من يكتب النّقد الذّاتي للاتّحاد الاشتراكي؟ الاحتضار السياسي أشدّ من الموت!

22 مايو 2020 - 03:00

حتى منتصف التسعينات، كان يُعزى إلى الاتحاد الاشتراكي، أكثر من غيره من الأحزاب والتيارات السياسية في المغرب، بلورة النقاش الدائر حول فصل السلطات وطبيعة الصلاحيات المنطقية للملكية بين الدعوة إلى « ملكية برلمانية » أو « ملكية دستورية » أو “ملكية تقديرية ». غير أن اتحاديّي الموالاة لم يعد لديهم شرف مِلْكية هذا الخطاب سياسيا وشعبيا، فانسلّت الورقة من أيديهم لتغدو قضية سجال وفق تصوّرات حزب العدالة والتنمية ونقطة استقطاب للمعارضين والمؤيدين بين الرأي العامّ المغربي. ويلاحظ عبدالله ساعف وجود « مؤشرات لم تكن موجودة في السنوات القليلة السابقة »، وفي ظلها « وصلت القوة التنظيمية للعدالة والتنمية أوجها ». ويزداد تنوّع الرؤى حول مستقبل الملكية داخل البازار السياسي للعدالة والتنمية، فهذا عبدالإله بنكيران يعارض بشدة فكرة « الملك يسود ولا يحكم »، ويتمسك بأن تبقى الصلاحيات « في يد الملك، وما تبقّى يجب أن يكون بتفويض منه للحكومة وغيرها من المؤسّسات ».

في المقابل، يعتقد الأكاديمي وأحد قياديي الجيل الثاني في العدالة والتنمية عبدالعلي حامي الدين أنّ « الملكية بشكلها الحالي معيقة للتقدّم والتطوّر والتّنمية، وأنّه إذا لم يحصل أيّ تغيير في شكل النظام، فإنه لن يكون مفيدا لا للملكية نفسها ولا للبلد ». هي عبارة لا تبتعد في فحواها من عبارة المهدي بنبركة عن « فشل الدّولة المخزنية » في فسح المجال للحداثة. عبر ستّين عاما تتقارب هاتان الرؤيتان حول قدرة الملكية على الخروج من مظلتها القديمة. ويكاد السيد حامي الدين أن يكون « اتحاديَ » الجينات دون الحاجة إلى الكشف عن حمضه النووي، أو ربّما عاصر أو جالس بنبركة خِلسة خارج الزمن أو بعيدا عن أعين الأجهزة. وقد يتلاقى الفكر الحداثي الإصلاحي بين قديمه وحديثه عندما يعود بنبركة ليجالس مثقفي جيل القرن الجديد، ومنهم حامي الدين الذي يعتدّ بأن « الملكية في المغرب قابلة للتطوّر الإيجابي ».

ينفي إدريس لشكر أي قرينة بين التحوّل السياسي ونضال الاتحاديين القدامى في المغرب. فهو يعتقد أنّ التوافقات لم تأت « لا بعد 23 مارس سنة 1965 ولا بعد أحداث 20 يونيو وغيرها من النضالات الكبيرة، بل كان على العكس يتلو كل ذلك نوعٌ من « الردّة ». رغم حجم تلك النضالات، كان عبدالرحيم بوعبيد يتميز بقدرته على تدبير الصراع بما يضمن الوصول، في مراحل معينة، إلى التوافقات لربح خطوات إلى الأمام ». وقد يصحو الجابري من قبره ليذكّر لشكر بفحوى المحاضرة التي ألقاها بنبركة، وكان وقتها ينوب عن علال الفاسي في زعامة حزب الاستقلال خلال غيابه، بعنوان: « نحو بناء مجتمع جديد » في فرع الحزب في تطوان، وكيف شكّلت أهم نص له عند تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وقد يجد لشكر في عبارة الجابري الشهيرة: « المعارضة ضرورية للعرش، والعرش ضروري للمعارضة »، وهذه تبيئة ذكية لجدلية هيغل من أجل أن تكتسي السياسة المغربية الزخم وروح الاجتهاد ضمن اختلاف استراتيجي وتوافق وطني. هي جدلية لا بدّ منها، فقد قال الحسن الثاني: « لو لم تكن المعارضة قائمة في البلاد لأنشأتها ».

ثلاثية الديمقراطية والملكية والاستوزارية

يقول أحد العارفين بدهاليز السياسة في الرباط إنّ « السيد لشكر اتُّهم بالذّكاء السياسي، لكن الحكم كان البراءة ». وهذه كناية عمّا لم يستوعبه بعد زعيم الاتحاديين بعدما تقلّمت أظافره، ومن خلفه « البعبع » الاتحادي المترهّل، في السنوات الثماني الماضية. فغدا كيانا حزبيا من فصيلة « لشْكريات » خفيفَة الوزن، فاترَة الألوان، مكسورَة الجناح. وبقدر ما يتمتع بشهية جيدة في الأكل والشرب، بقدر ما يبدي الكفاف والعنف واعتماد الحمية أو « الرجيم » السياسي بألاّ يثير حفيظة رجالات الدولة المركزية. فهو تارة يطلب ودّ بعض مستشاري القصر، وتارة أخرى يغازل « العدالة والتنمية » أملا في مناصب وزارية لبعض رفاقه، وتارة ينادم « الأصالة والمعاصرة ». كل الطرق لديه تؤدّي إلى تحقيق « المنهجية المنفعية » وليس بالضرورة السعي من أجل توطيد « المنهجية الديمقراطية ».

يؤاخذ بعض المنتقدين من داخل الحزب على لشكر ما يسمونه « انتظار ما يجود عليه النظام الحاكم. ويتلقى الأوامر ليسلك السبيل المسطرة بعناية. إن اتحاد اليوم، لا يختلف عن غيره من أحزاب مخزنية حتى النخاع والموجود بالساحة السياسية المغربية »، كما يلاحظ عمر ابكير، الكاتب الإقليمي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بكلميم. ويستغرب آخرون من حاجة الاتحاد الاشتراكي إلى الإسناد السياسي من القصر لفسح المجال لأن يكون ضمن حكومة يتزعمها حزب العدالة والتنمية. وقد صرح رئيس الحكومة سعد الدين العثماني بأن ضمّ أعضاء الاتحاد إلى حكومته كان بـ »قرار سيادي ». ويقول عبدالله العروجي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي: « إن حنكة زعيمنا لشكر حولتنا من اتحاد للقوات الشعبية يخضع لقرارات اللجنة الإدارية، إلى اتحاد يخضع لقرارات السيادة ».

وسط حيرة التيهان السياسي، توعّد لشكر بأن يبعث مذكّرة إلى القصر الملكي يندّد فيها بـ »القطبية المصطنعة » التي أفرزتها الانتخابات التشريعية عام 2016، في إشارة إلى أن « الفسيفساء في المشهد الحزبي لا تساعد على تطوير الديمقراطية »، حسب قوله. وقف قبل أشهر أمام أنصاره في الفقيه بنصالح يقول: « إننا اليوم تُحركنا « الأصالة » وغدا « الأحرار »، ومن قبلُ كان الأمين العام لحزب الاستقلال ». في المقابل، كان بنبركة يستحضر السياقات الداخلية والخارجية لقضية الحكم، وينبّه إلى أن الاقتصار « على وصف أسلوب الحكم ومواطن ضعفه العديدة جعلنا نستغني عن تحليل سياسي عميق لأصوله، فإذا كان صحيحا أنّ نظام الحكم في المغرب هو الحكم الفردي، فإنّ هذا التعريف وحده لا يكفي، ما لم نوضّحه بتحليل متطلّباته الداخلية والخارجية. فإنّ الاكتفاء بالحديث عن الحكم الفردي قد يفيد استقلال هذا الحكم في اختياراته السياسية، بينما نحن نرى مطابقة واضحة وبسيطة لسياسة النظام مع خطة الاستعمار في بلادنا ».

على خلاف المعارك الإيديولوجية التي خاضها اتحاديو السّبعينات وتمسّكهم بنفسٍ يساري معارض من أجل ما سمّاه بنبركة « الديمقراطية الواقعية »، أصبح اتحاديو لشكر اليوم، مزهوّين ببريق الوزارة والسّفارة. يحصون حقائب الحكومة ويستحضرون أنفسهم على كراسييها. فانقلبت الشحنة النضالية إلى اندفاع نحو الاستوزارية. ويعيش لشكر على نشوة أن حصيلة الوزراء الاتحاديين كمكافأة في الحكومة « حصيلة جيدة وغير متنازع فيها ». في الوقت عينه، يحرص على زرع ذريته في مناصب رفيعة في هرم الحكومة. وعمل جاهدا من أجل أن يصبح ابنه حسن لشكر، الذي تخلّى عن أحلام المحاماة على ما يبدو، « مدير الديوان » لرفيقه وزير العدل الجديد محمد بنعبدالقادر، بعدما فشلت مساعيه لتولي ابنته خولة لشكر حقيبة وزارية.

هكذا يصبح لشكر حكيمَ زمانه وقدوةَ اتحاده، وقد نفخ في مغرب « تكافؤ الفرص » روحا جديدة تؤهّله لاعتراف أو جائزة وطنية تقديرا له على « نكران الذات » وتجاوز المصالح « الشخصية » الضيقة. فهو ينصح أنصار حزبه بالاقتناع بأنّ مشروعه المجتمعي « يقوم على تعليم متقدم، واقتصاد منتج، وتكافؤ اجتماعي، وحياة عامة آمنة في دولة قوية، بعيدا عن أي أوصاف جاهزة تؤدي إلى هزم الذكاء الجماعي، وإقبار الطاقات المعطلة والمنسية بسبب تضييق فضاء الاختيار وحصره في إطار القرابات والدوائر الخاصة ». يا ترى من هو إدريس لشكر الحقيقي وسط تزاحم هذه الأمزجة وتداخل الشخصيات السيكزوفرينية في ما آل إليه الاتحاد الاشتراكي منفصم الشخصية والمزاج السياسي!

يقف بعض الاتحاديين المحبطين في حسرة يضربون أخماسا في أسداس وهم يعاينون كيف فقد حزبهم « كل مبادئه ومشروعه، بل وفقد كل أفكاره »، وكيف أن قياديي الحزب « لم يعد يهمهم المجتمع المغربي وخدمته، وإنّما همّهم الأكبر هو السلطة »، كما يقول محمد بوبكري، العضو السابق في المكتب السياسي للحزب. وتبدو حالة لشكر وحالة الاتحاديين الجدد صورة مصغّرة عن تحلّل يسار القرن الحادي والعشرين من مبادئ وتوجهات اليسار القديم. وقد توصلت دراسة نشرتها مؤسسة روزا لوكسمبورغ الألمانية إلى أن « اليسار المغربي بات أشبه برجل عليل وواهن تنخره أزمة خانقة تتدحرج بين تشتت بين مكوناته المحتفظـة بخطهـا اليسـاري وفقــدان المصداقيــة لمكونــات أخــرى حــادت عــن الخيــارات اليســارية وانخرطت تدريجيا في تبني برامج غريبة عنه ».

الاحتضار السياسي أشدّ من الموت! 

قد يكون المشهد جنائزيا حسب اعتقاد البعض، وكأنّ الروح قد فارقت الجسد الاتحادي الهامد. وقد نتخيّل مأتما قائما كما لو أنه جرى استنفاد جميع شروط البقاء، أو كما يعتقد محمد الأشعري أن « كل محاولةٍ لإصلاح الحزب أو إنقاذه أو انتزاعه من إدريس لشكر هي مضيعة للوقت والجهد، لأن الأحزاب، كالأفكار والأشخاص، تُخلق وتتطور ثم تموت ». لا أحد يستبعد الموت السياسي المتدرّج لأحزاب اليسار، حتى في الدول الديمقراطية حاليا، بعدما اختفى ظلّها وضاع سياق المعركة بين الاشتراكية والليبرالية. وحتى في الولايات المتحدة أحدثِ الديمقراطيات التي استفادت من الرصيد السياسي والفلسفي التنويري الأوروبي في القرن الثامن عشر، ماتت ثمانية أحزاب واندثر ذكرها مع مرور الزمن مثل « الحزب الفيدرالي »، و »الحزب المعادي للماسونية »، والحزب الأمريكي الأصلي »، وحزب « الاتحاد الدستوري »، و »حزب الإصلاح ». ويعايش الحزبان الديمقراطي والجمهوري معركة مفتوحة بجولات كل أربع سنوات.

لكن التّسليم بقدر الموت السياسي للاتحاد الاشتراكي قد يكون من قبيل الردّ الانفعالي، وليس بالضرورة التفكير والتخطيط الواقعي، خاصّة وأنه وسط كوكبة متنافسة من أحزاب أقلّ عراقة وأضعف تأثيرا وتاريخا منه في أذهان المغاربة. هي أحزاب « لا تشارك في الحكم »، كما قال بنبركة، « وإنما تخدم الحكم وتدخل من الباب الضيق، باب الخدام، لا من باب الشعبية الواسعة ». ولا يريد الاتحاديون ومنهم الأشعري نفسه حقيقة إقامة الجنازة لدفن جثمان الحزب. في المقابل، يتمسك لشكر بأنّه « اتحادي، وسيبقى اتحاديا، وسيموت اتحاديا ». وحتى الدولة المركزية لا تريد إقبار حزب غَالَبَها في شبابه وطوّعته في شيخوخته، ودحضت مقولة « من شبّ على شيء شاب عليه ». ويظل لشكر بكل حال لاعبا جيد الأداء في بهلوانيات سيرك السياسة في حقبة حرجة بأكثر من حراك وأكثر من « 20 فبراير »، وأكثر من مشهد صاخب بين 2011 و2020.

لكن المؤكد أن الاتحاد الاشتراكي انشطرت هويتُه وتفتّت خطابُه. ومن تجليات منطلق تحيين السياسة حداثياً واستدامة الحكم تقليدياً أنّ الملكية حوّلت أهم حزب يساري في تاريخ المغرب إلى ما يشبه إحدى الزوايا التي تتشبع بإعادة إنتاج شرعيتها بآليات الخطاب الحداثي. وعندما يمدّ لشكر بصره باتجاه انتخابات2021، تراه يتقمص شخصية المريد، ويستبدل « الدربالة » ببدلة الأناقة ويستخدم نبرة يعتقد أنها تُقرّبه زُلْفَى. فهو يقول: « نتوخى في الاتحاد الاشتراكي بعث رسالة واضحة على أنّ البلاد مهدّدة من قبل قوى المحافظة والنكوص. والمشروعُ المجتمعي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس يحتاج لأن تكون قوى الحداثة والتقدم والديمقراطية أكثر شجاعة وقوة وتضامنا لتعديل ميزان القوى المختل ».

عود على بدء في ثنائية السياق والمآل بين 1959 و2020، ماذا يريد اتحاديو اليوم؟ وهل يمكن أن تظل شرعية الستينات والسبعينات وقود الدفع المناسب في العقد الثالث من القرن الجديد؟ وهل الرغبة في انبعاث الحزب من جديد تنطوي على استراتيجية عقلانية ليسار مغربي، أم هي مجرّد وخز الضمير وربما ردّة عاطفية بسبب التفريط في تركة مؤسّسي الحزب ومنظرّيه ومناضليه؟ أم هي استجابة لنداء عمر بنجلون (ليس الراحل عمر بنجلون) القائل عام 2015 « أَلاَ يكون المهدي بنبركة المرجعَ الأخلاقي لبعث جديد » ضمن مقالته بعنوان: « المهدي بنبركة، هذا القتيلُ ذو العمر المديد ».

من التأملات الأكثر تمعّنًا في حصيلة 60 عاما من عمر الاتحاد الاشتراكي، ومن تطوّر المغرب المعاصر إجمالا، أن تأتي من شخص مخضرم بين أصله في المغرب العميق ونشأته في مدرسة القصر، وتجربة الوقوف عند تقاطع الطريق بين حرّية الفكر والوصايا المخزنية وتوليه مسؤولية في القصر في بداية حكم محمد السادس، وبين مدى مناعة الذات ومغبّة تأثّرها ببريق السّلطة ومغناطيس المال ومن تضعه الدوائر ضمن « خدّام الدولة ». هو أيضا باحث يودّ أن يكون مثقفا مجتمعيا « عضويا » وليس « مخزنيا »، بل يتخيّل نفسه « متنبّي الرباط » في ثنايا سردياته عن « رباط المتنبّي ». يقول حسن أوريد: « ألم يكن بنبركة يذكّرنا بأنّا أحفادَ ابنَ رشد وابن خلدون؟ ألم يكن يحذّرنا زَيْغ توظيف الدين، لنرتبط بتلك الهامات التي نفاخر بها الأمم، والتي لم تتنكر لوجدانها ومقوّمات حضارتها وزاوجت بين الإيمان والعقل؟ ألم يكن يريدنا حاملين لمشعل يستنير بنور العقل، ويمتح من عبقرية تربتنا وعمق تاريخنا، وخصوصية بلدنا… إنّ من الافتئات على حقّ هذا الرجل، أن نجعله حكرا لقبيل دون آخر ».

إزاء تردّي الأوضاع واليأس المجتمعي المتزايد وحسابات انتخابات 2021 إذا ظلت في موعدها المقرر وتحديات ما بعد كورونا في الأعوام المقبلة، ثمة سؤالان اثنان يمثلان عنوان المرحلة ورهان المستقبل: كيف يبني الاتحاد الاشتراكي خطابا جديدا يتجاوز الظاهرة اللشكرية التي قد تكون حقبة عرضية في زمنه السياسي. وما هو مشروع الحداثة الاتحادية والمدخل إليها، أو مسألة « الوقتية » Temporality، وما هي سبل تحيين أو راهنية ثقافة الحزب وخطابه ليس كتركة رجال رحلوا، أو انتصارات أو هزائم تراكمت على مدى 60 عاما، بقدر ما هو مصير الاتحاد « الفكرة »، الاتحاد « الرؤية النقدية »، الاتحاد « المشروع المجتمعي الشامل »؟ وما هو مصير الزواج الكاثوليكي منذ البداية على ما يبدو بين الاتحاديين والملكيين؟ لايزال الجابري يعيد الاستفهام العريض ذاته: « كيف يمكن الارتفاع بالشرعية التاريخية الخاصة بالملك، وبالشرعية الوطنية الخاصة بالمعارضة الشريك، إلى مستوى الشرعية الديمقراطية التي تتجاوزهما، وفي الوقت نفسه تحتفظ بهما؟ »

لن يمكن ترميم الحزب باتجاه المستقبل وفق الظروف والعوامل التي تفاعل معها، وأثّر فيها، وتأثر بها خلال 60 عاما مضت، بل يتعين مراعاة تسييق (من تغيّر السياق المحلي والدولي) في تحديد استراتيجية بديلة لهذا الحزب، على غرار تبيئة الأفكار الديمقراطية والحداثية لدى الجابري. وإذا نسجنا على ما قاله المؤرخ « مارك بلوك » إن « الأفراد أبناء زمانهم قبل أن يكونوا أبناء آبائهم »، فإن الاتحاد الاشتراكي كان، ولايزال، وسيكون ابن سياقاته الزمنية المتغيّرة. هو جزء عضوي من العمران السياسي الأصيل كما حاضر ابن خلدون عن العمران البشري تحت قبّة القرويين قبل أكثر من ستة قرون. لا ينبغي أن يتنكر أحد لجيل التأسيس ولا جيل المشاركة في الحكومة، لكن ينبغي الإقرار بأنّ رأسمال الحقيقي للاتحاد الاشتراكي لم يعد معارك بنبركة ولا بوعبيد ولا اليوسفي، وكلّهم أخلصوا لروح الحزب في سنوات الرصاص، بل هي الإجماع على عقلنة السياسة، وتحفيز الدولة المركزية على الخروج من أنساق المحافظة والتقليد وإعادة إنتاج سرديات وإيديولوجيات لم تعد تجد صداها في عقول وقلوب الشباب وفئات واسعة من المغاربة.

تبقى « الديمقراطية الواقعية » التي تخيّلها بنبركة جسر العبور إلى المستقبل، كما كانت عقلنة السياسة وعقلنة الفكر وتنوير المجتمع خطّا نقديا بنّاء يمتد من أرسطو عند الإغريق، إلى ابن رشد في الأندلس، إلى كانط عند الألمان، إلى مدرسة شيكاغو عند الأمريكيين، يبني الحرية والمواطنة والإنسية وسائر تجليات الحداثة الديمقراطية في أوروبا، قبل أن ينظر لها بنبركة وعلال الفاسي والجابري وغيرهم في السياق المغربي. لكنها رؤية يتعيّن عليها، أيضا، أن تأخذ حذرها من الميكيافليين وفقهاء السلطة والشكريين الجدد.

 

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي