ما هي قراءتك لمسودة التعديل الدستوري، التي جاءت بمبادرة من الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون؟
الإصلاحات الدستورية كانت متوقعة وتدخل في مسار إصلاحي شامل، وكانت أساسا متضمنة في برنامج رئيس الجمهورية قبل انتخابه، وبالتالي، فإن تعديل الدستور هو وعد انتخابي جرى إنزاله للمناقشة والتعديل والإغناء بكل ديمقراطية.
خلقت المسودة جدلا واسعا بالجزائر، هل يرتبط الأمر بالمضمون أم برفض لأعضاء اللجنة الدستورية ذاتها، أم بسبب الظرفية الوبائية التي تعرفها البلاد؟
كما هو معلوم خلق التعديل الدستوري نوعا من النقاش السياسي، بين مؤيد ومعارض حول طبيعة النظام السياسي، والآليات الخاصة بتوزيع وتوازن السلطات، وأيضا الدور المحوري لبعض المؤسسات الدستورية. الحقيقة أن الأغلبية رافضة أو متحفظة على مسودة مشروع الدستور الجديد، والقلة القليلة فقط، مؤيدة للتعديلات، خاصة أن الجزائر ومنذ الاستقلال إلى اليوم عرفت تعديلات دستورية عدة، وكل تعديل جديد كان يحاول أن يأتي بإضافات جديدة. ثم إنه من المعروف، أيضا، أن الظرف والذوق العام كما هو معروف بلغة القانون، وبالأخص الظرفية الوبائية لا تساعد على توفير بيئة صحية لهذا النقاش العمومي، لذلك كان من المفيد أن يجري هذا التعديل في ظرفية أفضل وغير مزاجية أو شاردة.
في رأيك، هل تُحقق هذه التعديلات الجديدة طموح الشعب الجزائري وتطلعات الحراك؟
الشعب الجزائري سعى دائما إلى تحقيق الديمقراطية التشاركية وتوسيع المشاركة في الشأن العام، ولهذا يمكن أن نعتبر هذا التعديل مجرد «une petite toilette» وليس تجديدا عميقا للدستور، وهذا أيضا واحد من الأسباب، حتى لن أقول إنه خلق خيبة أمل في صفوف المواطنين والفاعلين السياسيين.
تقصد المادة المرتبطة بالسماح للجيش بالمشاركة في عمليات عسكرية خارج البلاد، وأيضا إحداث منصب نائب الرئيس المنتخب، وإلغاء دور المجلس الدستوري واستبداله بالمحكمة الدستورية؟
الجديد، أيضا، في مسودة الدستور التي خلقت الجدل، هو تعديل النظام الخاص للبلديات، وإنشاء منصب رئيس الجمهورية، الذي جرى اعتماده، نظرا إلى الممارسة الدستورية السابقة، والتي خلقت فراغا على مستوى هرم الدولة، وأيضا نجد تطورا على مستوى العقيدة الدستورية للجيش، إذ ستتيح المادة المرتبطة بالجيش أن يخرج خارج الحدود، على أساس المساهمة في عمليات السلام، وكذلك ترقية بعض المؤسسات الدستورية، وثنائية السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية ورئيس الدولة، وتوزيع الصلاحيات والمهام ما بين اللائحة والتنظيم، وهذه بالمجمل مستجدات الدستور.
لماذا في رأيك يرفض نشطاء الحراك هذا التعديل ويعتبرونه جاء ليعطل احتجاجات كل جمعة. هل في نظرك أن السلطة تستغل الظرفية الوبائية من أجل تمرير أجندتها والانتقام من النشطاء والمعارضين؟
الإشكالية في الدساتير هي أنها لا تكمن في التنصيص، بقدر ما ترتبط بالضمانات التي توفرها لأي ممارسة أو فعل أو رد فعل ديمقراطي نزيه، ولهذا نجد أن هذه الوثيقة الدستورية هي حاليا في مراحلها الجنينية، في إطار مسار دستوري طويل، لذلك نحن لا نحكم عليها بقدر ما سنحكم على مختلف المقترحات التي رفعت بخصوصها والمشروع الدستوري، الذي سيعرض للاستفتاء، وقتها سنقيس درجة الحرارة حول مدى إدراج المقترحات التي تقدمت بها الأحزاب أو الشخصيات الموالية أو المعارضة.
بعد الأخذ والرد بين الفرقاء السياسيين وحراك الشارع بخصوص هذا المشروع الدستوري. هل في رأيك هذه التعديلات ستذهب أدراج الريح، أم ستمر إلى مرحلة الاستفتاء؟ ثم ما قراءتك لمصير هذه المسودة؟
لا أعتقد أن هذه التعديلات التي جاءت بها مسودة الدستور ستذهب أدراج الرياح، يمكن أن نعتبر هذا حكما مسبقا، في نظري هنالك مسار دستوري منصوص عليه في الدساتير الجزائرية، علما أن الدستور الجزائري، ثلث التعديلات التي طرأت عليه، سواء في 2002 أو 2008 أو 2016، كانت دائما إما بمبادرة من البرلمان أو باقتراح من رئيس الجمهورية، ثم يلجأ إلى البرلمان بعد ذلك، وفي مرحلة أخيرة يكون الاستفتاء على الدستور. كذلك لا يجب أن ننسى أن هناك بعض الأحزاب التي تنادي بالجمعية التأسيسية، وهذا أيضا أحد الاختلافات من حيث الشكل، ولهذا لا أعتقد أن التعديلات ستذهب أدراج الريح، بقدر ما أرى أن هذا المسار يصاحبه جدال دستوري مواز له، يتناول الطابع الإجرائي أكثر من هدف هذه التعديلات الدستورية.
قوى البديل الديمقراطي رفضت المسودة واعتبرت أنها لا تناسب تطلعات الشعب الجزائري. في رأيك هل يعكس هذا موقف أحزاب المعارضة جميعها، أم هو موقف يتفرد به هذا التكتل؟
صراحة، موقف المعارضة لم يكن بالموقف الموحد، بقدر ما هو موقف متشتت ومتشرذم، فبعضهم يرى أن مسودة الدستور موضوع النقاش وثيقة متقدمة، على اعتبار التغييرات والمبادئ الضمنية التي أتت بها، والبعض الآخر يرفضها جملة وتفصيلا بسبب العديد من الإحالات الموجودة فيها للقوانين، مما يفقدها القيمة الدستورية، فيما هناك طرف ثالث موافق على المسودة..
وهناك مسألة أخرى ينبغي الوقوف عندها، وهي أنه في أي عقد اجتماعي أو دستوري، كلما اتسعت القاعدة الدستورية من خلال المجتمع المدني، الأحزاب، الشخصيات، المثقفين، إلا وحظيت الوثيقة الدستورية بقبول وتوافق.
ما هي في رأيك انعكاسات التعديلات الدستورية المرتقبة في الجزائر إن داخليا أو خارجيا؟
لا أعتقد أن هذه التغييرات الهيكلية، المنصوص عليها في الدستور، ستؤثر على العلاقات الإقليمية والدولية للجمهورية الجزائرية. قطعا على المستوى الداخلي ستكون التعديلات محاولة للارتقاء إلى القيم والمبادئ الديمقراطية في الدستور، من خلال إيجاد حل توافقي. وحتى نكون موضوعيين يجب وضع هذا التعديل في إطار البرنامج الرئاسي الذي انتخب على أساسه رئيس الجمهورية عبدالمجيد تبون، ولعل خطبه العديدة ومهرجاناته الانتخابية، كان دائما يقر بأن أولى أولوياته، هو إنشاء جزائر جديدة بدستور جديد. ولهذا، فإن موضوع الاختلاف هو حول ماهية هذه الجزائر الجديدة، فالبعض يري أن هذا الدستور بإمكانه أن يرتقي بنا نحو جزائر جديدة حقيقة، فيما يرى البعض الآخر أن الطريق لازال طويلا للوصول إلى تحقيق ذلك.