فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. نصارى العراق ومشكلة ترجمة فلسفة الإغريق- الحلقة 18

18/05/2020 - 19:00
فسحة رمضان على "أخبار اليوم".. نصارى العراق ومشكلة ترجمة فلسفة الإغريق- الحلقة 18

يعد ابن تيمية واحدا من الفقهاء والعلماء في تاريخ الإسلام الذين شغلوا مساحة واسعة من الجدل الديني والفكري والسياسي منذ قرون طويلة وإلى اليوم، سواء في العالم العربي والإسلامي أو في الثقافة الغربية، بل ربما كان الوحيد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس أكثر من غيره، وأثيرت حوله الانقسامات، بل صار في فترات معينة عنوانا لما ليس هو، وتهمة كافية توجه إلى كل من دافع عنه أو تحدث عنه بغير اللغة التي يراد أن يُخاض بها في فكره وحياته وشخصه. بعيدا عن القراءة الإيديولوجية التي وضعت ابن تيمية خلال العصر الحديث في هذا الصف أو الصف المقابل، وجعلته إما فقيه السلطة، وإما منظرا للعنف، يحاول الدكتور إدريس الكنبوري تقديم قراءة ثالثة تسعى إلى تخليصه من الصورة النمطية، من خلال إعادة دراسته في واقعه، ووضع فكره وإنتاجه الفقهي ضمن التراكم التاريخي للفكر العربي الإسلامي (تنويه من التحرير: نظرا إلى كثرة الإحالات والهوامش نعتذر إلى القراء عن عدم نشرها).

ألمحنا في الفصل السابق إلى أن أحمد تقي الدين بن تيمية قد ولد في حران، وأن هذه الأخيرة «كانت مهد الفلسفة والصابئة زمنا طويلا». وكما أن المدينة بقيت تجر وراءها تاريخها الفكري والفلسفي الطويل، ظل ابن تيمية يجر معه أيضا التاريخ الفكري والفلسفي للمدينة التي ولد فيها وقضى فيها شطرا من حياته. لقد فتح عينيه في حران وأغلقهما في دمشق، ولكن الرجل الناضج الذي علم وجادل في الشام ومصر كان يدين بالشيء الكثير لطبيعة النشأة الأولى في «مهد الفلسفة والصابئة».

عاصرت حران كلا من اليونانيين والرومان في مرحلة ما قبل ميلاد المسيح، أي أنها عاصرت الثقافة الوثنية بكل تلاوينها، ثم عاصرت الثقافة الدينية ممثلة في النصرانية والإسلام والتجاذب الفكري والفلسفي الذي كان يحدث بينهما. وفي عهد الإسكندر، أقام بها عدد كبير من المقدونيين الذين وفدوا على هذا الجزء الشمالي من العراق، فكان من نتائج ذلك أن آلهة الحرانيين أصبحت تحمل أسماء يونانية. ولما قويت النصرانية وأصبحت الدين الرسمي للدولة مع الرومان، حاول رجال الكنيسة الضغط على سكان حران لدفعهم إلى اعتناقها، لكن دون جدوى، ولأجل ذلك ظل رجال الدين المسيحي يصفونهم بالوثنيين، فتحولت حران بسبب تلك الاستقلالية الدينية النسبية إلى مأوى لكل المتمردين على النصرانية والكنيسة، الرافضين لاعتناق الديانة. ولم يكن ذلك يعني أن سكان حران كانوا بلا دين، بل إن ديانتهم كانت مزيجا من الديانة البابلية القديمة واليونانية التي نفقت وبعض من الأفلاطونية الحديثة، لذلكـ ربما أطلقت عليهم تسمية الصابئة من هذا الباب.

وقد بقيت حران مركزا مهما من مراكز الثقافة اليونانية، إذ كانت تدرس بها مواد الفلك والرياضة والسحر والفلسفة، واستمر هذا الوضع حتى خلافة المتوكل العباسي. وطبيعي أن يحصل احتكاك بين المسلمين وبين غيرهم من أتباع الملل الأخرى، خصوصا المسيحيين، وبالأخص اليعاقبة والنساطرة الذين عرف المسلمون كثيرين منهم. ولعبت المدينة دورا كبيرا، إلى جانب الإسكندرية وجنديسابور، في نشر الفلسفة اليونانية، أو ما كان يسمى علوم الأوائل، وكان هؤلاء النصارى هم الذين أدوا الدور الأساسي في نقل تلك الفلسفة وترجمتها وشرحها.

وما إن جاء عصر المأمون حتى انطلقت حركة الترجمة الواسعة لمعارف اليونان، من طب وفلسفة وحكمة صوفية ورياضة، وسرعان ما انتشرت تلك المعارف في مفاصل الثقافة العربية الإسلامية فتشربتها، ثم سرعان ما صارت معيارا توزن به الحقائق في العلم لدى بعض المسلمين الذين تأثروا بها أيما تأثر. ولا نعرف الذي استعمل أول مرة ذلك التعبير للدلالة على معارف اليونان، أي «علوم الأوائل»، لكن ما هو واضح أن ذلك التعبير كان يتضمن إشارة ضمنية أو صريحة إلى أن اليونان هم «أوائل» بالقياس إلى المسلمين أيضا، لا بالقياس إلى غيرهم فقط، وأن البناء المعرفي الإسلامي له «أول» يرجع إليه هو الفلسفة اليونانية.

ونحن لا نستبعد أن يكون وراء ذلك هدف معين، وهو زرع فكرة تقول بعدم وجود أصالة في النظرية الإسلامية حول المعرفة التي كانت قد بدأت تتبلور حول النص القرآني والسنة النبوية، وترويج أطروحة جديدة مفادها أن المعرفة الإسلامية لا يمكنها أن تقوم دون «علوم الأوائل»؛ أو قد يكون ذلك بكل بساطة راجعا إلى أن الذين أشرفوا على عملية الترجمة والنقل، والذين كان جلهم من النصارى، قد انطلقوا من أن علوم اليونان هي «علومهم». فقد كان من هؤلاء مثلا يوحنا بن ماسويه الذي كلفه هارون الرشيد بترجمة كتب الطب اليونانية، ثم جعله المأمون رئيسا لبيت الحكمة الذي أنشأه بقصد ترجمة علوم اليونان، وكان نصرانيا سريانيا. وكان منهم أيضا حنين بن إسحاق في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وكان هو الآخر نصرانيا من العُباد، وهم قوم يقول ابن العبري إنهم من نصارى العرب ينحدرون من قبائل عدة «اجتمعوا وانفردوا عن الناس في قصور ابتنوها بظاهر الحيرة، وتسموا بالعباد لأنه لا يضاف إلا إلى الخالق، وأما العبيد فيضاف إلى المخلوق والخالق»، ويبدو أنه كان شديد التدين، إذ يروي ابن العبري أيضا أن أحد الأشخاص شهد ضده وأنه بصق على صورة المسيح فحرمته الكنيسة، أي أخرجته من رحمتها، فانصرف إلى بيته في اليوم نفسه ومات من ليلته تلك، وقيل إنه شرب سما.

بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه ينصب حول مصداقية ترجمات الفلسفة الإغريقية، وما إن كان قد جرى التصرف فيها، وهذا أمر لا يمكن استبعاده نهائيا لأسباب عدة. فقد كان أغلب الذين اشتغلوا في ترجمة فلسفة الإغريق من نصارى العراق، كما يقول مونتغومري واط، وهؤلاء لم يكونوا جميعا يعرفون اللغة الإغريقية، إذا استثنينا حنين بن إسحاق، لذلك، فإن الترجمة انطلقت من النصوص السريانية المترجمة لفلاسفة الإغريق، وليس من النصوص الأصلية الإغريقية. ويذكر واط أن هذه الترجمات كانت تقع من خلال مقارنة عدد من النسخ بعضها بالبعض الآخر، وهو ما فعله حنين بن إسحاق مثلا، ما يعني صعوبة التوصل إلى النسخة الأصلية الحقيقية، أو على الأقل الخلط بين نسخ متعددة مختلف بعضها عن بعض، ما قد يدفع إلى تسرب أشياء لا توجد في الأصل. وبعيدا عن هذه الجوانب التقنية في الترجمة، والنقل عن نصوص فرعية لا عن نصوص أصلية، واختلاط النسخ وتنوع مصادرها وناسخيها، تبقى هناك قضية لا يمكننا إغفالها، وهي احتمالات تدخل النصارى المشرفين على الترجمة في تحريف تلك النصوص. فليس من المؤكد والموثوق أن الترجمة كانت أمينة خالصة لم تشبها شائبة، وأن أيدي المترجمين لم تعمل فيها تحريفا وتغييرا، ذلك أن هؤلاء النصارى لا بد أنه كان فيهم متدينون يدينون بالولاء لطائفتهم أو كنيستهم، ولديهم مواقف سلبية تجاه الإسلام والمسلمين، إذ كان انبعاث الإسلام بالنسبة إلى الكنيسة المسيحية في القرن السادس للميلاد يمثل ظهور ديانة منافسة من جهة، وديانة منحرفة عن المسيحية يجب قتالها من جهة ثانية. وفضلا عن هذا التحفظ، هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية عن السابقة، وهي أن هؤلاء المترجمين النصارى قد نقلوا نصوص الفلسفة الإغريقية بناء على فهمهم الخــاص انطـــلاقا من ثقافتــــهم المسيحية القائمـــة على التثليث والتجسيم، فأدخلوا في ترجمــاتــــهم أفكــــارا ومصطلحات تنتمي إلى العقيدة المسيحـــية، إما بنوايا مسبقـــة، أو بمجرد تأويل.

شارك المقال