تأتي السنة الانتخابية المقبلة في سياق وطني ودولي غير مسبوق بسبب « كوفيد ــ 19 ».. في نظرك، ما هي أهم رهاناتها؟
الرهانات متعددة، غير أن أول ما يجب طرحه هو هل سيحدث تغيير على مستوى الأغلبية الحكومية الحالية؟ وهل يسعى المغرب في المرحلة المقبلة إلى أن يعرف تغييرا في العلاقة مع المعطيات الانتخابية التي بقيت ثابتة منذ 2011 إلى الآن. أو بصيغة أخرى، هل لاتزال في الانتخابات التشريعية المقبلة إمكانية أمام حزب العدالة والتنمية لقيادة ولاية تشريعية ثالثة، ويكون بذلك الحزب الوحيد في المغرب الذي حقق هذا المسار، وهذا سؤال أو رهان ملح وأساسي، في ظل الاحتشام على مستوى المنجز، لأنه إذا قمنا بقراءة في حصيلة الحكومة أو في حصيلة الحزب على مستوى المنجز لا تظهر حصيلة قوية، وبالتالي، هذا رهان أساسي في العملية الانتخابية المقبلة. ثم إلى أي حد هذه المعطيات، التي ترشح الآن من الواقع السياسي المغربي والخاصة بالانتخابات المقبلة، ستشهد نسبة مرتفعة في مقاطعة الانتخابات، بمعنى آخر إلى أي حد يمكن لحزب العدالة والتنمية التغلب على هذه الظروف والاستمرار في قيادة الحكومة، أم أن المغرب في هذه الفترة سيشهد بدائل، وهي ليست بدائل بمعنى القطيعة أو التغيير، وإنما من الأغلبية الموجودة ولن يكون من خارجها.
أما الرهان الثاني، فهو تقليدي، يدفعنا إلى طرح تساؤل إلى أي حد ستتصالح الانتخابات المغربية مع المواطن المغربي، وستعكس حقيقة الخريطة السياسية في المغرب، وتصبح بعيدة كل البعد عن الملاحظات والتساؤلات المطروحة على مستوى نزاهتها ومصداقيتها، ومدى تعبيرها على حقيقة الحياة الانتخابية والسياسية المغربية.
الرهان الثالث مرتبط بالظروف التي نعيشها، أي هل الانتخابات المقبلة يمكن أن تفرز معطيات وحقائق سياسية، وأغلبية واختيارات التي يمكن لها أن تقدم حلولا وتكون لديها أفكار واضحة، فيما يتعلق بمعالجة تداعيات الجائحة والأزمة الاجتماعية والاقتصادية الخاصة، التي من المؤكد أن المغرب يعرفها، ولكن سيبقى يعرفها على الأقل خلال الثلاث سنوات المقبلة، علما أنها سنة انتخابية، ولكنها في الوقت عينه سنة جفاف، بكل ما لذلك من تأثير على الحقائق والمعطيات الاقتصادية.
الرهان الرابع مرتبط بعلاقة المواطنين أو الناخبين بالعملية الانتخابية، فرغم نسب المشاركة التي كانت تسجل في الانتخابات السالفة، كان دائما سؤال المشاركة مطروحا، لأنه إذا أخذنا بعين الاعتبار المواطنين غير المسجلين في اللوائح الانتخابية، أو من يرمون بورقة بيضاء وملغاة في التصويت، نجد شرائح مهمة خارج الدائرة الانتخابية؛ إذن، إلى أي حد في الانتخابات المقبلة يمكن ربح هذا الرهان، ونشاهد مشاركة انتخابية قوية تعكس نوعا من التعبئة السياسية والانتخابية في الحقل السياسي المغربي، علما أن المؤشرات الموجودة حاليا لا تدل على ذلك، إذ يوجد انطباع بأن مساحة العزوف ستكون أقوى، علما أن بعض الاستحقاقات الانتخابية التي جرت في دول أوروبية حيث أن مشكل العزوف غير مطروح كثيرا، بما فيها الانتخابات الفرنسية التي جرت مؤخرا لاحظنا كيف جرى تسجيل عزوف في العملية الانتخابية، لقد أصبح هذا معطى عالميا، وبالتالي إلى أي حد يمكن أن يكون المغرب استثناء، ويمكن للناس أن يجدوا عروضا سياسية تنافس في سوق انتخابية، وتسمح بأن يكون المواطنون أكثر اهتماما بالعملية الانتخابية، وإن كانت المعطيات المتوفرة حالية تحيل إلى أن هذا الرهان هو مسألة حالمة أو بعيدة المنال.
أفهم من كلامك أن الانتخابات المقبلة ستكون لها تكلفة سياسية مهمة تقلب موازين القوى؟ هل يمكن أن يعصف المناخ الانتخابي الحالي بحزب العدالة والتنمية بعد ولايتين على رأس الحكومة؟
توجد 3 أو 4 معطيات بهذا الخصوص، والتي تؤكد أننا سنعيش نوعا من الاستمرارية، إذ يكمن المعطى الأول في أنه لا يوجد عرض سياسي مغر في ساحة التدافع السياسي، والذي يسمح باستقطاب ناخبين يفترض أن يهجروا حزب العدالة والتنمية، على اعتبار أنهم، ربما، صدموا من حصيلته، ولحد الساعة أشدد على أنه لا يوجد عرض سياسي من هذا النوع، ويمكن أن يكون مستقبلا، وبالتالي أعتبره معطى لصالح حزب العدالة والتنمية.
المعطى الثاني، هو أن العدالة والتنمية حاليا، هو الأكثر تنظيما والأكثر استقرارا من حيث الكتلة الناخبة التقليدية، التي نسميها العاطفيين والمنتمين والشبكات المرتبطة بالحزب، سواء في عمله الخيري أو الجمعوي وغيره، حيث نحددها في ما بين 800 ألف أو مليون صوت، وهي نسبة مهمة لازالت تسمح له بالإبقاء على وزنه القوي في العملية الانتخابية وتحقيق انتصارات، وإن كانت لن ترقى إلى مستوى 2011 أو 2016، لكن أتوقع أنه سيبقى في الصدارة.
المعطى الثالث أن حزب العدالة والتنمية لديه ثلاثة مصادر للنفوذ السياسي والاجتماعي واللوجستيكي والاقتصادي، وهي مهمة في العملية الانتخابية، خاصة وأن هذا الحزب يعرف حضورا على مستوى الجماعات الترابية التي يسيرها وهذا يعطيه إضافة، لأن العملية الانتخابية في المغرب تبين أن هناك علاقة قوية جدا بين الفوز في الانتخابات الجماعية وبين الفوز في الانتخابات التشريعية، هذا إلى جانب كون العدالة والتنمية موجود أساسا في الحكومة، ويسير قطاعات استراتيجية مهمة، بما فيها النقل والتجهيز وغيره، وهي قطاعات مرتبطة بصميم الخدمات والاهتمامات وحاجيات المواطنين؛ أما مسألة مشاركته في الحكومة، فهي سلاح ذو حدين، يمكن أن تخدش صورة الحزب إذا كان المنجز ضعيفا، لكن في الوقت عينه هي تمنح إمكانيات للتعبئة وممارسة العملية السياسية والتفوق على الآخرين، وبالتالي، فإن حزب العدالة والتنمية مستفيد من وجوده في الحكومة ولو بالمشاكل التي تخلفها بالنسبة إليه، ولكن يبقى السؤال دائما هل ستقع أحداث أو معطيات في غضون هذه السنة يمكنها أن تقلب المعطيات الانتخابية والسياسية.
على ذكر قوة ونفوذ حزب العدالة والتنمية على مستوى الجماعات، هل يمكن أن يؤثر أو ينعكس تزامن الانتخابات التشريعية والمحلية على العملية الانتخابية؟
أرغب في الإشارة إلى أن رهانات المرحلة مرتبطة أيضا، وإلى جانب ما قلته سابقا، بالآليات الانتخابية، وارتباطا بسؤالك، الرهان، أيضا، اليوم هو هل سيقع تغيير في نمط الاقتراع، وإذا كانت ستكون هناك تعديلات في النظام الانتخابي ما طبيعتها؟ لأنه وإلى حدود الساعة لا توجد في الساحة سوى الإشاعات، لكن من المؤكد أن أي تغيير سينعكس على النتيجة، مثلا إذا أمكننا اليوم أن نتصور انتقالا من نمط الاقتراع باللائحة إلى نمط الاقتراع الفردي، من المؤكد أن تتغير المعطيات الانتخابية، غير أنه لا شيء مؤكد حاليا.
أما بالنسبة إلى الانتخابات الجماعية، فهي تملك قوة التأثير عندما يسبق موعدها الانتخابات التشريعية، بحيث يتمكن الحزب من حصد الحضور في تسيير الجماعات، لكن إذا جرى تنظيم الانتخابات الجماعية بعد الانتخابات التشريعية، يكون التأثير أقل، لذلك نحن لحدود الساعة لا نعرف ماهية الأجندة الانتخابية.
وفق تحديات مغرب ما بعد « كوفيد ـ 19″، ومغرب النموذج التنموي والجهوية المتقدمة، هل ستنهج الدولة والأحزاب أسلوب القطيعة مع التدابير السابقة للانتخابات؟
لن نقول إن الانتخابات المغربية الخاصة بالألفية الثالثة هي نفسها انتخابات الثمانينيات أو حتى التسعينيات؛ الأكيد أنه يوجد نوع من التحسن، لكن هذا لا يمنع أن هذا التحسن لم يحسم مع كل الممارسات التي تسيء وتخدش صورة العملية الانتخابية كما تجري في المغرب مثلا، إلى أي حد ممكن أن نقول إن المغرب ابتعد نسبيا على التزوير المنهجي، وإن التزوير هو قرار مركزي واختيار للدولة، من الصعب اليوم أن نجزم بهذه المسألة، ولكن هذا لا يمنع من أن نعرف بعض الممارسات المشينة في العملية الانتخابية المقبلة، كما حصل في استحقاقات 2016، لذلك وجب التخليق السياسي والتخليق الانتخابي، الذي هو بالمناسبة ليس مطروحا فقط، على الأحزاب، وإنما على الدولة أيضا.
تحديات مغرب ما بعد كورونا، والنموذج التنموي، والجهوية المتقدمة، اليوم، تُسائل أيضا الطبقة السياسية بأن تكون واعية بحجم وطبيعة الرهانات، وتتجه إلى ما يمكن تسميته التنافس الشريف والمشروع، أم أنه في اللحظة الانتخابية من الممكن أن يتناسوا ذلك، مع التأكيد أن مرحلة كورونا شهدت أيضا نوعا من الاستغلال الانتخابي على طريقة « القفة » وغيرها، وإن كانت أحداثا معزولة، فهي موجودة. لا يمكن اليوم، أن نتصور أن الانتخابات المغربية ستتخلص من عيوبها، لكن على الأقل ألا تكون هي الأصل، بل أن تكون مجرد استثناءات، أو تندرج ضمن التجاوزات المقبولة، أو التي يمكن اعتبارها جزءا من اللعبة السياسية، وليس أن تكون « قاعدة » أو « أوركسترا » لأنها تخلق مشكلا.