركية التنويه بدور التكنوقراط في مقابل تبخيس دور السياسي، تساؤلات حول المغزى منها في هذه الظرفية بالذات، خصوصا وأن انتخابات 2021 على الأبواب. فهل تُستعمل كورونا ذريعة لإعادة ترتيب المشهد السياسي من جديد؟

تبخيس دور السياسيين

تشكك الجهات التي تصدرت الواجهة للثناء على أداء التكنوقراط في كفاءة السياسيين، دليلهم في ذلك سلسلة وقائع تشير، في نظرهم، إلى أن السياسيين الموجودين في الساحة ليسوا في مستوى اللحظة التي تواجه المغرب والمغاربة. الواقعة الأقوى في هذا السياق، مشروع قانون تكميم الأفواه الذي صادقت عليه الحكومة في 19 مارس الماضي، لكن مع إعادته إلى لجنة تقنية وأخرى وزارية، وظيفتهما إعادة تنقيح القانون وتأهيله ليكون متلائما مع القوانين الوطنية الأخرى، وفوق ذلك ليكون منسجما مع الدستور.

عادة ما يختلف أعضاء الحكومة حول قانون معين، وقد أثبتت الممارسة أن الحكومات قد تصادق من حيث المبدأ، لكنها تلجأ إلى ثلاثة مخارج لطي الخلافات بين أعضائها: المخرج الأول، قد يكون هو تكليف الوزير الذي أعد قطاعه مشروع القانون بإدخال الملاحظات المعبّر عنها في المجلس الحكومي، وهو مخرج يجري اللجوء إليه بسبب أن الملاحظات المعبّر عنها قد تكون شكلية أو في المضمون، يقّرها الوزير صاحب المشروع ويوافق عليها؛ المخرج الثاني، الذي تكرر في حالة الخلاف هو تشكيل لجنة وزراية من أعضاء المجلس الحكومي، وهو مخرج يلجأ إليه بسبب أن مشروع القانون غالبا ما يتضمن مواد مخالفة لقوانين أخرى، وتحتاج الملاءمة إلى تدقيق وتوافق بين الوزراء المعنيين، يكونون هم أعضاء اللجنة الوزارية؛ لكن هناك مخرجا ثالثا نادرا ما لجأت إليه الحكومات، وهو مصادقتها على مشروع القانون، مع إعادته إلى اللجنة التقنية التي تتشكل من أطر القطاعات الوزارية المعنية بالمشروع، حتى إذا تضج وأصبح مقبولا يُرفع إلى لجنة وزارية لكي تُدقق في مضمون النص القانوني موضوع الخلاف.

لكن في كل تلك الأحوال، يظل مشروع القانون قيد النقاش بين أعضاء الحكومة، ولا يُنشر إلا بعد إحالته على البرلمان من قبل رئيس الحكومة. ونادرا ما يجري تسريب قوانين موضوع خلاف بين أعضاء الحكومة إلى الصحافة والإعلام قبل تسوية ذلك الخلاف، من خلال تعديل نص المشروع، في الاتجاه الذي يجعله موضوع توافق بين مكونات الأغلبية الحكومية.

غير معروف من سرّب مشروع قانون تكميم الأفواه إلى وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة، لكن يبدو أن الغرض كان هو توجيه ضربة قاسية إلى الوزير الاتحادي محمد بنعبدالقادر بالدرجة الأولى، ومن خلاله الحكومة ورئيسها التي تقبل المصادقة على مشروع قانون مخالف للدستور، حتى لو كانت قد أعادته إلى لجنة تقنية بين قطاعية للتعديل والملاءمة من جديد.

أفلتت الحكومة من الضربة بسبب المرافعة القوية التي أعدها وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان ضد مشروع القانون، وهي المرافعة التي جرى تسريبها أيضا، وقد شكل كل ذلك ضربة قاسية أوجعت الوزير الاتحادي محمد بنعبدالقادر، بل أوجعت الكثير من الاتحاديين الذين عبروا عن رفض صريح بأن يُربط اسم الاتحاد الاشتراكي، بما يرمز إليه من تاريخ نضالي من أجل الحرية، بقانون تكميم الأفواه.

الواقعة الثانية، التي توقف عندها هؤلاء، تتعلق بالخروج الإعلامي الأخير لرئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وما أثارته تصريحاته حول عدم توفر الحكومة على تصور لما بعد 20 ماي المقبل، من ردود فعل مستهزئة. ومضى البعض إلى التشكيك في كفاءته وقدراته التواصلية، علما أن رئيس الحكومة سبق وأن خرج للإعلام العمومي أكثر من مرة قبل ذلك، ولم يحظ كلامه بأي تسفيه أو تشكيك في قدراته كما حدث مع خروجه الإعلامي الأخير.

البعض مثل الناشط والكاتب، أحمد عصيد، حاول أن يبحث لرئيس الحكومة عن عذر لكونه لا يتوفر على تصور بخصوص المستقبل، لأن هناك لجانا قطاعية تشتغل، كل في مجال عملها، حول إعداد سيناريوهات مستقبلية. عصيد أتى بعدة أعذار لرئيس الحكومة منها “أن التصورات الاستراتيجية للسياسات الكبرى لا تضعها الحكومة، بل هي توجيهات عامة تتقرر لدى الجهات العليا، ويتم بعد ذلك تدقيق تفاصيلها التنفيذية في الحكومة، ولهذا فكلام رئيس الحكومة يعني بلغة السياسة المغربية، “نحن في انتظار “الإشارات” لمعرفة أي اتجاه سنأخذ”. وفي هذا الصدد، علينا أن نتذكر بأن جميع الإجراءات الرئيسة التي تقررت في حالة الطوارئ الحالية لم تكن أبدا سياسة حكومية”. العذر الثاني، الذي قدّمه عصيد لرئيس الحكومة أن “ذوي القرار في المغرب لا يعملون في الغالب باستراتيجيات بعيدة المدى بل يفضلون التكتيك الظرفي، لأنه يمكنهم من تغيير سياساتهم بنسبة 180 درجة، والتخلي عن اختياراتهم حسب الظروف المستجدة. وهو ما يفسر فشل المغرب في الوفاء بالتزاماته الكثيرة، والسير في اتجاه التطور والتغيير بخطى ثابتة”. العذر الثالث، حسب عصيد دائما، يتمثل في “أن الدول التي تخطط للمدى البعيد تكون قبل ذلك قد أرست نموذجها الديمقراطي، وحسمت في الاختيارات الكبرى والمبدئية التي لا رجعة فيها، بينما يتميز المغرب بالتردّد في الحسم في تلك الاختيارات، ما يفسر خوف الديمقراطيين الدائم من التراجعات والنكوص، كما يفسر ضعف الثقة في المؤسسات”. ويختم عصيد بالقول: “ولعل نموذج ذلك التردد المذكور هو صياغة فقرات الدستور بعبارات ملتبسة ومغرقة في العمومية والتناقض، حتى تكون لدى السلطة مخارج عند الضرورة للتنصل من التزاماتها أو لعدم تفعيل مضمون الدستور، وهو ما عشناه ونعيشه منذ 2011”.

وفق هذا الطرح، يبدو السياسيون إما عاجزون أو مشوشون على مجهودات ذوي الكفاءة من التكنوقراط، الذين يواصلون الليل بالنهار من أجل تطويق مخاطر الفيروس القاتل. لكن وزيرا سابقا ردّ على هذا المنطق، بعدما وصفه بـ”الخطاب اللاعقلاني”، بالقول إن “البعض لا يعي أن اللاتسيس هو تراجع إلى الوراء، وخطر على المجتمع المغربي”، منوها بدور السياسيين الذين “أبانوا عن رشد كبير، لأنهم رجعوا إلى الوراء، وتركوا الدولة تقوم بعملها في هدوء ودون ضغط لأي سبب من الأسباب”. الوزير السابق، اعتبر ما أقدم عليه السياسيون من التزام الصمت، بأنه “تعبير عن حكمة، لأنه عندما يكون المجتمع في خطر، فإن المنطقي والطبيعي هو فسح الطريق أمام الدولة لكي تقوم بدورها في حماية الناس من الخطر الوجودي الذين يهددهم”. وردّا على من ينوه بأداء التكنوقراط، رد الوزير السابق أن من يدبر اليوم المخاطر المحدقة بسبب هذه الجائحة يتمثل أساسا في “الدائرة الأمنية بكل مكوناتها، إضافة إلى وزارة الصحة”.

تثمين دور التكنوقراط

بالمقابل، لا تتردد الجهات ذاتها التي تبخس السياسة والسياسيين في تثمين دور التكنوقراط، باعتبارهم كفاءة تدبيرية وتواصلية أيضا، وهي لعبة يبدو أنها أغرت بعض هؤلاء التكنوقراط، ومنهم وزراء مثل السيد حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة، الذي يحرص باستمرار على رعاية حضوره الإعلامي من خلال مساهمة وزارته في مواجهة كورونا. الكاتب والحقوقي خالد البكاري انتبه إلى هذه الاستراتيجية، فكتب في تدوينة على حسابه في الفايسبوك منبها “تذكروا اسم مولاهم حفيظ العلمي في المرحلة المقبلة!!” وتابع بالقول: “ينشغل الكثيرون بالصراع الذي يطفو على الواجهة بين البيجيدي ممثلا بالعثماني، وحزب الحمامة ممثلا بأخنوش، فيما يتسلل حفيظ العلمي بهدوء وسلاسة ودون ضجيج “للبوديوم”..، وذهب البكاري إلى أن “المتتبع لخرجات الرجل، بما فيها تصريحاته اليوم أمام البرلمان، سيلمس أمرين لافتين: أولا: اشتغال الرجل “في غفلة من منافسيه” على تطوير قدراته التواصلية، بما في ذلك الانسيابية في التحدث بالدارجة، التي كان بالكاد يتلعثم فيها، لقد طور الرجل مهاراته “الشعبوية”، وأصبح يتقن “الغميق” أي سلاح الساسة، ويبتعد بمكر عن المعارك التي تأكل من رصيد “الشعبية”، ويخاطب النوازع العاطفية الوطنية في زمن الوباء باللعب على وتر “عبقرية المغاربة”، ويعقد مقارنات بين المغرب وباقي الدول في استثارة للشوفينية الوطنية، ويبث جرعات الأمل في المستقبل عبر “سرديات” لا دليل عليها، ولكنها تقوم بفعل التخدير من قبيل: “في الوقت لي مواطنين دول كبيرة ملقاوش الكمامات، أنا غدا عندي اجتماع مع مسؤولي دولة كبيرة من أجل تصدير الكمامات”، وبعد هذه العبارة التخديرية التي تجعل المغربي منتشيا، يأتي الوزير اليوم ويقول: “مغنخلي حد يصدر الكمامات، واخا عندنا بزاف د ليكوموند، حيت المواطنين ديالنا أولى، مغنسمحش لحتى شي حد يربح على حساب احتياجات المواطنين”، ومرة أخرى سينتشي المتلقي بهذا الخطاب، ولو أنه مناقض للخطاب الأول، وسيبلغ الانتشاء مداه حين يقول: “بسبب هاد الجائحة بيّنا للعالم علاش قادين، لدرجة عندنا طلبات لإنشاء مصنع كبير جديد ديال شركة كبيرة مغنقولش سميتها”، ثم بعدها يقول: “الصينيين دارو 8 دالدول فمخطط باش يستثمرو فواحدة منهم، ودابا بقاو غير زوج، المغرب ودولة أخرى!!” طبعا، هو ذكي، قال الصينيين ولم يقل دولة الصين، (يقد يكون ماكاين لا صينيين، لا ثمانية دول، ولا زوج، ولا تصفيات الشامبيونزليغ)، وقمة الانتشاء هي: “في العالم كلو كاين فقط زوج دول سابقينا فصناعة السيارات هي الصين والهند، سابقينا حيت حنا مزال مكنصوبوش الزاج، وغير نصيبوه من الرملة غنداركو هاد الشي”، ويعلّق البكاري بالقول: “تخيلوا تأثير مثل هذا الكلام، ووقعه على مواطنين ينتمون إلى دولة مثل المغرب، دون أن ننسى حكايته عن “الشركة الإنجليزية الكبيرة التي لم تستطع أن تشرع في مشروع استثماري كبير ببريطانيا تعطل لسنوات، إلا بعد الاستعانة بفريق من المهندسين المغاربة “وقفوه على رجليه” في شهرين”، ودائما دون ذكر أسماء هذه الشركات.. الرجل بارع في صنع “الاستيهامات” لدى مواطنين، كثير منهم لم يتخلص من خرافة: المغاربة أذكى شعب في العالم.

ولأنه غالبا يشتغل مع فريق محترف في التواصل، لا يُطنب العلمي في الإشادة فقط، بإجراءات الدولة، بل يخصص القسط الأوفر لمجهودات الأطر من مهندسين وأطباء وعمال ومقاولات الذين وفروا الكمامات، وصنعوا أجهزة التنفس الاصطناعي، ويعملون بروح وطنية عالية، فالرجل ينتج خطاب “المجتمع المتضامن مع دولته في هذه المحنة”، عوض خطاب “الدولة التي تمن على مواطنيها”.

الملاحظة الثانية، التي سجّلها البكاري تتعلق بـ”كثرة خرجات حفيظ العلمي في هذه الظروف مقارنة بوزراء آخرين، غير مرتبطة بخصوصية قطاعه فقط، فوزير الصحة نادر الظهور مثلا رغم أن الأزمة صحية تتعلق بقطاعه في المقام الأول، ولذلك يحاول العلمي استخدام الجائحة من أجل ترميز دوره في هذه الظرفية، تهيئة للعبه أدوارا أكبر في المستقبل القريب، ولذلك نجده يحرص على التحدث باعتباره رجل دولة محوري داخل الدولة، ويُكثر من استخدام ضمير المتكلم في سياقات سلطوية: غنسمح، غنمنع، ميمكنش نقبل، دويت مع وزير المالية”، كما أنه يعمد لبعث الرسائل الضمنية بدهاء، بحيث لا يحيل البتة على رئيس الحكومة، لكنه يحيل على الملك طبعا، ثم يحيل على عمله، وعلى وزيري الداخلية والمالية، وكأنه يبعث برسالة لمن يهمهم الأمر أنه “ماكاين لا عثماني ولا أخنوش”، يوجد الملك (طبعا معه الأجهزة الأمنية والعسكرية) ومعه الثلاثي العلمي، لفتيت وبنشعبون، أما الباقي فمجرد منفذين أو كومبارس”. ويرصد البكاري بدقة خطاب العلمي داخل البرلمان، فحين كان يجيب عن أسئلة البرلمانيين في آخر مرور له بمجلس النواب، كان العلمي يمر مرور الكرام على وزير الفلاحة، دون أي إشادة بما يقوم به، واكتفى بالقول إن المشاكل الموجودة في العالم القروي يجب أن نهتم بها، لكنه أشاد بما تقوم به وزارة التربية الوطنية، رغم أن الأولى في السياق كان يقتضي الإشارة بدور رئيسه في الحزب وزير الفلاحة الذي تسهر وزارته على تموين السوق بالمواد الغذائية، ولا يقل دوره أهمية عن دور وزير التربية الوطنية، بل لا مجال للمفاضلة بينهما. ويخلص البكاري من كل ملاحظاته تلك إلى القول “الأهم هو أن البلاد في هذه المرحلة يقودها الملك والمؤسستين الأمنية والعسكرية، ومعهم الثلاثي: لفتيت، بنشعبون، حفيظ العلمي، والله أعلم”.

تنطوي ملاحظات وانتقادات البكاري على رفض ضمني لعملية تلميح وجوه التكنوقراط بصفة عامة، أتت بشكل متزامن مع التعبيرات والكتابات الصحافية والفايسبوكية التي تسعى إلى إبراز وتثمين دور بعض الوزراء على حساب دور الحكومة، وهو توجه قد يثير امتعاض الأحزاب والفاعلين السياسيين والحقوقيين. الدليل على ذلك، موقف البرلماني عن حزب العدالة والتنمية محمد خيي الخمليشي، اتجاه “التلاعبات” المحتملة في صفقة الكمامات، حين كتب على حسابه في الفايسبوك مؤكدا “أخشى أن هناك نفخا في أرقام إنتاج الكمامات، خصوصا مع الغموض الذي يلف عملية التوزيع وتوفيرها بثمن مناسب للجميع، وأرى أن تصريحات الوزير العلمي متضاربة في موضوع التصدير من عدمه”، وأوضح الخمليشي قائلا: “أرجح أن هذا الغموض والتضارب في الأرقام المبالغ فيها يخدم إعلاميا خطاب تبرير الانتقال إلى عملية تصدير الكمامات، وهو الأمر الذي ستستفيد منه وحدات صناعية بعينها جاهزة لهذا الأمر”. لم يكشف البرلماني خيي الخمليشي عن هوية هذه الوحدات الصناعية، لكنه واصل القول: “تداول الإعلام الوطني خبر وجود كميات كبيرة من الكمامات مخزنة لدى إحدى الوحدات الصناعية في طنجة استعدادا لتصديرها، وكان هذا الإعلام نفسه أثار شبهة قرب صاحب المعمل من حزب وزير التجارة والصناعة، متسائلا عن وجود تسريب مخل بالمنافسة يفيد هذه الوحدة الصناعية أو غيرها في الحصول على امتياز السبق في الإنتاج الموجه للتصدير”.  ومضى خيي قائلا: “فالاكتفاء الذاتي الذي يتحدث عنه الوزير “إن كان موجودا”، هو في جزء منه نتاج للجوء الكثير من المواطنين المحدودي الدخل إلى الصنع المحلي أو المنزلي للكمامة، تعويضا عن افتقادها أو غلاء ثمنها أو عدم جودة المنتشر منها بثمن مناسب” . وطالب البرلماني خيي بـ”تمكين الرأي العام بشفافية مطلقة من الأرقام الحقيقية التي تسمح بتتبع الإنتاج الوطني، والاستهلاك المحلي وحدود الكميات المسموح بتصديرها، وإلا فإن الجميع سيتجه للتصدير المربح على حساب احتياجات الداخل”. لاحقا، نشر محمد خيي الخمليشي رابطا لموقع إلكتروني Le Desk يتضمن خبرا عن استفادة رجل الأعمال حسن بلخياط، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، من صفقتين بقيمة 5,3 مليون درهم تتعلقان بإعداد دراسات لوزارتين على رأسها وزراء من الحزب عينه، وقد جرى حذف صور بلخياط من الموقع الرسمي لحزب الحمامة وإخفاء اسم حسن بلخياط من قائمة أعضاء المكتب السياسي.

طبخة انتخابية فاسدة

لا يبدو أن تثمين دور التكنوقراط وتبخيس دور السياسيين في لحظة إجماع وطني لمواجهة كورونا مجرد لعبة تواصلية، بل الراجح أن وراءها طبخة انتخابية، لأن بعض من روجوا لها كتبوا في الفترة عينها عن امتعاضهم من استمرار حزب العدالة والتنمية على رأس الحكومة لولاية ثالثة، وأن المرحلة تقتضي تغييرا له، ليس بحزب التجمع الوطني للأحرار، وهي الورقة التي يبدو أنها أحرقت، بل جرى الإيعاز بالبديل، من خلال التنويه بدور التكنوقراط.

عباس بوغالم، أستاذ العلوم السياسية بجامعة وجدة، قدم تحليلا في هذا الاتجاه، بحيث اعتبر أن تأثير كورونا على السياسة له وجهان: الأول موضوعي، فالقطاعات الأكثر ارتباطا بحاجات المواطنين الحيوية من الطبيعي أن تبرز أكثر على المستوى التواصلي، لكن بوغالم لاحظ أن التركيز الإعلامي يتم على أشخاص بعينهم، دون آخرين، تحضر قطاعاتهم بالقدر عينه في مواجهة الكارثة أو أكثر، منها قطاع الفلاحة على سبيل المثال. ولاحظ بوغالم تركيزا على الفتيت وحفيظ العلمي ومحمد بنشعبون، في مقابل تهميش لرئيس الحكومة ووزير الفلاحة عزيز أخنوش، وأيضا وزير الصحة، رغم أهمية قطاعات الفلاحة والصحة في تطويق الجائحة. وهو توجه قد يسمح للمحتفى بالتموقع بشكل أفضل في المرحلة المقبلة.

لكن الذي يطرح علامة الاستفهام في رأي عباس بوغالم ليس تسليط الأضواء على شخص وتهميش آخر، بل “التهميش العملي للحكومة كجهاز تنفيذي، باعتبارها هي المسؤولة عن كل القطاعات”. ويؤكد بوغالم أنه “من المفروض أن يكون رئيس الحكومة في واجهة كل الأحداث المتصلة بهذه الجائحة، وأن يكون قطب الرحى في كل ما يصدر عن قطاعات الحكومة من معطيات حول الجائحة، لكن الواقع يؤكد أن هناك تهميشا عمليا ومقصودا لرئاسة الحكومة، ما يجعلها تظهر بعدة رؤوس، وهو وضع له سببان: الأول، موضوعي، يشير إلى أن تدبير مواجهة الجائحة لا يتم من داخل الحكومة، بل من قبل القصر الملكي، مع إشراك الوزارات الحيوية مثل قطاع الصحة، وهذا التوجه هو ما يجعل حضور رئيس الحكومة ثانويا في كل المجريات والتدابير. أما السبب الثاني، فهو مرتبط بطبيعة شخصية رئيس الحكومة، وقدرته التواصلية حيث إنه ليس شخصية مفوهة مثل سابقه. ويذهب بوغالم إلى حد التساؤل عن سبب خروجه الإعلامي الأخير، “هل هو من قرر ذلك أم دُفع إليه لكي يُحرق إعلاميا أمام المواطنين، وهو ما يخدم تهميش رئاسة الحكومة كما سبق الذكر”.

وبخصوص تداعيات هذا الوضع، يتوقع بوغالم أن يكون للطريقة التي تُدبر بها كورونا آثار على المشهد السياسي، وذلك في اتجاهين: الأول، مزيد من تعزيز دور الملكية التنفيذية، التي عززت من صورتها وموقعها وشرعيتها إزاء الرأي العام، وقد سمح لها ذلك بمراكمة المزيد من المسؤوليات هي في الأصل من اختصاص الحكومة. وكان حريا ظهور رئاسة الحكومة كقائد فعلي في مواجهة الفيروس. لقد أوضحت طريقة تدبير مواجهة الفيروس أن القصر الملكي هو من يدبر القضايا الكبرى والحاسمة، ويبدو أنه يتعامل مباشرة مع القطاعات الوزارية، وفي ذلك تهميش لدور رئاسة الحكومة.

الاتجاه الثاني، أن تدبير الجائحة قد يسهم في بروز شخصيات جديدة مثل محمد اليوبي مدير الأوبئة، والفتيت وزير الداخلية، وسعيد أمزازي وزير التربية الوطنية، وحفيظ العلمي وزير الصناعة والتجارية، وكذا محمد بنشعبون وزير الاقتصاد والمالية، وذلك في مقابل تأكيد تراجع حضور شخصيات سياسية أخرى مثل إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، وعزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار، وبدرحة أقل سعد الدين العثماني رئيس الحكومة، وهي دينامية قد تتعزز في المرحلة المقبلة، إذا لم تحدث تطورات تقلب كل هذه الحسابات.

من جهته، يتوقع بلال التليدي، محلل سياسي، أن يكون لكورونا تأثير كبير على المشهد السياسي، فهو يرى أن “استقراء التاريخ السياسي للمغرب، يفيد أن التحولات في اتجاه الديمقراطية كانت تتم عند الأزمات، وبشكل خاص خلال الأزمات الاقتصادية التي يكون لها انعكاس اجتماعي حاد”. واعتبر التليدي أن فيروس كورونا أدى إلى تعرية الواقع ما كشف عن “أزمة اقتصادية حقيقية، أقوى مؤشراتها أنه لدينا 4,6 مليون أسرة تعيش على الدعم الذي تقدمه الدولة، وهذه الأسر قد تعاني أكثر في حالة رفع الحجر بشكل تدريجي، لأن الدعم سيتوقف في الوقت الذي لم يتعاف الاقتصاد بعد، نتيجة تراجع نسبة النمو، الجفاف، وتراجع الاستثمارات، وهي أزمة قد تستمر لمدة أطول، بل “قد إن المغرب قد يشهد أزمة اجتماعية أسوأ من تلك التي فجّرت حركة 20 فبراير”.

وللخروج من الأزمة المتوقعة، لن يكون التكنوقراط الخيار المفضل لدى الدولة، في نظر التليدي، لأن شرط تعافي الاقتصاد رهين بالتوجه نحو الديمقراطية، والاعتماد على أحزاب منبثقة من الشعب، وليس الاعتماد على التكنوقراط المفتقرين لأي قاعدة شعبية أو شرعية سياسية. وخصوصا وأن الطلب على السياسة قد يزداد، وقد يدفع الناس ومختلف الفاعلين إلى الرهان على إصلاحات دستورية، لأن الإشكال بات واضحا أنه دستوري، فهو ما يفسر تهميش الحكومة، وليس أي شيء آخر.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.