حياتي مع طالبان.. هكذا تملكني شوق كبير للاستشهاد في صفوف طالبان- الحلقة 10

27/08/2020 - 08:00
حياتي مع طالبان.. هكذا تملكني شوق كبير للاستشهاد في صفوف طالبان- الحلقة 10

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر.

مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة.

هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

إعداد: عادل الكرموسي

كان الناس يهبون لمساعدتنا لا لشيء إلا لرغبتنا في القتال، وكان إذا أخرج قائد ما أحد مقاتليه من عملية معينة، يشعر المقاتل بالغضب والخيبة. وكان يتملك الناس العاديين حماس للزواج.

تملكنا شوق عظيم للاستشهاد. كم سمعنا مجاهدين يبكون في وسط المعركة، لكن ذلك لم يكن نابعا من الخوف. ورغم استشهاد الكثير من رفاقنا الواحد تلو الآخر، فإننا لم نشعر بالخوف يوما. كنا ننتظر المعركة لنقفز في مرمى النيران، ما لم يمنعنا القائد من ذلك، أعلم أن ذلك صعب التصديق. لكننا كنا سعداء ولكن احتفلنا ورقصنا ابتهاجا. ولكم عانينا بالمقابل، لكن خيارنا كان صادقا، إن قتل أحد، فلا شك أن ذلك مقدر عليه، تلك هي الحياة السعيدة التي عشناها. عند انتهاء كل عملية، نعود إلى مراكزنا ومخابئنا، نجلس في غرفنا، نسترخي ونطمئن إلى النتيجة التي حققناها بتدمير آلة العدو الحربية، إلى أن ننطلق في عملية جديدة، فلم يكن القتال في صفوف طالبان يتمحور حول المجاهد فحسب، بل جاوز ذلك كثيرا.

خضع المحاربون في طالبان لتدريبات روتينية شملت الجميع دون استثناء، اقتضت الأمور أن نستيقظ قبل الشروق فنصلي الفجر في المسجد، ونجلس معا قبل العودة إلى المخيم، وجرت العادة أن نتلو صورة ياسين الشريفة كل صباح تحسبا للاستشهاد في أي لحظة، بعدها نتوزع فينطلق البعض لتحصين الجبهات أو لشن غارة، بينما يهتم الآخرون بالسجناء والجرحى، أو يقضون بعض الوقت في الدراسة، ورغم انخراط أعداد كبيرة من الناس العاديين في صفوف طالبان. فإن مبادئ الحركة الأساسية كانت مفروضة على الجميع. وبالإضافة إلى العمليات القاسية، خلال الهجوم أو الدفاع، انخرط جميع المجاهدين في الدراسة.

 يقوم أعضاء طالبان الكبار بتعليم الشباب الجدد الساعين للدخول في الحركة، ويهتم المولويون الكبار بتدريس أعضاء طالبان الآخرين الأكبر سنا. بهذه الطريقة يتمكن المجاهد الأمي العادي أن يصبح طالبا خلال سنتين أو ثلاث. أوكلت إلي المهمتان في الجبهة، فمارست تعليم القراءة والكتابة للمبتدئين، وكنت في الوقت نفسه أتعلم على يدي مرشدين. تمكن الجميع من الدراسة، فأتيح لي أن أتابع تنشئتي الدينية، ومن لم يرد من الناس الدراسة، ذهب للقتال تحت إمرة قادة آخرين، لم تتبع كل المنظمات هذه الطريقة، لكننا نحن في طالبان أردنا أن نخط لنا طريقا نظيفا، فنسيطر على سلوكنا ونبتعد عن الخطيئة.

 قضيت عاما مع طالبان بقيادة الملا محمد صادق قبل أن أنتقل إلى باكستان. آنذاك تلقى بور محمد، وهو مجاهد يعرف باسم الملا برجان، إصابة في ساقه جراء انفجار قذيفة دبابة، فعجز عن المشي، وبات تلقيه العلاج أمرا صعبا وخطيرا. صحيح أن الحكومة الباكستانية، والهيئة الدولية للصليب الأحمر، أقامتا عيادات نقالة على الحدود، لكن الوصول إليها كان يتطلب أسابيع عدة.

في ذلك الوقت، غدا تحرك الشاحنات والآليات غير ممكن إلا من خلال المعابر والطرقات الموحدة، بينما تعود المجاهدون واللاجئون وسواهم على اجتياز الحدود مع باكستان إلى أفغانستان راكبين الجمال، وقد عملوا بالطريقة نفسها على نقل الجرحى والمرضى إلى شامان، وحتى يومنا هذا، لا تزال خيارات نفسها مفتوحة أمام المقاتلين وهم يسلكون الطرق عينها التي سلكناها في الماضي للنزوح إلى باكستان لطلب للعلاج والراحة، حيث معابر التهريب سبيلنا الوحيد للانتقال من باكستان وإليها، ولم يسلم من احتجاز القوات الأفغانية أي رجل بين الخامسة عشرة والخامسة والأربعين من العمر، يحاول عبور الحدود الباكستانية عبر طريق شمال قندهار السريع.

 لم يقتصر عبور الجبال وطرقات التهريب على المجاهدين فحسب، بل سلكها الكثير من المدنيين والعائلات والأجانب والصحافيين للخروج من البلاد ودخولها. التقينا الملا برجان في نالغام. حيث انتقلنا وبدأنا رحلتنا. كان الملا برجان في الثلاثين من عمره رجلا قويا، صلب البنية، ذا لحية سوداء كبيرة.

انطلقنا في رحلتنا وكانت الجمال مطايانا عبر جبال الريف. كنت أقود مجموعة من خمسة أشخاص، ونتحرك ببطء نحو الحدود. مع الغروب انضم إلينا اثنان من المجاهدين من منطقة الملا محراب.

 قبل يومين بالتحديد، أقدم الروس على قتل 30 مقاتلا، وصرعت 7 جمال في كمين بالمنطقة. كنت مقتنعا أن القوات الروسية لا تزال في المنطقة، وأننا سنقع في فخها ما لم نتحضر للأمر، لكن ليس في حوزتنا أي سلاح، ولم يكن من طريق أخرى أمامنا. فأي التفاف سيكلفنا أياما إضافية، تطيل من فترة سفرنا، بينما كانت إصابة الملا مرجان بليغة. هذه الأنباء عن الكمائن الروسية زرعت الرعب في صفوف موكبنا.

شارك المقال