الرواية الإفريقية.. المحاولات التأسيسية الأولى

22 مايو 2020 - 02:00

“نغوغي واثيونغو”، الكيني، هو واحد من أبرز أدباء إفريقيا اليوم، إلى جانب النيجيريين وولي شوينكا وتشنوا أتشيبي، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل للآداب. تشهد كتاباته المختلفة والمتنوعة، في الرواية والمسرح والنقد الأدبي، على انتصاره للقارة السمراء وإنسانها المستضعف وهوياتها المهمشة وثقافاتها المهملَة. في هذا الكتاب: “تفكيك استعمار العقل”، يدافع “واثيونغو”، بالتزام وشغف كبيرين، عن فكرة استعمال اللغات والأسماء الإفريقية في الفكر والأدب والسياسة وتخليص أشكال التعبير وأنماط الحياة من مخلفات الاستعمار، حتى تتفكك أنظمة الإمبريالية ويتحقق الاستقلال الكامل.

 

تجلى العامل السلبي الثاني في إنشاء الجامعات والكليات فوق التراب الإفريقي في مستهل الخمسينيات. (تمثلت حركة موازية في نمط التعليم الطلابي نفسه الموجود بالجامعات في الخارج.) إذ كانت كلية “ماكيريري” الجامعية في أوغندا وكلية “إبادن” الجامعية وكلية غانا الجامعية جميعها كليات فرعية ما وراء البحار تابعة لجامعة لندن، حيث كانت تتوفر على شعب مكتملة الأقسام للغة الإنجليزية. ولأول مرة نشأت جماعة من الطلبة الأفارقة الذين تعرضوا لغير إنجيل الملك “جيمس” و”رحلة الحاج” لـ”بنيان”. ذلك أنهم درسوا الرواية الإنجليزية من “رتشاردسن” إلى “جيمس جويس”. كما أنهم سيطلعون على الرواية الأمريكية والفرنسية والروسية، أو سيعونها على الأقل. وسيقرؤون كذلك الروائيين الأوروبيين، أمثال “جوزيف كونراد” أو “جويس كاري” أو “ألن باتن”، الذين اتخذت بعض كتبهم إفريقيا موضوعا رئيسا لها. فضلا عن ذلك، أسس العديد من هذه الشعب الإنجليزية مجلات أدبية وصحفا طلابية، مثل “هورن” في “إبادن” و”بينبوينت” في “ماكيريري”. لكن هؤلاء الطلاب لجؤوا إلى الإنجليزية كأداة لقائهم التخييلي مع أفريقيا. إذ تتوجه العقول اللامعة لكل من “تشينوا أتشيبي” و”وول سوينكا” و”كوفي أوونور” نحو إنعاش الرواية الإفريقية، وإنما إلى خلق تراث جديد، هو تراث الرواية الأفرو-أوروبية. وقد وجدت الرواية (بالإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية) المزيد من التشجيع من ناشرين متعددي القوميات ارتأوا الاستثمار في مجال أدبي جديد. وتكاد الرواية الأفرو-أوروبية لا تنفصل عن سلسلة “هاينمان” للكُتاب الأفارقة، التي صارت قائمتها تضم الآن أكثر من مائة رواية. لكن الناشرين، أمثال “لونغمان” وبعض الدور المحلية مثل دار النشر إفريقيا الشرق، امتلكوا لوائح مثيرة للإعجاب.

من هنا، افتقرت الرواية الإفريقية أكثر إلى أسباب الخصب والقوة بسبب وسائل تحررها الممكن ذاتها؛ أي بتعرض ممارسيها المستقبليين للتقليد العلماني للنزعة الواقعية النقدية والاشتراكية في الرواية الأوروبية واقتحام ناشرين تجاريين كانوا خارج الحكومة الاستعمارية ومراقبة البعثات التبشيرية مسرح النشر.

وقد كنت جزءا لا يتجزأ من تلك السيرورة، أو واحدا من نتاجاتها بالأحرى. إذ التحقت بكلية “ماكيريري” الجامعية سنة 1959 ودرست الإنجليزية. نشرت قصتي القصيرة الأولى “موغومو” أول الأمر في صحيفة الشعبة “بينبوينت” بعنوان “شجرة التين”. وأكملت سنة 1959 مخطوطة روايتي الأولى التي أصبحت موسومة في وقت لاحق بـ”النهر الفاصل”. وفي سنة 1963، وافقت دار “وليم هاينمان” اللندنية على مخطوطة روايتي الثانية “لا تبك أيها الطفل”، التي أصبحت فيما بعد الرواية السابعة في سلسلة الكتاب الأفارقة. وشهدت سنة 1977، عام القبض عليّ واعتقالي السياسي، نشر روايتي الرابعة بالإنجليزية “تويجات الدم”.

كان من الطبيعي، وأنا قابع في الزنزانة 16 بسجن “كاميتي” ذي الحراسة المشددة، أن أفكر في الرواية بوصفها أداة تسمح لي بتحدي اعتقال عقلي وخيالي المقصود. إذ كانت للرواية، في ظروف السجن، فوائد أخرى. فإذا كان المسرح والفيلم، وهما وسيلتان مثاليتان لاختراق حواجز الأمية، يستدعيان أكثر من شخص ويستلزمان مكانا ثابتا أو مبان، ناهيك عن الاستثمار المالي في حالة الفيلم، فإن الرواية، أو كتابتها على الأقل، لا تحتاج سوى إلى قلم وورقة. بيد أنه وجب عليّ، في البداية، أن أحل مسألة اللغة التي كانت متصلة، على نحو جلي، بمسألة التراث الذي سأصل به ذاتي من جديد: هل هو ذاك المتعلق بالرواية الأفرو-أوروبية الذي تنتمي إليه روايتا “حبة قمح” و”تويجات الدم”، أم ذاك المتمحور حول الرواية الإفريقية الذي عدمت فيه أي تجربة سابقة؟ لا حياد، حيث كان عليّ أن أختار.

لكن مسألة الخيار حسمت، بمعنى ما، بفضل “كاميريثو”، وكذا بفضل حقيقة اعتقالي ذاتها. إذ سأحاول كتابة رواية باللغة ذاتها التي انبنى على أساسها اعتقالي. وسأصل ذاتي، لا بالرواية الأفرو-أوروبية في تجربتي السابقة، بل بالرواية الإفريقية في التزامي الجديد.

V

كان الطريق إلى ذلك القرار طويلا. لقد نشأت أتكلم الـ”جيكويو”، كما شرحت، كان لقائي الأول بالحكايات والسرود الشفاهية عبر هذه اللغة. وقد قرأت بنهم، باعتباري متعلما جديدا بالـ”جيكويو”، الكتاب المقدس، خاصة قصص العهد القديم. كما قرأت معظم الكتيبات المتاحة وقتئذ بلغة الـ”جيكويو”، التي نشرتها في الغالب مطابع البعثات التبشيرية والحكومة. فعلى سبيل المثال، لم تكن “موهيرو” ما تيني” أو “مويندو ني إيرا نا إروري” أو “كاريوكي نا موثوني” أو “ميكوري يا أجيكويو” روايات قصيرة أو قصصا خلاقة كما تبدو، وإنما تصويرات متخيلة رفيعة للعادات، أو التقاليد، أو مراحل حياة طفل الـ”موجيكويو” أو السرد الإنجيلي الأمين والصادق. لقد حفلت جميعها بدروس أخلاقية مستمدة من الإنجيل أو التقاليد القديمة. وكان من أكثر الكتاب الكينيين إبداعا، ممن كانوا حينئذ يكتبون بالـ”جيكويو”، “جاكارا وا وانجاو”، الذي أسس بالأحرى منشوراته الخاصة هي مصلحة “جاكارا” للنشر وتوزيع الكتاب. إذ راكم لائحة مثيرة للإعجاب من روايات قصيرة ومقالات سياسية وأغانٍ وأشعار ومادة تحريضية صرف، كلها تحث الشعب على التحلي بعزم أكبر في سعيه وراء الأرض والحرية وتحرير ثقافته. ولسوء الحظ، منعت كل كتبه، وقد ألقي عليه القبض هو، كذلك، واعتقِل طيلة عشر سنوات من 1952 إلى 1962. لكن كتبه، مثل “روي ريثاناثوا” و”أو كيريما نغاغوا” و”ماجيريا نومو ماهوتا” و”نغويندا أونجوراج” و”ماريبيتا إيكومي ما ويندا” ظلت عناوين تؤثر في ذهني. بعد ذلك، انسقت مع ما كان متاحا بالـ”كيسواحيلي”. ورغم أنه قليل، إلا أنني قرأت “حكايا زا أبونواسي”، وأعدت قراءتها، باعتبارها قصص ومغامرات محتال يُدعى أبونواسي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.