ظهرت القايدة حورية بخطاب تواصلي استلطفه المغاربة، ذاع صوتها وسلوكها بين وسائل التواصل الاجتماعي وأصبحت كلماتها جزءا من مستملحات الكلام، لكن « حليمة لم تستطع أن تبرح عادتها القديمة، فعادت إليها »، يقول محمد حفيظ في هذا الحوار، وهو أستاذ باحث بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وهو يتحدث عن دور رجال السلطة ونسائها من القياد والقايدات ومن يشتغلون تحت إمرتهم في تثبيت الحجر الصحي وما ظهر من بعضهم (ن) من مظاهر عنف تجاه المواطنين. هذا الجهاز الذي تحكم عليه وزارة الداخلية يدها، هو تعبير عن الوجه التقليدي للإدارة، الذي « لا تريد الدولة التخلي عنه »، ويقول حفيظ إنه عين الدولة ويدها المنحدرة من « المخزن »، وكلما توترت علاقة المواطن بالقايد توترت علاقته بالدولة والعكس صحيح.
في إدارة أزمة كورونا بالمغرب، برز دور القياد و »المخازنية »، كرجال ونساء سلطة في يد وزارة الداخلية، كيف تنظر إلى ذلك؟
منذ بدء تطبيق الحجر الصحي، في إطار حالة الطوارئ الصحية، برز دور القايد ومن يشتغلون تحت إمرته من شيوخ ومقدمين ومخازنية. لاحظنا ذلك من خلال العمل الذي تقوم به هذه الفئة من رجال السلطة لتطبيق الحجر ومراقبة الإجراءات والتدابير المتخذة لمواجهة تفشي فيروس كورونا.
وقد تابع المغاربة هذا الدور بشكل مباشر، من خلال عمليات تدخل القواد والقائدات لتطبيق الحجر في الأحياء والدروب والأزقة والطرقات والأسواق، وإلزام الناس بالبقاء في بيوتهم ومراقبة بعض المحلات التجارية… ونقلت العديد من الفيديوهات هذه العمليات التي نشرتها بعض الصحف الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، إلى درجة أن عددا من القياد، وخاصة النساء، أصبحوا من الشخصيات الشهيرة التي حظيت بمتابعات كبيرة، بين المشاهدة والتفاعل بالتعليق، وحتى التنكيت. وأشير هنا إلى نموذج القايدة حورية من مدينة آسفي التي أثارت الرأي العام بأسلوبها التواصلي مع السكان من أجل حثهم على المكوث في بيوتهم، وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي عباراتها التي كانت تطلقها عبر مكبر الصوت، أو حواراتها مع بعض الشباب الذين خرقوا الحجر الصحي.
هل هو وضع جديد، أم فقط تأكيد لما كان قائما؟
لقد جاءت هذه الجائحة لتبرز الدور الأساسي للقياد ومعهم الشيوخ والمقدمين في عمل وزارة الداخلية، بل وفي عمل السلطات العمومية بصفة عامة. وأكدت ما كان معروفا، وهو أن تنفيذ قرارات السلطات العمومية ذات الصلة المباشرة بالمواطنين يجري على يد هذه الفئة من رجال السلطة وأعوانها…
وماذا عن الأدوار الإدارية المنوطة بهم، هل استجد فيها شيء؟
المهام التي يباشرها القياد خلال هذه الأسابيع في إطار مواجهة جائحة كورونا ليست جديدة على عملهم، بل تندرج في إطار الاختصاصات التي يباشرها رجال السلطة بمختلف فئاتهم، من قبيل المحافظة على النظام العام والأمن، والحفاظ على الصحة والسلامة… إلخ. وفي هذا الإطار، يتدخلون لمواجهة الكوارث الطبيعية، مثل الفيضانات والزلازل والحرائق، أو لمواجهة الأمراض والأوبئة، مثل وباء كورونا اليوم. وهم يباشرون، أيضا، الاختصاصات المتمثلة في تنفيذ القوانين والأحكام التشريعية والتنظيمية، كما هو الأمر بالنسبة إلى المرسوم المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية، الذي خوّل في مادته الثالثة لولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، والذين يشتغل القياد تحت مسؤوليتهم، اتخاذ « جميع التدابير التنفيذية التي يستلزمها حفظ النظام العام الصحي في ظل حالة الطوارئ المعلنة ».
فرجال السلطة، من ولاة وعمال وباشوات وقياد، هم ممثلو السلطة المركزية على المستوى الجهوي والإقليمي والمحلي. والقياد، الذين نتحدث عنهم هنا، هم ممثلو السلطة المركزية على المستوى المحلي. فالقياد، إلى جانب الشيوخ والمقدمين، هم الذين يوجدون في علاقة مباشرة مع المواطنين وفي تماس يومي، وهم الفئة الأكثر تتبعا للمواطنين في دائرة نفوذهم، يعرفون الكبيرة والصغيرة عنهم، يعرفون العازب والمتزوج، يعرفون الأرملة أو الأرمل والمطلقة أو المطلق، يعرفون العامل والعاطل، يعرفون المحتاجين والميسورين… إنهم عين السلطة ويدها في الآن عينه.
علاقة المواطن بالقايد وأعوانه، هل تختزل أو تعكس علاقته بالدولة؟
في الحياة اليومية للسكان، نجد القايد يتدخل في النزاعات التي تحصل بين المواطنين، وينظر في الشكايات ويصدر حتى « الأحكام » حين لا تصل النزاعات إلى المحاكم.
إن القايد، باعتباره ممثلا للسلطة المركزية، يعكس علاقة الدولة بالمواطن؛ فحين تتوتر علاقة القايد بالمواطن تكون علاقة هذا الأخير بالدولة متوترة، والعكس بالعكس. وأشير هنا مثلا إلى العلاقة مع فئة الباعة الجائلين والباعة بالأسواق العشوائية.
ماذا عن فعالية هاته الأجهزة في تطبيق الحجر الصحي؟
القايد ومعاونوه، من شيوخ ومقدمين، يضطلعون بالأدوار الأساسية لوزارة الداخلية في علاقتها بالسكان. ولم يكن بإمكان الدولة تطبيق الحجر الصحي بدون الاعتماد عليهم. ولذلك، فهم من باشروا عمليات الدخول إلى الأحياء وتنظيم دوريات بها والتواصل المباشر مع السكان، الذين يخاطبونهم في غالب الأحيان بالاسم. ولذلك، حين لوحظ أن هناك نوعا من التراخي في تطبيق الحجر الصحي خلال الأسابيع الأخيرة، وُجِّهت الأصابع إلى القياد وأعوان السلطة من مقدمين وشيوخ، فهم الذين يخبرون الدروب والأزقة، ولهم عيونهم وآذانهم التي توصل إليهم كل كبيرة وصغيرة. وهذا ما يفسر أن وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن تتحدث عن عمداء الأمن أو عن ولاة الأمن، مثلما كانت تتحدث عن القياد والقايدات وتتابع كيفية تصريفهم لقرار الدولة وإجراءاتها على الميدان. وفي هذا السياق، برز نجم المقدم الذي كان هو صاحب القرار في منح المواطنين شهادة التنقل الاستثنائية خلال فترة الحجر الصحي، إذ بدون إمضائه لم يكن بإمكان المواطن التنقل.
بعض وجهات النظر تعتبر هاته الأدوات نوعا من استمرار الإرث « المخزني »؛ ما دلالة ذلك من الناحية السياسية؟
لا يمكن أن نتحدث عن الباشا والقايد والشيخ والمقدم دون أن نتحدث عن المخزن. فحين يتحدث مواطن في حي من أحياء المدينة أو دوار من دواوير البادية عن المخزن، فإنه يتمثله في رجال السلطة الذين يراهم في منطقته، ومنهم القايد والمقدم (مقدم الحومة أومقدم الدوار). وقد ظلت صورة المخزن، منذ القدم وإلى الآن، تتجسد في القايد والباشا. ولعل من مظاهر استمرار الجانب التقليدي في الإدارة المغربية الحرص على الحفاظ على تسمية رجال السلطة وأعوانها بالباشا والقايد والشيخ والمقدم. فحين يتم ذلك في هياكل إدارة معاصرة، فإنه يعبر عن الرغبة في الحفاظ على ذلك التمثل الذي يحمله المغاربة عن هذه الشخصيات السلطوية، كما يعبر عن الرغبة في الحفاظ على الصورة التي رسمها عنهم تاريخ المخزن المغربي، وتجسدت في طبيعة العلاقة بينهم وبين السكان.
ولذلك، فهم لا يقومون بدور إداري فقط، بل يؤدون وظيفة سياسية. وأنا لا أتحدث هنا فقط، عن البعد الرمزي للوظيفة السياسية، بل أيضا عن البعد المادي العملي، رغم أن القانون المتعلق بهيئة رجال السلطة يمنع جميع فئاتهم؛ من ولاة وعمال وباشوات وقواد، من الانتماء إلى حزب سياسي أو حتى إلى منظمة نقابية. لقد ظل القياد دائما تلك الأداة من أدوات الدولة التي لها دور سياسي. وأستحضر هنا الدور الكبير للقياد والمقدمين في الانتخابات والاستفتاءات، وكذلك، في جمع المعلومات في ما يتصل بحياة السكان وأنشطتهم.
قلت إن القياد ظلوا دائما إحدى أدوات الدولة التي لها دور سياسي، هل طال هاته الأداة تحديث من ناحية الوضع القانوني والأدوار؟
إذا كان من الممكن أن نتحدث عن بعض مظاهر التحديث من الناحية القانونية ومن ناحية بعض الأدوار والوظائف التي يرتبط بعضها ببعض التحولات التي طالت المجتمع المغربي وفرضت على الإدارة المواكبة والتجديد، فمن حيث علاقة الدولة بالمواطن، فإنها ظلت تمر عبر مؤسسة إدارية قديمة وتقليدية مرتبطة بالمخزن.
فرغم بعض مظاهر التجديد التي طالت الإدارة المغربية، من قبيل بروز اختصاصات جديدة واعتماد أساليب حديثة تلائم متطلبات الإدارة العصرية وتواكب التطور الإلكتروني، فإن العلاقة بين المواطن والدولة المركزية ظلت تتجسد في علاقته بالمقدم والشيخ والقايد. وليس مصادفة أن كل المعاملات الإدارية التي يقوم بها أي مواطن يكون مبتدؤها ومنتهاها المقدم والشيخ والقايد.
فالإدارة المغربية اليوم لها وجهان؛ وجه عصري ووجه تقليدي لا تريد أن تتخلى عنه. وحين نتحدث عن المخزن كسلطة، فإننا نحيل إلى الوجه التقليدي في النظام السياسي المغربي. ولهذا الوجه التقليدي في الإدارة المغربية امتداد يصل إلى مختلف مناحي تدبير الشأن العام، ويظهر بوضوح في بعض أدوار ومهام القايد الاجتماعية والاقتصادية، وحتى السياسية والثقافية.
هل هناك نقص في التأطير القانوني ومواكبة روح العصر؟
ما يهمنا كمواطنين هو ممارسة السلطة على الأرض وفي الميدان. فالميدان هو الذي بإمكانه أي يبين مستوى التأطير القانوني الذي يستفيد منه رجال السلطة ونساؤها. وفي الميدان نعرف هل السلطة عندنا برجالها ونسائها تواكب روح العصر أم لا. ففي الميدان يعز رجل السلطة أو يُهان.
وبإمكان الميدان الذي باشر فيه رجال السلطة سلطتهم خلال هذه الأسابيع من الحجر الصحي أن يقدم الجواب عن سؤالك. لقد تابع المغاربة طريقة عمل رجال السلطة في تطبيق الحجر الصحي. وبحسب ما جرى تناقله في الأيام الأولى من الحجر الصحي على بعض وسائل الإعلام، لاحظنا أنه كان هناك حرص على إظهار صورة جديدة لرجل السلطة، وتابعنا كيف كان عدد من القياد يحرصون على القيام بالتوعية والتحسيس لإقناع الناس بالبقاء في منازلهم، وتابعنا فيديوهات أظهرت القياد وهم يتعاملون مع المواطنين بلطف وهدوء، كانوا يعطون الأولوية للدور التوعوي أكثر من الدورالضبطي.
وحينها بدأ الحديث في بعض وسائل الإعلام عن صورة جديدة لرجل السلطة، تزامنت مع التثمين الذي حظيت به الإجراءات التي اتخذتها الدولة لمواجهة جائحة كورونا، والتي وُصِفت بالاستعجالية. وذهب البعض إلى أن من شأن هذا النوع من الممارسة غير المعهودة أن يجعل المواطنين يطمئنون إلى ما يقوم به رجال السلطة، وقد يجعلهم يغيرون تمثلهم الذي توارثته الأجيال عن القايد والمقدم والشيخ.
لكن ما لبثت هذه الصورة أن اختفت حينما ظهرت فيديوهات وثقت بالصوت والصورة أحد القياد وهو يقوم، خلال تطبيقه لحالة الطوارئ الصحية، بتعنيف مواطنين بالضرب والركل، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وخرق فاضح للقانون وسلوك حاط بالكرامة، فظهر أن حليمة لم تستطع أن تبرح عادتها القديمة، فعادت إليها. ولعل آخر هذه الصور المفجعة تلك التي وثقها فيديو يظهر تعرض رجل مسن يتجاوز عمره 84 سنة لتعنيف من طرف أحد أعوان السلطة المحلية، حين كان يهم بالدخول إلى إحدى الملحقات الإدارية بإقليم مديونة للمطالبة بالاستفادة من إعانة غذائية.
في رأيي، وإلى حدود الساعة، لم تنجح الدولة، وهي تجابه جائحة كورونا، في تقديم صورة أخرى عن رجال السلطة كما كنا نتمنى عند انطلاق الحجر. لقد أثنى عدد من المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي على القايدة حورية، لكن ما لبث أن عبر الكثيرون عن غضبهم مما صدر عن بعض القياد، وكذلك بعض القايدات ضد مواطنات ومواطنين قصدوا الملحقات الإدارية أو التقوهم في الشارع.