فسحة رمضان على "أخبار اليوم"- نغوغي واثيونغو..الرواية.. تفضح رهانات الإمبريالية في إفريقيا- الحلقة 19

19 مايو 2020 - 02:00

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

لكتابي “المعتقل” عنوان فرعي هو: “يوميات كاتب في السجن”. لِمَ يوميات كاتب في السجن؟ لأن التيمة الأساس كانت هي عملية كتابة رواية في ظروف السجن. صدرت “كايتاني موثارابيني” (شيطان على الصليب) عن دار “هاينيمان” سنة 1980، وكانت الرواية الأولى من نوعها، من حيث مجالها وحجمها، بلغة الـ”جيكويو”.

سأستدعي تجربة كتابة “كايتاني موثارابيني” بكثافة، أثناء مناقشة لغة التخييل الإفريقي، وآمل أن أتمكن، في غضون ذلك، من تبيان القضايا والمشكلات الأوسع المرتبطة بوجود الرواية الإفريقية وأصولها ونموها وتطورها.

كنت رئيس شعبة الأدب في جامعة نيروبي وأستاذا مساعدا بها، بالإضافة إلى كوني مشاركا نشيطا في مركز جماعة “كاميريثو” التربوي والثقافي، لحظة اعتقالي من بيتي يوم 31 دجنبر 1977. أذكر محاضرتي الأخيرة، التي ألقيتها على طلابي في السنة الثالثة. قلت لهم عند الانصراف: “خلال السنة المقبلة، أرغب في محاولة إنجاز تحليل طبقي لمتخيل “تشينوا أتشيبي” من “الأشياء تتداعى” إلى “فتيات في الحرب”. أريد على الخصوص أن أقتفي أثر تطور طبقة السعاة، من ظهورها كسعاة فعليين، ورجال دين، وجنود، وشرطة، وملقنين دينيين، ومقدَّمي طرق في الاستعمار كما يدركون في روايتي “الأشياء تتداعى” و”سهم الرب”؛ إلى موقعها كجالية متعلمة في “مضى عهد الراحة”؛ إلى توليها ومزاولتها السلطة في “رجل الشعب”؛ إلى إغراقهم الوطن في حرب أهلية طبقية في “فتيات في الحرب”. وقبل أن نلتقي لمناقشة كل هذه المشكلات، أحثكم على قراءة كتابين، لا يمكن بدونهما، كما أعتقد، إدراك ما يكوّن الكتابة الإفريقية، خاصة الروايات التي كتبها الأفارقة. وهما كتاب “فرانز فانون”: “المعذبون في الأرض، خاصة الفصل الموسوم بـ”شراك الوعي الوطني”، وكتاب “فـ. إ. لينين”: “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”.

بعد خمسة أيام- أو ستة أسابيع بالضبط من منع “نغاهيكا نديندا”- بتُّ قابعا في الزنزانة 16 بسجن “كاميتي” ذي الحراسة المشددة باعتباري معتقلا سياسيا يطابق رقما مجردا هو k6.77. ستصير الزنزانة 16 عندي ما سمته “فرجينيا وولف” “غرفة تخص المرء وحده”، والتي طالبت بأن تكون ضرورة قصوى للكاتب. غرفتي توفرت مجانا بفضل حكومة كينيا.

II

هكذا، وأنا حبيس جدران تلك الغرفة التي تخصني، فكرت طويلا في عملي في شعبة الأدب- هل قرأ طلابي “فرانز فانون” و”لينين” حول الاستعمار والإمبريالية؟- وبالطبع في مشاركتي بمركز جماعة “كاميريثو” التربوي والثقافي- هل واصل المشاركون تعليم الكبار؟- كما فكرت فعليا في وضعي باعتباري كاتبا محبوسا. تكمن المسألة كلها لدى نظام استعماري جديد، حين يسجن كاتبا، في إبعاده عن الناس وقطع أي صلة وتواصل بينه وبين الشعب، بالإضافة إلى معاقبته. لقد أراد النظام، في حالتي، أن يبعدني عن الجامعة والقرية ويحطمني إن أمكن الأمر. كان علي أن أبقى سليم العقل، والسبيل الأفضل لذلك، هو استخدام ظروف السجن لكسر تلك العزلة واستعادة الصلة رغم الجدران الموحشة والأبواب المطوقة. زاد عزمي ثباتا عندما حذرني مراقب سجن شديد القسوة من أي محاولات لكتابة القصائد- إذ خلط بوضوح بين الروايات والقصائد.

لكن لِم الرواية؟ ولِم بلغة الـ”جيكويو”؟

III

منذ وقت غير بعيد، أعلن عن موت الرواية، كما أعلن موت الله، على الأقل في أشكالها المعروفة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. بل كانت هناك حركة تبحث عن “الرواية الجديدة”، لكني لست متيقنا من وجود حركة موازية، كذلك، تبحث عن إله جديد، أو من أن بحثها كان مثمرا، فيما يتعلق بذلك. ما هو واضح هو أن شيئا مطابقا لاسم “الرواية” كان يرسل إشارات مهمة تدل على أن الرواية تحيا في مكان ما بإفريقيا وأمريكا اللاتينية. من هنا، لم يكن موت الرواية مشكلة من مشكلاتي.

غير أن الرواية، على الأقل في الشكل الذي بلغنا في إفريقيا، هي ذات أصول بورجوازية. إذ نشأت مع بزوغ البورجوازية الأوروبية كقوة تاريخية هيمنت على التجارة والصناعة، مع تطور التكنولوجيا الجديدة للطباعة؛ ومن ثمة، النشر التجاري، وفوق ذلك كله، مع المناخ الفكري الجديد الذي سمح بمعرفة العالم عبر التجربة الإنسانية. وبعد طول انتظار، حل عالم “كوبرنيكوس” و”غاليليو” محل عالم بطليموس، وحل عالم الكيمياء بدل الخيمياء، وعالم التجربة على الطبيعة وشؤون الإنسان بدل السحر والوصايا الإلهية. وحل “إدموندات” العالم الجديد بكل مكان، يتحدون الملك “لير” وأمثاله من ملوك النظام القديم، حيث انتهى عالم تهيمن عليه الطبيعة وانعكاسها الروحي في مملكة الرب التي تتصف، على نحو مريب، بجميع صفات التراتبيات الإقطاعية المكونة من نبلاء ووضعاء، وحل محله عالم يهيمن عليه الرجل البورجوازي وانعكاسه الروحي في إله الربح والخسارة. وصارت الأغنية اليوم تقول: دع العمال يتولون زمام الأمور، بعدما كانت تقول بالأمس: دع البورجوازيين يتولون زمام الأمور.

كان يدور في خلد أوروبا، التي جاءت إلى إفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر، الرجل البورجوازي الظافر، الذي تحول الآن من نقيب صناعة في نظام السوق الحرة إلى القائد الأعلى لموارد مالية واسعة تنظم صناعات ضخمة واحتكارات تجارية هائلة، وتبحث عن أسواق جديدة لغزوها والتحكم فيها.6

ذاكرة اليسار

تعزز المشهد الثقافي المغربي في العقدين الأخيرين بصدور عدد من المذكرات، من أبرزها مذكرات فاعلين سياسيين من هيئات تنتمي إلى اليسار المغربي. وتناولت هذه المذكرات بشكل متفاوت وبرؤى مختلفة، الأحداث الهامة والمصيرية أحيانا، التي عرفها المغرب زمن الحماية والاستقلال. وأثار مضمون هذه المذكرات وما جاء فيها من آراء ومواقف وتفسيرات ردود فعل متفاوتة، صدرت عن مثقفين وسياسيين ومهتمين من أطياف متعددة. وتم الاحتفاء غير ما مرة ببعض هذه المذكرات. كما تم تقديمها في عدد من المنابر والمؤسسات. وفي هذا السياق، ومساهمة منها في إثراء النقاش الدائر، وانسجاما مع اهتماماتها، نظمت مجلة رباط الكتب الإلكترونية لقاءً علميا بشراكة مع مؤسسة أرشيف المغرب، في موضوع ذاكرة اليسار. وساهمت في اللقاء الذي احتضنته المؤسسة بتاريخ 18 أبريل 2019، ثلة من الباحثين الجامعيين والشباب. وقد اختار المشاركون في اللقاء مقاربة موضوع الذاكرة، من خلال نماذج منتقاة هي: شهادات وتأملات لعبد الرحيم بوعبيد، وهكذا تكلم بنسعيد لمحمد بنسعيد آيت إيدر، وأحاديث فيما جرى لعبد الرحمن اليوسفي، ويوميات العمل الوطني المسلح لعبد السلام الجبلي، والمغرب الذي عشته لعبد الواحد الراضي. وحظيت هذه المساهمات بتمهيد نظري من خلال قراءة في كتاب ميلونكوليا اليسار: الماركسية، التاريخ، والذاكرة لإنزو ترافيرسو. مجلة رباط الكتب تفضلت بتقاسم ثمار هذا اللقاء مع قراء «أخبار اليوم»، والتي تنشرها على حلقات.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.