حياتي مع طالبان.. حين شكرت ربي أنني أحمل الكلاشنكوف- الحلقة 9

26/08/2020 - 07:30
حياتي مع طالبان.. حين شكرت ربي أنني أحمل الكلاشنكوف- الحلقة 9

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر.

مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة.

هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

إعداد: عادل الكرموسي

حين ذهبت إلى شامان بالباص، لم أكن أملك سوى ثيابي التي أرتديها، و100 روبية في جيبي، حدث ذلك في صيف 1983، وكانت الممرات واضحة جدا لكي ينتقل المجاهدون بين المخيمات وأفغانستان ذهابا وإيابا. انضممت إلى مجموعة صغيرة متجهة نحو قندهار. صادفت هناك أحد الأساتذة الذين علموني التربية الدينية، واسمه سلام آغا، فاصطحبني لعبور الحدود. مشينا كثيرا عبر طرق التهريب في ظلام الليل. لم تكن الحدود مرسمة، لذا لم أعرف متى بالضبط دخلنا أفغانستان، لكنني أذكر أنني كنت سعيدا. مشينا عبر الصحراء وامتطينا الجمال، بعد ثلاثة أيام وليلتين وصلنا إلى وادي باشمون الخصب، حيث حقول القمح وكروم العنب، بحلول ذلك الوقت كان قد مر على بدء الجهاد ثلاث سنوات. كان المجاهدون قد حددوا ساحات القتال في أحياء قندهار، وراحوا يقاتلون السوفيات بشكل دائم منتقلين من حي إلى آخر. وفيما اعتمدنا على سهولة التحرك ومعرفتنا للمنطقة اللتين تميزنا بهما. اعتمد الروس بشدة على قوة السلاح والدعم الجوي. علمت في ما بعد أنه في ذلك الوقت استخدمت قوى إضافية مدربة، خصيصا على مواجهة طريقتنا في القتال، لكنني لست متأكدا من إن كان ذلك قد أحدث أي فرق. انضممت إلى القائد عبد الرزاق ورجاله في البداية. ظننت أنه قائد قوي ورجل جيد، لكنني سرعان ما أدركت أن همه الأول كان حماية أرضه وممتلكاته. بقيت مع عبد الرزاق حوالي شهرين، نفذت خلالهما عمليات عسكرية معه ومع رجاله. قضيت باقي الوقت أعتني بشؤونه الخاصة وشؤون باقي المجاهدين، تعودنا على تنظيف أسلحتنا أسبوعيا. كما كنا نتمرن على الرماية أحيانا.

رغم أنني تعرفت على الجهاد مع عبد الرزاق، وتعلمت استعمال الأسلحة والتصرف تحت نيران الرصاص، فإن أملي سرعان ما خاب. لقد أتيت إلى أفغانستان للجهاد، لكنني وجدت نفسي أؤدي للآخرين مهام عادية ومملة. علمت حينها أن الوقت قد حان لترك عبد الرزاق، فضلا عن ذلك، لم يكن أي من الرجال أستاذا، لم أتعلم أي أمر عدا مهارات السلاح. علمت أن طالبان يقاتلون في نالغام، تحت قيادة الملا محمد الصادق، لكنني خشيت من الانضمام إليهم لأن لي أقارب يسكنون تلك المنطقة، وكان بعضهم يقاتلون مع الملا محمد صديق، وربما أبلغ واحد منهم عائلتي بمكاني. ولا شك عندئذ في أنها سترجعني إلى المخيم في باكستان.

وكانت حركة الطالبان حينها حديث أغلب الناس، وكانت بقية المجاهدين يكنون لها الاحترام، حتى إن بعضهم تعود استشارة محاكم طالبان لحل خلافتهم أو لطالب النصيحة. ذلك أن الجهاد ليس في نظرنا قتالا فحسب، بل ينطوي على جانب تعليمي ويحمل لواء إحقاق العدالة. لجأ كثيرون من الأشخاص إلى طالبان في خلافاتهم. وكان المولوي نزار محمد القاضي الأساسي، وحل محله بعد استشهاده المولوي باساناي، من اللافت أن معظم المجاهدين من الخلفية نفسها ومن القبائل والعائلات والمناطق نفسها فظهروا متجانسين. أما طالبان فكانوا متباينين. بالنظر إلى كونهم مجموعة علماء دين من خلفيات مختلفة، تجاوزوا التركيب الاعتيادية للفصائل والتحالفات، مقاتلين انطلاقا من إيمانهم العميق بالله والجهاد والدافع الوحيد لقتالهم على عكس كثير من المجاهدين، الذين قاتلوا من أجل المال أو الأراضي. وحين اخضوضرت الحقول وبلغ الصيف أوجه، قررت الذهاب للانضمام إلى طالبان، فعلى الأقل أتلقى هناك تعليما. فضلا عن القتال، طلبت الإرشادات حول الطريق ومضيت إلى أنغام، وبعد وصولي إلى هناك، التقيت مصادفة الحاج محمد غول آغا، وهو جار سابق لنا، التقيت أيضا أقربائي يقاتلون في صفوف الملا محمد صديق. سررنا جدا لتلاقينا ولو أنني بقيت خائفا من أن يبلغوا عائلتي بمكاني. الجيش الأفغاني بدأ أول القصف البري والجوي ليلا ونهارا، ودمرت القنابل والقذائف المنازل. انتشرت القبور في كل مكان، ومازلت أذكر وجوه النسوة والرجال وهم يصرخون في الجنائز التي لا تعد ولا تحصى. وهرب المدنيون القلائل الذين بقوا في المدينة، مخلفين بيوتهم ومزارعهم، فيما رمت الطائرة الروسية القنابل كوابل المطر. وبدا الروس كأنهم سيقصفون مواقعنا للأبد. فيما نحن صامدون، هز القصف المدينة عشرة أيام متتالية، ونفدت كل دخائرنا ولم يبق بحوزتنا إلا بعض طلقات وقنبلة يدوية واحدة.

لازم الروس مواقعهم، فقررنا الانسحاب وهربنا إلى زنجياباد. لم يكن الانسحاب بالأمر السهل، فقد استشهد أربعة مجاهدين. خلال فرارنا، التقينا في زنجياباد قرابة 70 مجاهدا بحوزتهم 3 رشاشات الكلاشنكوف، وبندقية واحدة وقذيفة « آر بي جي » لم تكن أصلية وأسلحة أخرى. شكرت ربي لأنني أحمل الكلاشنكوف. كانت القوات السوفياتية طوقت المنطقة وبدأ القتال في زنجياباد.

سب، بل ينطوي على جانب تعليمي ويحمل لواء إحقاق العدالة. لجأ كثيرون من الأشخاص إلى طالبان في خلافاتهم. وكان المولوي نزار محمد القاضي الأساسي، وحل محله بعد استشهاده المولوي باساناي، من اللافت أن معظم المجاهدين من الخلفية نفسها ومن القبائل والعائلات والمناطق نفسها فظهروا متجانسين. أما طالبان فكانوا متباينين. بالنظر إلى كونهم مجموعة علماء دين من خلفيات مختلفة، تجاوزوا التركيب الاعتيادية للفصائل والتحالفات، مقاتلين انطلاقا من إيمانهم العميق بالله والجهاد والدافع الوحيد لقتالهم على عكس كثير من المجاهدين، الذين قاتلوا من أجل المال أو الأراضي. وحين اخضوضرت الحقول وبلغ الصيف أوجه، قررت الذهاب للانضمام إلى طالبان، فعلى الأقل أتلقى هناك تعليما. فضلا عن القتال، طلبت الإرشادات حول الطريق ومضيت إلى أنغام، وبعد وصولي إلى هناك، التقيت مصادفة الحاج محمد غول آغا، وهو جار سابق لنا، التقيت أيضا أقربائي يقاتلون في صفوف الملا محمد صديق. سررنا جدا لتلاقينا ولو أنني بقيت خائفا من أن يبلغوا عائلتي بمكاني. الجيش الأفغاني بدأ أول القصف البري والجوي ليلا ونهارا، ودمرت القنابل والقذائف المنازل. انتشرت القبور في كل مكان، ومازلت أذكر وجوه النسوة والرجال وهم يصرخون في الجنائز التي لا تعد ولا تحصى. وهرب المدنيون القلائل الذين بقوا في المدينة، مخلفين بيوتهم ومزارعهم، فيما رمت الطائرة الروسية القنابل كوابل المطر. وبدا الروس كأنهم سيقصفون مواقعنا للأبد. فيما نحن صامدون، هز القصف المدينة عشرة أيام متتالية، ونفدت كل دخائرنا ولم يبق بحوزتنا إلا بعض طلقات وقنبلة يدوية واحدة.

لازم الروس مواقعهم، فقررنا الانسحاب وهربنا إلى زنجياباد. لم يكن الانسحاب بالأمر السهل، فقد استشهد أربعة مجاهدين. خلال فرارنا، التقينا في زنجياباد قرابة 70 مجاهدا بحوزتهم 3 رشاشات الكلاشنكوف، وبندقية واحدة وقذيفة « آر بي جي » لم تكن أصلية وأسلحة أخرى. شكرت ربي لأنني أحمل الكلاشنكوف. كانت القوات السوفياتية طوقت المنطقة وبدأ القتال في زنجياباد.

شارك المقال