وجهت المفوضية السامية لحقوق الإنسان نداء للحكومات تطالب فيه بالكف عن انتهاك حقوق الإنسان، بحجة التدابير الاستثنائية لمواجهة كورونا؛ في المغرب لاحظنا أنه جرى تحريك المتابعة القضائية في حق الآلاف ممن خرقوا تدابير الحجر والطوارئ. كيف تنظر إلى هذا الإجراء؟
بعد التحذير الذي أطلقته المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، أصدرت هذه الأخيرة تقريرا رصديا لتفاعل الحكومات مع ذلك التحذير، وللأسف صنفت المغرب ضمن الدول التي اعتمدت إجراءات تمس بحقوق الإنسان، وقد كان للعدد المرتفع الذين خضعوا للمتابعة في حالة اعتقال بسبب خرقهم لتدابير حالة الطوارئ الصحية دورا في هذا التصنيف. لقد كان الحرص على تضمين عقوبات سالبة للحرية في المرسوم بقانون المتعلق بحالة الطوارئ الصحية في اعتقادي خطأ، كان يجب تصحيحه برلمانيا، لكن للأسف جرى تمريره بسرعة وبالإجماع في سياق يغلب عليه الإذعان التام لكل ما يصدر عن السلطة التنفيذية، وأساسا عن وزارة الداخلية، التي تحولت إلى المدبر الرئيس لهذه المرحلة، مما جعل الخلفية الأمنية تطغى على أي مقاربة حقوقية أو بيداغوجية أو تواصلية.. كان يمكن الاكتفاء بتخويل القوات العمومية تسجيل المخالفات وتغريم مرتكبيها، عوض إجراء مكلف ماديا وبشريا ولوجيستيا، ويمكن أن يتسبب في تهديد السلامة الجسدية والصحة العمومية سواء للموقوفين، أو القوات المكلفة بإنفاذ هذا التدبير أو كتاب الضبط في المحاكم التي أحيلوا عليها، وغيرهم من المتدخلين، وقد شاهدنا في فيديوهات تدخلات عديدة تغيب عنها أبسط الشروط الاحترازية.
في حوار مع محمد الطوزي، أشار إلى أن ما تقوم به وزارة الصحة بيد، تنسفه النيابة العامة باليد الأخرى، لكن هل كان يمكن التغلب نسبيا على انتشار الوباء دون هذه « الصرامة »؟
أتفق مع ما صرح به الطوزي، ذلك أن مؤسسة النيابة العامة في اعتقادي لازالت تتحكم فيها مرجعية تغلب المسطري على روح القانون، مؤسسة تشتغل وكأنها نائبة عن الدولة والنظام، أكثر من نيابتها عن المجتمع، مؤسسة تُغيّب الأدوار البيداغوجية للقانون، وتعلي من الوظائف الزجرية، وهذا ما يفسر فشلها في تقليص اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي باعتباره تدبيرا استثنائيا، رغم منشور السيد رئيس النيابة العامة.
وللإنصاف، فهذا النسق المحافظ المتخوف من ثقافة حقوق الإنسان، هو نفسه السائد حتى في الأحكام القضائية، وللأسف حتى العراقيل التي انتصبت وما تزال تنتصب أمام تعديل المدونة الجنائية بسبب مناورات داخل الحكومة وكذلك البرلمان، لا تساعد في ارتقاء قرارات النيابة العامة، وكذا أحكام القضاء نحو تغليب منطق الحريات والحقوق. ولذلك، وجدنا وكلاء الملك حين يحال عليهم الموقوفون بسبب خرق حالة الطوارئ يلجؤون في حالات كثيرة إلى الاعتقال الاحتياطي، الأمر الذي شكل ضغطا حتى على المؤسسات السجنية التي كانت في حاجة إلى تقليص ساكنتها من أجل الحد من تحولها لبؤر وبائية في ظل إمكاناتها المتواضعة. وهكذا، وفي ظرف شهرين جرى إفراغ العفو الملكي بسبب جائحة كورونا من محتواه، إذ قارب عدد المتابعين في حالة اعتقال بسبب خرق حالة الطوارئ الصحية، عدد الذين جرى العفو عنهم، مع العلم أن هذا الاختيار يقع على طرفي نقيض من الدعوات التي كانت تهدف إلى التقليل من أي تدابير يمكن أن تساعد على انتشار الوباء.
جرى تمديد الطوارئ لشهر آخر، دون إخلاء المرسوم من العقوبات السالبة للحرية، هل من الممكن أن نشهد ارتفاعا في عدد المتابعات خاصة مع عودة النشاط الاقتصادي والحياة بشكل تدريجي ؟
بالفعل لم يقع أي تعديل بعد تمديد حالة الطوارئ الصحية متعلق بالعقوبات السالبة للحرية، وبالتالي، سيظل مثل سيف ديموقليس الذي يمكن أن يتم اللجوء له في أي وقت، لكن بالنظر لما نلاحظه مؤخرا، بخصوص تعامل السلطات مع تدابير حالة الطوارئ الصحية، فأعتقد أننا انتقلنا من تشدد مبالغ فيه، إلى تراخ غير مفهوم، هل يتعلق الأمر بإجراءات غير معلنة لسبب ما، أم إن الأمر مرتبط بإنهاك لحق كل المتدخلين في هذه العملية، يجب أن نعترف أن الإمكانيات البشرية سواء الأمنية أو القضائية أو الإدارية متواضعة، وقد كانت تشتغل فوق طاقتها وفوق ما تعودت عليه، وبالتالي، فعادة أن يلحقها إنهاك بدني وذهني ونفسي.. وتبعا لذلك لا أعتقد أنه ستكون عودة إلى عمليات الإيقاف والاعتقال الاحتياطي بالوتيرة التي شهدناها في بداية تطبيق حالة الطوارئ الصحية، ومع تمديدها للمرة الثالثة، فالأمر سيكون صعبا على المواطنين ومكلفا ماديا ونفسيا، ولذلك فإن عودة إلى التشدد الذي كان في البداية قد يكون غير مأمون العواقب حتى من الناحية الأمنية.
ينتقد الحقوقيون سلوك النيابة العامة خلال فترة كورونا، أليس الحق في الحياة هو على رأس الحقوق؟ أليست الإجراءات الزجرية وسيلة فعالة للحفاظ على الحياة؟
اللجوء إلى حالة الطوارئ الصحية، يجب أن يكون بخلفية حقوقية، وليس بخلفية أمنية، لأن الوباء لا يهدد النظام السياسي، بل يهدد الحق في الحياة. ولذلك، فإن حالة الطوارئ الصحية التي ينطبق عليها مبدأ « التحلل »، الذي يعني التنازل المؤقت عن بعض الحقوق، مؤطرة بهدف أسمى هو تأمين ما أمكن الحق في الحياة، وبالتالي، لا يجب التنازل إلا عن الحقوق التي يمكن لتفعيلها أن تمس بهذا الحق، من مثل الحق في التنقل، أو الحق في التجمع، أو الحق في التظاهر، لكن الحقوق الأخرى التي لا تشكل تهديدا للحق في الحياة، ليس هناك أي مسوغ لتقييدها، من مثل حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة، ذلك أن حالة الحرب التي هي أقسى من حالة الطوارئ الصحية، واتجهت منظومة حقوق الإنسان نحو حماية حرية التعبير خلالها، ودعت إلى تيسير عمل الصحافيين وحمايتهم، في الوقت الذي عانى فيه الصحافيون عندنا من حق الوصول حتى إلى المعلومة العادية في هذه المرحلة.. والمفارقة أنه إذا كان المرسوم بقانون المنظم لحالة الطوارئ الصحية مؤطر بغائية وهي: حماية الصحة العمومية، فإن عقوبة السجن، وإجراءات التوقيف بدون تدابير احترازية، واللجوء في حالات كثيرة إلى الاعتقال الاحتياطي قد يكون مسببا في انتقال العدوى، وليس مكافحتها.. هذا لا ينفي أن ذلك المرسوم بقانون تضمن عناصر أخرى إيجابية ومنطقية.. لسنا ضد الصرامة، لذلك كان بالإمكان الرفع من الغرامات بديلا عن العقوبات السالبة للحرية، أو على الأقل تمتيع كل مخالفي إجراءات حالة الطوارئ الصحية بالمتابعة في حالة سراح، إلا في حالات محدودة التي تقترن فيها المخالفات بجنح وجنايات تستهدف أمن المواطنين وممتلكاتهم.