من يكتب النّقد الذّاتي للاتّحاد الاشتراكي؟.. بين «مجتمع المدن» لدى الجابري و«دار المُلك» لدى حمودي

20 مايو 2020 - 01:00

ينطوي السّجال الرّاهن حول موقفي وزير العدل محمد بنعبدالقادر والكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر من مشروع قانون 20-22، الذي يسمّيه جل المغاربة «قانون تكميم الأفواه»، واحتفالية الذكرى الستّين للحزب التي طغى عليها سؤالُ الغياب أكثر من جواب الحضور، ومقاطعة عدد من أبرز القادة التاريخيين للاتحاد قبل سبعة أشهر في الرباط، عن مخاض داخل أهمّ حزب يساري في تاريخ المغرب. وفي ظلّ تصاعد الاحتجاج على تخلّي قيادة الحزب حاليا عن جلّ ثوابت العمل السياسي التي نادى بها بنبركة وبوعبيد والجابري وبنجلون واليوسفي واليازغي وغيرهم.

هل لايزال الاتحاد الاشتراكي يرتبط حقيقة برؤية عضوية مستقاة من فكر اليسار وقناعات الكتلة التاريخية؟

الدكتور محمد الشرقاوي، أستاذ تسوية الصراعات في جامعة جورج ميسن في واشنطن، وعضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا، يقدّم قراءة نقدية لمسار الاتحاد بين 1958 و2020، ويتناول نقاطا محورية منها قياس القرينة الموضوعية بين تطوّرات المغرب وطبيعة الحكم، وجدلية اليسار والمخزن، وعلاقة بنبركة بالملك الحسن الثاني، وكيف تدرّجت مواقف الحزب من قضيتين محوريتين: الديمقراطية والملكية. وكيف تغيّرت البوصلة من «شرعية الزعامة» إلى «تقنية القيادة»؟ وما هو دور التأثيرات السّيكولوجية والسياسية داخل حزب انقسم إلى «اتحاديي المعارضة» مقابل «اتحاديي الموالاة»، وتطوّر هويتهم السوسيولوجية في القرن الحادي والعشرين؟ تأتيكم هذه الدراسة النقدية ضمن ثماني حلقات متتالية.

مع نهاية السبعينات، ظهر في خلفية المشهد في الرباط توجّه الدولة المركزية نحو وضع الاتحاد الاشتراكي وسط الكمّاشة بين تنامي الحزب الإداري الثاني “التجمّع الوطني للأحرار”، وفتح الطريق أمام التيار الإسلاموي. فقرّر الحسن الثاني تأسيس شعبة الدراسات الإسلامية عام 1980 بعد إصدار ظهير ملكي لتنظيم جامعة القرويين. لكن المفارقة المثيرة أن محمد بلبشير الحسني، الذي عهد إليه الملك بالإشراف على شعبة الدراسات الجديدة، تفاجأ من نصّ المذكرة التي أرسلها وزير التربية الوطنية عزالدين العراقي أحد قياديي “الاستقلال” آنذاك إلى عميد الجامعة يأمره “بفتح شعبة الدراسات الإسلامية، وإغلاق شعبة الفلسفة، وهو الأمر الذي لم أكن أعلمه ولم أكن لأوافق عليه”، كما يقول الأستاذ بلبشير، “لقد خدعت لأنّ الأمر ظهر وكأننا نحارب الفلسفة”.

في الوقت عينه، كان طلاب الجامعة المغربية منقسمين إلى منظمتين متنافستين: الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد العام لطلبة المغرب في السبعينات والثمانينات قبل أن يتمكن التيار الإسلاموي من الهيمنة على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وفي عام 2013، وجد الاتحاد الاشتراكي نفسه “بين الرجْلِين” خلال احتدام النقاش حول المساواة في الإرث، عندما قرّر شخص سلفي يسمّى عبدالحميد أبو النّعيم تكفير الحزب وأفكاره وتاريخه بجرّة قلم. وجاهر في شريط فيديو قائلا إنّ “حزب الاتحاد الاشتراكي معروف بكفره. تاريخُه تاريخُ كفر. منذ الخمسينات وهم ينشرون الكفر في مجالسهم الخاصة والعامة ويلحدون بالله، وينكرون وجوده، ويطعنون في نبيه، ويتهجمون على الشّريعة”.

يعدّ هذا “الشيخ” من تلامذة محمد تقي الدين الهلالي وثمرة الفكر الوهابي الذي فتح له الحسن الثاني الباب بعد الثورة الإيرانية، وغدا الهلالي “البوابة الرسمية” لنشر الفكر السلفي الوهابي تحت شعار “السلفية العلمية” في المغرب المعاصر. يقول السيد الهلالي في رسالة خطية وجّهها إلى علي بن أحمد الريسوني في بداية يناير 1971 بشأن إرسال طلبة مغاربة للدراسة في الجامعة الإسلامية في السعودية ما يلي: “لقد سُررت بتأليف جمعية الدعوة الإسلامية (التي أسّسها علي الريسوني في المغرب)… وقد جاء كتاب منذ شهرين من وزارة الخارجية المغربية تطلب أن ترسل خمسة من الطلبة تختارهم هي، فاستشارنا معشرُ رجال المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية سماحة الرئيس، فاتفّق رأيُنا على أن تقبل طلبَ الوزارة المغربية”.

لعنة الديمغرافيا السياسية

بدأ تآكلُ خطاب الاتحاد الاشتراكي وشرعيته الفكرية والسياسية عقب حكومة التناوب الأولى بقيادة اليوسفي، وأصبح تدريجيا في حالة انكماش وانطواء على الذّات. وتتباين الأسباب بين ما هو من سياسات الحزب ذاته أو “ما جنته براقش على نفسها”، وما جلبته المرحلة من جَزْرٍ جديد في وضع الاحزاب اليسارية في العالم عموما. ويمكن استعراض ثلاثة أسباب رئيسية في هاذ المجال: تنافسية، وعقابية، ومرحلية. أولا، يتدرّج خطاب التّغيير مع فئات الشباب الذين يشكلون نسبة 65 في المائة من المغاربة. وبقدر ما كانت شعبية الاتحاد الاشتراكي تتّسع بين جيل السّبعينات والثّمانينات، وإلى حدّ ما التسعينات، بقدر ما أظهرت الألفية الجديدة انفتاح الجيل الجديد على الحركة الإسلاموية بما فيها حركة التوحيد والإصلاح وبعدها حزب العدالة والتنمية وجماعة العدل والإحسان، فضلا عن تنامي السلفية في صورتها الوهابية. وعلى خلاف الزّخم السياسي وارتفاع المعنويات لدى الاتحاديين مساء الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية عام 1997، وجدوا أنفسهم في حالة كآبة سياسية. وتهاوت مكانة الحزب من مركز القيادة داخل البرلمان، فتراجع عدد مقاعده من 57 عام 1997، إلى 50 عام 2002، ثم 38 عام 2007. وانقلبت الآية لصالح “الاستقلال” بمجموع 52 مقعدا و”العدالة والتنمية” 46 مقعدا.

أتذكّر مساء تلك الجمعة بعد عملية التصويت في السابع من دجنبر 2007، عندما قرّرتُ أنا واثنان من الأصدقاء الإعلاميين القيام بجولة بين مقارّ أربعة أحزاب قبل إعلان نتائج الانتخابات، بداية بمكاتب حزب الاستقلال في باب الأحد حيث تبادلنا أطراف حديث استشرافي شيّق مع المرحوم محمد العربي المساري وابنة عبّاس الفاسي وشخصيات استقلالية أخرى. ومن هناك إلى مقر “العدالة والتنمية”، حيث أعرب زعيم الحزب آنذاك سعد الدين العثماني عن تفاؤله باحتمال الفوز بـ90 مقعدا في جلسة استغرقت قرابة الساعة. ثم انتقلنا إلى مقرّ الحركة الشعبية التي لم نجد في استقبالنا سوى محمد أوزين، وكأنّ أهل البيت غير آبهين بتلك “العرّاسية” الانتخابية. وفي حدود الحادية عشرة ليلا، انتهى بنا المطاف في مقر الاتحاد الاشتراكي حيث لمسنا خيبة أمل واكفهرارا في الوجوه القليلة الحاضرة وسط مؤشرات على نقيض الحماسة في مثل تلك الليلة قبلها بعشر سنوات. كانت بمثابة صيغة اتحادية من “عشرية سوداء” عندما يشيخ الجسد السياسي ويصيبه الترهل والوهن، أو تصيبه لعنة الديمغرافيا السياسية بين 1997 و2007.

ثانيا، ينمّ ضعف المكاسب التي كانت للاتحاد الاشتراكي في الانتخابات التشريعية عام 2007 عن عقاب واضح أعلنته الكتلة الانتخابية التي شعرت بأكثر من خيبة أمل، بل عبر البعض عن استيائهم مما اعتبروه “خيانة” الحزب لمبادئه وشعاراته المعلنة. وقام أعضاء المكتب السياسي للحزب بعدة قراءات لتقييم ما حدث. وكان لشكر وقتها يتولى وزارة العلاقات مع البرلمان، فضلا عن عضوية المكتب السياسي للحزب. وفي مقابلة صحفية عام 2010، قال إنه يعتبر نفسه “فاعلا ومسؤولا في حزب معين منسجم مع قراراته وتوجّهاته”. وأقرّ بوجود ما سمّاه “أزمة تتطلب مجموعة من المبادرات التي استعرضها حزبنا، منها مبادرة الإصلاحات السياسية والدستورية التي نعتبرها مدخلا لمعالجة هذه الأزمة، لأن ما وقع في سنة 2007 غير عادي وغير طبيعي في الحياة السياسية في بلادنا، ولم نقبل بذلك على اعتبار كوننا ساهمنا في الانتقال الديمقراطي”. واعتقد لشكر وقتها أن “هناك ما يمكن أن يدخل ضمن مسؤولياتنا كحزب، وبالمقابل هناك مسؤوليات الآخرين ومسؤوليات كل الطيف السياسي ومسؤولية الدولة كذلك، لأنها لم تدفع بالانتقال الديمقراطي خطوات إلى الأمام”.

يدعو منطق التبرير هذا لدى السيد لشكر إلى الاستغراب عندما عزا هزيمة الاتحاد الاشتراكي إلى ما يصفه “تردّي ونكوص في العمل السياسي” في المغرب وإلى “الفساد الانتخابي حتى في صفوف الأغنياء وكيف أن الاقتراع غير المباشر، أفرز مستشارين لا يبحثون إلا عن هذه الصفة التي حوّلوها إلى أصل تجاري حتى يقوموا بصرفها في كل محطة عبر المقايضة في انتخابات الجهة أو المجلس الإقليمي، وهؤلاء ليسوا من الفئات الفقيرة، بل بينهم المهنيون والحرفيون والأساتذة والأطباء والمحامون.” بل وبرّر خسارته في الانتخابات المحلية في اليوسفية بفعل قوة المال ضده. فشدد القول على أنّ “هذا ما يُسمى بالمؤامرة، فنعتت بالإقصاء لأنني طلبت برفع العتبة، والجميع يذكر الحملة ضدي في الانتخابات، وكان مما يسر ذلك شراء ذمم الناس فكانت الأصوات تشترى جملة واحدة من كل عائلة بمبلغ يتراوح ما بين 3000 و4000 درهم”.

في المقابل، ظهرت حركة “كل الديمقراطيين” لاستقطاب الحداثيين، والمتحوّلين حزبيا، أو “عزّابة” الأحزاب، بمن فيهم بعض أعضاء الاتحاد ومناصريه. ويعتقد لشكر أن هذه المتغيرات في الساحة السياسية المغربية كانت تحتّم مرونة وإعادة الحساب لتحديات حزبه إزاء ما سمّاه “الوافد الجديد الذي كان يشتغل في خانة اليسار ليتحول إلى الاشتغال مع الأحزاب الإدارية وغيرها، فتذكروا معي كيف تتم التحولات، لكنكم تطلبون مني أن أظلّ جامدا.” وفي وجه الانتقادات التي تعرّض لها الحزب سواء من داخل صفوفه أو من الشارع المغربي، يتمسك لشكر ب”اعتزازه بما تم تحقيقه رغم كل ما قيل ورغم أن الرأي العام كان حكمه قاسيا”، كما يرمي بورقة نوستالجيا تبدو مفتعلة قائلا “ما تم إنجازه في العشرية التي انخرطنا فيها على كل الأصعدة بدأ يخلف صداه وبدأنا نسمع كلاما يحن إلى تلك المرحلة، حين انطلق التناوب والطريقة التي انطلق بها.”

يقول لشكر عن ظهوره في البرنامج التلفزيوني “حوار” عامة 2010 إلى جانب فؤاد علي الهمّة مستشار الملك بأنّه لم يحضر بصفته “الحزبية”، بل “الرّسمية كوزير مكلف بالعلاقة مع البرلمان”. وتعهّد بالمشاركة في “أيّ برنامج حواري يستدعى إليه رئيس فريق برلماني إلا إذا كانت هناك ظروف قاهرة، ولأنني وزير مكلف بالعلاقة مع البرلمان ينبغي أن أتابع الحياة البرلمانية، إضافة إلى أن هناك علاقة شخصية تجمعني مع حكيم بنشماس، فهو مناضل يساري سابق”.

ثالثا، هناك قضية لا يمكن تحميل المسؤولية عنها إلى هذا الحزب بمفرده. فقد شهد المغرب ولايزال نصيبه من عزوف الشباب عن المشاركة السياسية والضجر من الوجوه السياسية. وأظهرت إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط أن 70 في المائة من الشباب لا يثقون في جدوى العمل السياسي، وأنّ 5 في المائة يؤمنون بالعمل الحزبي، ومجرد 1 في المائة يزاولون الفعل السياسي داخل الهيئات السياسية، بينما يشكل الشباب 40 في المائة من كتلة الناخبين. وتجاري هذه المؤشرات وتيرة تقلص شعبية الأحزاب في العالم. فبين 2004 و2015، فقدت الأحزاب التقليدية في أوروبا مثلا نسبة 14 نقطة من تأييدها لدى الرأي العام وخاصة الشباب وتراجعت من نسبة 86 إلى 72 في المائة. في المقابل، ارتفعت حصة الأحزاب الشعبوية سواء في اليمين أو اليسار بأكثر من نسبة الضعف لتصل إلى 23 في المائة. ومما يختزل هذا التراجع مثلا إفادة “اللورد أودونيل” أمام لجنة مجلس العموم البريطاني في لندن “لو حسبت مجموع العضوية لدى الأحزاب الثلاثة الرئيسة في بريطانيا، فيسكون العدد الإجمالي أقل من عدد المنتسبين إلى “الجمعية الملكية لحماية الطيور”. إنها قضية خطيرة للغاية هنا، لكنها تستمر منذ 15 عاما”. هذه شبه حتمية تاريخية في تراجع شعبية الأحزاب في شتّى النظم السياسية. ويلاحظ “توني ورايت”، أستاذ نظم الحكم والسياسات العامة في جامعة وسط لندن، أن تقلص عضوية الأحزاب يمثل وصفة لأزمة الشرعية، وأن “المحرّكات الكبيرة لنظام الأحزاب الحديثة، وأهمها الطبقية والإيديولوجيا، لم تعد تعمل بالطريقة التي كانت تعمل بها من قبل”.

بين “مجتمع المدن” الجابري و”دار المُلك” الحمّودية

كان مثقفو الاتحاد الاشتراكي وطلابه ومناضلوه النخبة الحيوية في تطوّر مجتمع مدني مغربي معاصر. وكان بنبركة يأمل في تنوير المجتمع وتعزيز ثقته بنفسه بعد التحرّر من كل تبعيات الاستعمار والفئات التي تربط مستقبلها ببقاء المصالح الفرنسية والثقافة الفرنكفونية، والخروج من طوق “نظرية الاتكال” Dependency theory على المغرب خاصة بعد اتفاقية “إيكس ليبان”، واستدامة تحكّم “المركز” القوي في دول “الهامش” الفقيرة في العلاقات الدولية، قبل أن يتجدّد هذا المدّ بنظرية العولمة في الثمانينات، ثم نظرية التحديث في أواخر التسعينات حسب مقاسات باريس وغيرها من العواصم بالنسبة إلى المغرب. كان بنبركة غرامشيَ الرؤية بأن يتحوّل المجتمع، (ويقصد المجتمع المدني قبل انتشار هذا المفهوم)، إلى سلطة مؤسّسة تعبّر عن الرأي العام، وتنازع سلطة الدولة بعد استكمال وعيها الجماهيري، وتبدأ في ممارسة تأثيرها الحقيقي في الواقع. وثمة خيط رفيع يصل إلى كارل ماركس الذي يعتبر المجتمع المدني “فضاء للتنافس والصراع بمختلف أشكاله الاقتصادية والسياسة والأيديولوجية والثقافية وبين الطبقات والفئات الاجتماعية كافة”.

في هذه الفترة، كانت أفكار الفيلسوف الألماني هابرماس تختمر في رأسه قبل إصدار كتابه عن التواصل والمجال العام Public sphere عام 1962، وقد تشبع بفكرة هيغل بأن المجتمع المدني يوجد بين الأسرة والدولة. فجاء المجال العام الهابرماسي حيويا وعلى أساس ما يدور داخل المجتمع المدني، وامتدادا للتواصل والنقاش العام على غرار ما كان يدور في المقاهي والصالونات الأدبية في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. وكانت كما الحال من قبل، ها هي وسائل الإعلام التقليدية والمعاصرة تسمح بـ”المساواة والنقد ووصول الأفكار والتأمل وإثارة الإشكاليات”، كما يقول هابرماس.

في المغرب، امتدت أركيولوجية الجابري، الذي لم يكترث بالتسمية العصرية، إلى التراث وكيف ساهم “مجتمع المدن” في نموّ مؤسّسات عفوية داخل المجتمع البدوي كما الحضري حيث يعيش الفرد “منتميا لها ومندمجا فيها، ولا يستطيع الانسحاب منها كالقبيلة والطائفة.” غير أنّ عبدالله ساعف يميّز بين “المجتمع المدني الرسمي” الذي يشمل الأحزاب والنقابات والجمعيات والنخب المختلفة، كمجتمع يشتغل عن طريق الكتابة، ويوجد في المدن والحواضر الكبرى، و”المجتمع المدني الصامت” كناية عن الزوايا والطرق الصوفية الجهوية التي تظل ثقافتها “شفوية محضة”. وعلى الرغم من البون القائم بينهما، لم يظهر في المغرب مجتمع مدني بسبب معوقات بنيوية وقانونية بالنظر إلى “ضعف حضوره من خلال المسألة الدستورية وتطوّرها دالّ جدا، سواء في مستوى الفعل القانوني والمؤسساتي بالنسبة إلى مجال الدولة وفاعلية أجهزتها أو في مستوى مختلف تحركات الفاعليين الاجتماعيين”، وفق تقديرات ساعف.

في هذا المشهد، يتقابل مفهوم “مجتمع المدن” ودور النخبة لدى الجابري ومفهوم “دار الملك” ومن خلفها الزوايا و”الشرفاء” و”الأعيان” وأصحاب “الكرامات” و”الخوارق” لدى حمّودي. فتظهر الجدلية بين تنوير الحكم مقابل سلطوية المخزن والجيش وبقية امتدادات البيعة، ومن يسميهم الجابري “القوة الثالثة”، وما بينهما من مدّ وجزر بين فترات الحكم الرشيد وفترات الضعف المخزني، مثل ما حدث خلال هزيمتي معركة إيسلي 1844 ومعركة تطوان 1859. ويمكن تصنيف رجال “القوة الثالثة” ورجال “دار الملك” حسب خيوط التبعية المتفرعة من المخزن العمودي إلى المخزن الأفقي.

في الحلقة السابعة، أتناول كيف ساهم تراجع الاتحاد الاشتراكي في العودة إلى الفكر التقديسي وتنامي زيارات الزوايا والأضرحة، وكيف يحاضر أحمد التوفيق في الاتحاديين حول مزايا “الأمن الروحي”، وتحوّل بعض الاتحاديين من مفهوم من “المادية التاريخية” إلى تبعية “المادية المالية”، ومن يملك الخطاب.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *