تدور أحداث فيلم «صيف 85»، كما يحيل على ذلك عنوانه، في صيف سنة 1985 في منطقة نورماندي الفرنسية. إذ ينطلق بطله أليكسيس، البالغ من العمر 16 سنة، في رحلة بحرية، لكنه كاد يغرق، لولا أن غامر دافيد، البالغ من العمر 18 سنة، بحياته، لينقذه من الموت المحقق. تنشأ بين الشابين علاقة خاصة بعد ذلك. ويعتبر «صيف 85» الفيلم التاسع عشر لهذا المخرج الفرنسي، الذي أكد أن عرض الفيلم يمثل بالنسبة إليه مبادرة نضالية مهمة طالما أنه يسعى إلى إخراج الجمهور من حلقة الخوف والعودة إلى القاعات السينمائية. وقد اختارت قاعات السينما الفرنسية فيلم «صيف 85»، للمخرج فرانسوا أوزون، ليكون العرض الفعلي الأول لفيلم من قائمة الأفلام التي أعلنها مهرجان «كان 2020»، ضمن الاختيار الرسمي للدورة الثالثة والسبعين، التي ألغيت بسبب انتشار فيروس كورونا.
فيلم «صيف 85» هو الفيلم التاسع عشر في مسيرة المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون السينمائية. وهو عمل مقتبس من نص سردي للكاتب الإنجليزي إدن تشامبرز بعنوان «رقصة على قبري»، وهو يروي قصة عشق غريبة تنشأ بعد رحلة بحرية محفوفة بالخطر، بل بالموت.
اختار المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون أن يطلق فيلمه الأخير الموسوم بـ«صيف 85»، في الوقت الراهن الذي لاتزال تطغى عليه أجواء الحيطة والحذر. والغاية من ذلك، كما قال المخرج نفسه في تصريحات للصحافة، هو مساعدة المواطنين على التخلص من مشاعر الخوف والرهبة التي فرضها الفيروس المتفشي عالميا. هذا الفيلم، التاسع عشر في مدونة المخرج الفيلمية، بسيط في فكرته، لكن قصته تتناول قضايا لاتزال تصنف في حكم الطابوهات الفرنسية.
«صيف 85»، أو «رقصة على قبري»، كما في عنوان نصه الأصلي لمؤلفه البريطاني إدن تشامبرز، هو فيلم حول فتى يافع يقرر خوض مغامرة بحرية، لكنه كاد يغرق بسبب سذاجته وجهله بأهوال البحر. إلا أن فتى يافعا آخر، يكبره بسنتين ينقذه من الغرق، فتنشأ بينهما صداقة متينة. لكن المخرج اختار أن يتصرف في النص الأصلي، الذي قرأه وهو في سن السابعة عشرة، بما سيسمح له بطرق مختلف الطابوهات التي مازال المجتمع الفرنسي يسكت عنها حتى اليوم، وهي تتعلق أساسا بالحياة الحميمة لفئة المراهقين واليافعين. إذ تنتهي هذه الصداقة الخاصة، التي لم تدم سوى بضعة أسابيع خلال صيف سنة 1985، نهاية مأساوية تشرع أبواب اللغز والغموض على مصاريعها المختلفة، حيث يموت أحدهما، فيما يغرق الثاني في كآبة قاتلة، مسكونا بذكريات مؤلمة من شأنها أن تنتهي به إلى السجن فترة طويلة من حياته.
وعلى غرار فيلمه السابق «بفضل الرب»، يروم فرنسوا أوزون الخوض في قضايا مسكوت عنها، عبارة عن آلام مقموعة، أو ذكريات أليمة يخشى الأبطال أن يعودوا إليها أو تثار أمامهم، أو أفكار وهواجس تكشف عطب الذات وضعف النفس، لكنها تتربص بهم دائما، حيث تبقى متخفية في مكان ما من الذاكرة، فتكون تدريجيا اختلالات نفسية تنكأ جروح الجسد كلما خفتت، وتتغلغل أكثر في عمق الإنسان. وهذا ما يحدث لبطل هذا الفيلم.
وإذا كان من سمات هذا المخرج في أفلامه السابقة كلها تقريبا أن يوظف الفضاء المكاني والزماني علامات دلالية بارزة، فإنه لم يتخل عن ذلك في هذا العمل كذلك. إذ يمثل البحر خلفية طبيعية مهمة، توحي لحظات هيجانه بالتحول العام في النفس البشرية كذلك، فيما يوحي هدوؤه بنقيض ذلك، أي الرتابة والاستكانة والاستقرار، الخ، كما يوحي بالرغبة الدفينة في الانطلاق، رغبة كادت تودي بحياة البطل، لولا تدخل فتى آخر لإنقاذه. غير أن هذا التدخل مؤقت فقط، حيث ستجري أحداث -حتى داخل فترة الهدوء- يكون منتهاها مأساة قاتلة. منا هنا، يكتسي الهدوء، الذي يتخذ طابع الخدعة، بعدا فلسفيا وفنيا يفيد بأن العاصفة تكمن خلف السكينة.
وبخلاف ما قد يظنه المشاهد منذ البداية، فالفيلم ليس قصة عن الحب، بل هو فيلم عن الموت. يقول المخرج في هذا السياق، في حوار مع مجلة «باري ماتش»: «يثير مسار الحداد اهتمامي. ذلك أنني أجد صعوبة كبيرة في ربطه بحدث محدد في حياتي. فقد اكتشفت ميولي الجنسية لحظة ظهور السيدا. كنا صغارا نكتشف المشاعر، ثم الحب المرتبط بالموت. وأعتقد أن هذا الأمر فجر، على غرار العديد من شباب جيلي، رؤيتي إلى الأشياء…»، ومن هنا، فغاية المخرج تكمن في إعادة طرح السؤال حول الفترة الحرجة التي يعيشها المراهقون. يؤكد المخرج بالقول: «لقد أعدت التفكير بالأحرى في الفتى الذي كنته، وفي الأفلام التي كنت أن أشاهدها في سن السابعة عشرة. كانت السينما تقترح حينها تمثلا مؤلما حول المثلية الجنسية. لم تكن هناك أفلام إيجابية».
مع هذا الفيلم، أراد المخرج فرنسوا أوزون أن يقدم عملا بسيطا وعاديا، يعالج حياة شريحة اجتماعية تشعر في كثير من الأحيان بالتهميش والإقصاء، حيث ترى أن الاهتمام بانشغالاتها وهمومها غير كاف، رغم أنها تستشعر القدرة على تغيير العالم. هكذا، فإن ما يترجمه المخرج، عبر هذا الفيلم، هو تلك الرغبة الجامحة عند هذه الشريحة في التغيير وفرض الأشياء التي تتماهى معها وتعكس أفكارها وأحلامها وطموحاتها وأهواءها، الخ.سبنام