خولة الجعيفري – هاجر الريسوني
في وقت توالت تحذيرات متكررة من الخبراء في علم الأوبئة بمنظمة الصحة العالمية وغيرهم من الباحثين والأطباء حول العالم، بعدم التسرع في رفع قيود الحظر، وتنبيههم من موجة ثانية، قد تكون « أخطر وأشد فتكا »، يبدو أن الحكومة المغربية تراهن على الوعي الفردي والجماعي للمواطن ومدى التزامه بإجراءات التباعد الاجتماعي الموصى بها.
رهان الحكومة على تعايش المواطن مع الوباء، ظهر جليا في بلاغ مشترك لوزارتَي الداخلية والصحة، عندما أعلنت عن إقرار مجموعة من الإجراءات والتدابير لتأطير المرحلة الثانية من « مخطط تخفيف الحجر الصحي » ابتداء من 24 يونيو الجاري عند منتصف الليل، والذي يأخذ بعين الاعتبار ضرورة تحقيق التوازن بين تطورات الوضعية الوبائية في المملكة ومتطلبات العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية وإعادة تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
أولى إرهاصات خطة تعايش المواطنين مع الفيروس والتعامل معه وفق إجراءات تعد أقل حدة وأخف تقييدا، كشف عنها سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، في ندوة رقمية نظمتها شبيبة حزب العدالة والتنمية قبل أسابيع، أكد خلالها على أن جائحة كورونا لن تزول دفعة واحدة، و »إنّ على المواطنين أن يستعدوا للتعايش معها خلال الشهور المقبلة ».
وإذا كانت حكومة العثماني لم تخرج لتوضح بشكل صريح خطتها بشأن عدد من القضايا وكذا « تعايش » المواطنين مع الوباء، فإن واقع الحال يفيد أن هناك عواقب أكبر على الاقتصاد المغربي، إذ تكبد الكثير جراء توقف جميع الأنشطة، خصوصا المركزية منها على مستوى الميزانية، والتي قدرها وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة قبل أسابيع، بما يقارب مليار درهم عن كل يوم من الحجر الصحي، إلا أن البروفيسور مصطفى الناجي، يشدد أن المغرب يوجد أمام منعرج أخير في اتجاه العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية، لكن « المواطن يوجد هو الآخر أمام الامتحان الأصعب على الإطلاق ».
وينظر الخبراء إلى سلوك المواطن بقلق شديد، في وقت ألقت الدولة بكرة مواجهة الفيروس إلى مرمى الوعي المجتمعي لكسب هذه المرحلة الثانية من التعامل مع الوباء، والتي تقتضي التعايش معه من خلال احترام الإجراءات الوقائية، من قبيل « التباعد الجسدي » و »احترام مسافة الأمان » و »استعمال الكمامة » و »التعقيم المستمر »، و »دورية مراقبة الحرارة »، وهي كلها إجراءات لن تتمكن السلطات العمومية من فرضها، في غياب وعي المواطن المعول عليه من أجل إنجاح المخطط التخفيفي للحجر الصحي استعدادا لرفع حالة الطوارئ.
أحمد متمسك، الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع، قال إن سوسيولوجيا الأوبئة ترجح أكثر أن « الإنسان لا يتحمل تكبيلات أو قيود يفرضها الواقع الوبائي فوق سقف الشهر أو الشهرين، كما حدث في المرحلة الأولى مع إجراءات الحجر الصحي، عندما التزم المواطنون به بشكل تام، بالرغم من التفاوتات التي أستحضرها وفقا للمناطق ومستوى وعي الناس، إلا أنه بشكل عام جرى احترام المسائل الوقائية في المراحل الأولى من ظهور الجائحة ببلدنا قبل أن تتعب نفسية المواطنين بعد أشهر في المرحلة اللاحقة، ويدخلوا في دوامة الأسئلة والاستنكار قبل أن يعبروا جهرا عن تجاوزهم حد التحمل ».
من جانبه، يونس الوكيلي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، قال إن الطوارئ الصحية مجرد إطار له بداية ونهاية. وحول ما إن كانت تدابير الطوارئ يمكن أن تغير العادات والممارسات في فترة قصيرة؟ يجيب الوكيلي: « قطعا لا »، مضيفا أن الطوارئ هدفها محاصرة الوباء والسيطرة عليه، « ربما إذا تعددت الكوارث الصحية العمومية، كما في بعض دول آسيا في السنوات المقبلة يمكن أن تتشكل ثقافة لمواجهة الأوبئة، خاصة بعدما تدمج التدابير الصحية الوقائية في السياسات الصحية العمومية، في إطار سياسة وطنية شاملة للاستعداد. حاليا، نحن مع حدث عمره حوالي ثلاثة أشهر، لا أعتقد أنه سيغير المسلكيات والعادات المتجذرة ».
بدوره، الباحث في علم الاجتماع، عبدالواحد النقاز، قال إن غالبية الشعب المغربي لم تمر من أزمات كبرى خلال الأربعين سنة الماضية، مثل الحروب والأوبة والأزمات السياسية، الأمر الذي جعلها غير مستعدة لهذا النوع من الاضطراب في حياتها اليومية. معطى قال النقاز إنه جعل ثقافة تدبير الكوارث شبه منعدمة في مسلكيات الإنسان المغربي المعاصر، وليس لها أي أثر في المناهج الدراسية والسياسات التواصلية للدولة، عكس البلدان المعتادة على هذا النوع من التقلبات مثل بلدان شرق أسيا والولايات المتحدة الأمريكية.