كنوف: أسئلة تفيض بالمعنى عن روح مغاربة العالم

02/08/2020 - 22:00
كنوف: أسئلة تفيض بالمعنى عن روح مغاربة العالم

يشعر جلّ مغاربة العالم بخيبة أمل مضاعفة من موقف الحكومة والأحزاب من مبدأ مشاركتهم السياسية وحقّ المواطنة الكاملة، اللتين أقرّهما الخطاب الملكي عام 2005 ودستور عام 2011. ويزداد الغيض من فيض بعد تجاهل المذكرة المشتركة لأحزاب « الاستقلال » و »الأصالة والمعاصرة » و »التقدم والاشتراكية »، الصادرة قبل أيام، لمغاربة العالم، على الرغم من تركيز المذكرة على محورين رئيسيين: « الإصلاحات السياسية والديمقراطية »، و »الإصلاحات الانتخابية »، ودعوتها إلى إبرام « تعاقد سياسي جديد ».

ويتكرّر الصمت المطبق عن التمثيل السياسي لمغاربة العالم، أيضا، في مذكرة « العدالة والتنمية » التي تصبو إلى « إعمال المقاربة التشاركية في مراجعة المنظومة الانتخابية، في إطار منهج تراكمي يرصد إيجابيات الاستحقاقات الانتخابية السابقة ويتجاوز نواقصها وثغراتها ». ومنذ مارس الماضي، زادت مؤشّرات الحنق بين مغاربة العالم بسبب تعامل الرباط مع ملف العالقين في الداخل والخارج، وسط ملفات عالقة أخرى بشأن مغاربة المهجر، مما يكرّس بوادر القطيعة النفسية والاجتماعية والعزوف عن زيارة المغرب، فضلا عن التفاف فئات واسعة من المثقفين في أوروبا وأمريكا الشمالية حول فكرة التّضامن والتّعبير عن ذاتيتهم وقناعاتهم، وتنظيم أنفسهم فكريا وسياسيا كشتات قائم بذاته، وسط تركيز اهتمام الرباط داخل دائرة التحويلات المالية.

يستعرض هذا الملفّ الخاص مواقف 7 من الشخصيات الأكاديمية ونشطاء المجتمع المدني في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية حول ديناميات العلاقة ومآلها بين مغاربة المهجر والمغرب الرسمي، وبعض الاعتبارات والقضايا التي لا يلتقطها رادار الرباط عند تتبّع أوضاع قرابة 6 ملايين مغربي ومغربية في الخارج.

 

عندما ينضج العقل النقدي لدينا نحن مغاربة ما وراء الحدود، يكون النسق الوجودي أكثر واقعية في حيثيات حياتنا وعلى تعدّد مستوياتها. هكذا نستطيع بناء المنظومات الفكرية المؤطّرة للحياة الاجتماعية والنفسية إلى درجة خلق النموذج الحياتي الفكري والسياسي. وتنمّ هذه التوطئة حتما عن تدرّجات الحقيقة الواقعية إذا توفّرت لها كل عوامل النجاح. فماذا لو أتيحت لنا، نحن « مغاربة العالم »، أسباب الاندماج من الخارج في الداخل؟ ولنطرح السؤال بصيغة التمثل الواقعي الصّرف، ما هي الأسباب التي جعلت مغاربة العالم أصواتا خارج المشهد السياسي المغربي؟

لا يمكن اعتبار الانتماء إلى الوطن أمرا اعتباطيا أو قليل المعنى في الوجود البشري. إذ يعتبر الأصل في الوجود المادي في بعده الإنساني كينونة فائقة الأهمية. هكذا يمكن للمواطن، فردا أو جماعة، أن يكون مثالا مرجعيا للارتباط في أبعاده الهوياتية. فماذا عنّا، نحن مغاربة المهجر؟ هل يمكن اعتبار انتمائنا إلى الوطن الأصل امتدادا طبيعيا لوجودنا وهويتنا؟ أم حالة عرضية بلا جذور تدلّ عليها؟  كنّا ومازلنا عبر تاريخنا الزمني والفكري والسياسي نخلق كل أسباب الارتباط من مستويات ذواتنا بالوطن والهوية، مبدعين في المعنى الأمثل للرّابطة المقدّسة، عرقا وجنسا، صانعين تمثلات الهوية بمعانيها العليا. على دوام العقود الستة الماضية، كنّا نتحدى كل الأسباب التي من شأنها أن نقطع حبل الصلة وإفراغنا من هويتنا. ويظل المشهد الاجتماعي الشامل، بما فيه الثقافي والسياسي، دائرة كبرى تشدّنا إليه كل الحالات الواقعية والمتوقّعة. وفي ظلّ هذا النسيج النفسي والذهني، تظل حالات من الأسئلة قائمة تقلق عقولنا في إيجاد أجوبة شافية عما يحدد وجودنا ومعناه ضمن مفهوم الهوية، والرعية، والمواطنة بين مغرب الخارج ومغرب الداخل:

أولا، حالة التهميش: هي حالة مصطنعة جدّا بمزاج المغرب الرسمي. والتهميش مقصود لدفع كل صوت وجودي وفاعل من الخارج وجعله ينزوي في زاوية متحف بشري معروض فقط للتفرّج عليه. ولهذا التهميش أسبابه النسقية المبتدعة في حالتنا. لقد عانينا ومازلنا منذ الستينيات حالة التهميش والإغفال القسري، لم نكن قط في يوم من الأيام حالة بشرية لها وزنها في المشهد الوطني في الداخل، لا لكوننا غير متفاعلين، ولكن لقوة قطعت عنّا ومازالت سبل الفعل والتفاعل. نحن واعون تماما بحتمية الهدف الذي نصبو إليه بكل قوانا الفكرية والاجتماعية: هدفٌ سامٍ يرنُو إلى بلورة تواصل واندماج واقعيين في المشهد المغربي وامتداداته عبر العالم. نحن ندرك أننا بحسّنا النقدي العلمي ونسقنا العملي، نهدف إلى بناء كينونة ومنظومة اجتماعية تتكامل فيها أسباب النمو والتقدم وتجعل المشهد أكثر ثقافة على المستوى الاجتماعي والسياسي. والمطلوب والمنشود من رباط الانغلاق أن تكون رباط الفتح حقيقة، وأن تفتح باب الاندماج والمساهمة أمامنا في صناعة مشهد وطني يتعزز برؤى الاجتهاد ودواعي التوازن الواقعي في التشارك لصناعة القرار الوطني وبكل أبعاده. وحقّ المشاركة والتفاعل والانفعال الإيجابي ليس تطورا بين الدول وشتاته في العالم فحسب، بل وأيضا قاعدة واقعية للسير بالوطن إلى أعلى درجات التنمية وإحقاق الصورة المثلى لأي ازدهار ولأي ثقافة حية بمفهومها العام إذا استحضرنا دولا أخرى بنت جسور التعاون مع شتاتها في العالم.

ثانيا، نتبنّى فكر التداخل الثقافي: نحن مغاربة المهجر بتباعد جغرافياتنا وتقاربنا هواجسنا نطمح إلى بناء مقاربات عملية للمساهمة المتنورة في تحقيق التداخل الثقافي المكتسب والأصيل، مع وعينا بمراعاة شتى الثوابت. من شأن هذه المقاربة قطع جميع أسباب التباعد الجغرافي والثقافي الذي أصبح نسقا مفروضا علينا وبمرجعيات ثقافية وشخصية في الداخل. وهذا ما يحزّ في نفوس أجيال من مغاربة المهجر ومن مختلف المشارب الفكرية والمرجعيات الفلسفية. بيد أنّ التنويع في المصادر والأسباب الواقعية، هو ما يصنع طرائق للنمو والتقدم ونمو ثقافة الفرص الديموقراطية والاجتماعية.

ثمّة سؤال نردّده منذ زمن ليس بالقصير: متى تُتاح لمغاربة العالم فرصة التأسيس لنموذج متكامل في صناعة القرار الثقافي عموما، والسياسي خصوصا، إلى جانب مغاربة الداخل؟ لن يتأتى الجواب بسهولة كما نظن، ولن يجيب بعض رجال المرحلة في رباط الاحتراس بشفافية وصراحة. بل سيكون حتمية لمعطيات ناتجة عن التعامل المعلن معنا على قدم « المساواة » كما نحن متساوون في حالة الانتماء. وتكمن الغاية لدينا في أن نكون مساهمين في بناء صرح حضاري قائم على الواقعي والنقدي والسلم الثقافي. هو واجب الترحيب بنا باعتبارنا شريحة متكاملة التأصيل في المشهد، من شأنه أن يحفزنا إلى ما هو سام وراق، وبذلك تسهل كل حالات التدبير العام في التنمية بكل أصنافها.

ثالثا، لِمَ التخوف والتوجس من مغاربة العالم؟ سؤال وجيه نطرحه منذ عقود، ولاتزال الإجابة عنه عالقة إن لم تكن مغيّبة هي الأخرى في هذا المغرب العالق! في طيّات السؤال مكر أخلاقي، ليس المكر منّا، ولكن من الذين خلقوا منا « بعبعا خطيرا » يهددّ المشهد الوطني، أو من وَشَوْا بأننا « طابور خامس » زاحف، وهم من ينكرون علينا الحق في بناء مفهوم المواطنة وتطوير سردية الرعية التي من حقها المساهمة في إعلاء صرح الوطن في شتى الأبعاد المادية والمعنوية. قد يصاب المرء بالدهشة الحقة، أو حتى الغثيان أو دوار الأمعاء، عندما تكون العُقَدُ اللاأخلاقية هي من يصنف فئات مجتمعاتنا على حسب الأهواء والأمزجة والمصالح لدى فئة مستحكِمة في القرار.

إبعادنا عن مبدأ المشاركة بسبب التخويف غير الأخلاقي منّا وفق فرضيات واهية لشتى سرديات الشيطنة أو نظريات المؤامرة، من شأنه أن يصنع مشهدا ناقصا ومبتورا ومريضا لن تكتمل له الأسباب اللازمة لنجاح التكامل المادي والمعنوي في ظل عولمة وتشابك فكري وتكنولوجي عالمي. فهل لهذا الخوف والتخويف والتشكيك فينا مبررات واقعية؟ قطعا لا، لسبب بديهي كوننا نعيش على مبدأ الثوابت ومبدأ التكامل السلمي الجمعي وبكل معانيه والتفاعل بين قيم مغربية وأخرى كونية. مغاربة العالم لا يخيفون أحدا مادامت المصلحة عامة والهدف أسمى من كل اعتبار شخصي أو منفعي إذا كان المغرب للجميع. وعندما تصرّ الرباط على انغلاقها، نزداد نحن قناعة بضرورة تفكيك ونسف سياسات التهويل والتخويف التي تروج لها جهات من وراء ستار لا ترغب في المساهمة الفعلية في إنماء كل دور مؤهل للمساهمة في صناعة المشهد المغربي الحقيقي.

رابعا، متاهة دستورية ومعيارية: لماذا تجمّد الخطاب الملكي عام 2005 وبعض مواد الدستور دون تبرير أو سند سياسي أو قانوني بشأن المشاركة السياسية الكاملة لأكثر من 5 ملايين من مغاربة العالم، في صناعة القرار الوطني؟ ألا يكون من الأجدى أن نكون مساهمين في الاستثمار التنموي سياسيا واقتصاديا وثقافيا؟ ولماذا نعدّ في نظر الرباط مجرد أرقام تضاف إلى الخزينة دون أن يكون لنا رأي في تنمية الوطن على كل المستويات. أليس المغرب للجميع؟!

 

شارك المقال