متحالفا مع قساوة الطبيعة وواقع التهميش، يبدو أن للفيروس التاجي مآرب أخرى غير تسميم أوصال الوضعية الوبائية، إذ أرخى بظلال تداعياته السلبية على واحدة من أقدم وأفقر الجماعات الترابية في المغرب، متسببا في عطش ما يقارب 149 دوارا تابعا لجماعة أربعاء أيت حمد الجبلية بتيزنيت، بعدما عرقل آخر أمل في تزويدهم بالماء الصالح للشرب.
وبحسب المعطيات التي توصلت بها « أخبار اليوم »، تسبب الفيروس التاجي في إيقاف مشروع تزويد الدواوير المتفقرة بين ثنايا مرتفعات الأطلس الصغير والتابعة للجماعة الترابية أربعاء أيت أحمد، التي تمتد على مساحة 211 كلم مربعا من الهوامش الوعرة لمدينة تيزنيت، بالمياه الصالحة للشرب بعدما تعددت السنوات التي أوقفت فيها السماء الغيث عن أراض لا راوي لعطشها غير المطر.
وبحسب اتفاقية الشراكة لإنجاز أشغال تزويد دواوير المنطقة بالماء الصالح للشرب، التي صودق عليها شهر يناير الماضي خلال الجمع الاستثنائي للمجلس الجماعي، والتي تضم كل من الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، والمجلس الإقليمي لتيزنيت، وجماعة أربعاء أيت أحمد، وجمعية أكيواز للتنمية والأعمال الاجتماعية والثقافية، تقدر كلفة المشروع بـ 150 مليون سنتيم، بحسب المعطيات والوثائق التي تحصلت عليها « أخبار اليوم ».
وحصل المشروع عينه على دعم الجماعة بما يقدر بـ (20 مليون سنتيم)، كما التزم المجلس الإقليمي لمدينة تيزنيت بتقديم (90 مليون سنتيم) فيما بقي تحقق وعد الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، التابعة لوزارة الفلاحة والصيد البحري والمقدر بـ (40 مليون سنتيم) معلقا، إذ لم تلتزم هذه الأخيرة بتعهدها بسبب ما بررته بـ »حرمانها من الاعتمادات المالية السنوية جراء تداعيات فيروس كوفيد ــ19″، وهو ما عرقل المشروع ككل وعمق المآسي التي تتكبدها ساكنة تلك الدواوير المنسية في هوامش تيزنيت.
وفي تصريح لـ »أخبار اليوم »، أكد أحمد أولحاج، وهو فاعل جمعوي بالمنطقة أن ما يزيد عن 90 في المائة من ساكنة تلك الدواوير المهمشة غير مزودين بالماء الصالح للشرب بصفة نهائية، فيما يضطر بعضهم إلى التنقل عبر الدواب لما يزيد عن 6 أو 10 كيلومترات بين ثنايا التضاريس الوعرة التي تحف بجبال المنطقة، من أجل التزود بقطرات مياه تروي عطشهم لأيام معدودة..
الفاعل الجمعوي أوضح أنه توجد 6 مشاريع من حصة الإنعاش الوطني لتزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب تتبناها الجماعة في المنطقة، وكل مشروع يضم 3 أو 4 دواوير، « لكنها غير كافية إذ إنها بالكاد تكفي ليوم واحد أو يومين على الأكثر »، على حد تعبير المتحدث، الذي شرح كيف تتم هذه العملية، إذ تهم السلطات بإحضار « بعض الصهاريج من فئة طنين أو ثلاثة كحل مؤقت وتوزعها على الساكنة، لكن أغلبها لا يسد الحاجيات، كما أن بعض الدواوير صعبة الولوج بسبب وعورة المسالك ».
وأمام هذا الوضع تضطر الساكنة مسيرة لا مخيرة، إلى جر ذيول الخيبة فوق الدواب ومغالبة وعورة التضاريس بحثا عن هذه المادة الحيوية، إذ « تستعين بخزانات مياه الأمطار « المطفيات »، وبالآبار والمنابع المائية، التي جفت أغلبها عقب انخفاض مستوى الفرشة المائية جراء توالي سنوات الجفاف »، بحسب ما أكده أولحاج في حديثه لـ »أخبار اليوم »، مشيرا إلى أن هذا الواقع « القاهر اضطر أغلب ساكنة المنطقة إلى الهجرة نحو المدينة، أو الزحف نحو المناطق المؤمنة بالمياه، تاركين وراءهم أطلال بيوت مهجورة ومآس اجتماعية كبيرة ».
فاطمة، سيدة خمسينية من ساكنة دوار تيزي، تقول لـ »أخبار اليوم »، إنها وطيلة السنوات الماضية « تعاني الأمرين من أجل تحصيل المياه الصالحة للشرب، خاصة بعدما جفت ينابيع الدوار، فضلا عن الدواوير المجاورة »، مضيفة: « لطالما طالبنا المسؤولين واشتكينا، وهم أساسا يعلمون حجم معاناتنا وكيف أننا ننتظر الغيث بدون مجيب، وننتظر التفاتة المسؤولين والحكومة والدولة بدون مجيب ».
وبنبرة حزينة متألمة، سألتنا فاطمة عن مآل المياه التي نغسل بها الملابس في المدينة، لتشرح لنا بتدقيق كيف أن منازل دوارها والدواوير العاطشة تتقشف في استعمال المياه، تقول فاطمة بلغتها الأمازيغية الأنيقة: « إننا نستعمل المياه عينها عدة مرات »، مضيفة: « المياه إما تشرب وإما تستعمل لأكثر من مرة ومرتين في أمور متعددة، أما مياه الآبار إن وجدت، على قلتها، نغليها لتصير صالحة للشرب.. الشكوى لله ».
عشرات من نسوة هذه الدواوير، ممن تواصلت معهن « أخبار اليوم » وأغلبهن لا ينطقن إلا كلمات محدودة باللغة العربية، أكدن ما جاء على لسان فاطمة، وجميعهن يطالبن بحل فوري ومن بينهن السعدية التي ما لبثت تردد: « نحن لا نخاف كورونا أو أي وباء، بقدر خوفنا من الإهمال والموت عطشا في بلد تبارك الله كبير وغني كالمغرب ».
السعدية، الشابة الثلاثينية، قالت إنها تغتنم فرصة تصريحها لـ »أخبار اليوم »، كي تدعو رئيس الحكومة سعد الدين العثماني وأعضاء الحكومة أيضا لـ »زيارة هذه الدواوير والوقوف على الاختلالات بها، وأن يروا حجم المعاناة التي يتكبدها المواطن المغربي في أعالي جبال الأطلس الصغير، عندما يضطر إلى مجابهة الموت مرارا ليتحصل على بضع قطرات مياه يروي بها عطش فلذات أكباده »، تقول المتحدثة، مضيفة: « لا نبتغي غير المياه وتنمية المنطقة، وكل أملنا أن نفتح الصنبور ونجد المياه ».
وعلى غرار السعدية وفاطمة، تواصلنا هاتفيا مع حسن وهو واحد من ساكنة هذه الدواوير الذين هاجروا إلى المدينة بعدما ضاقت بهم أرض بلدهم القاحلة، يقول: « زوجتي وأولادي يقطعون يوميا مسافات طويلة سيرا على الأقدام، لتعبئة المياه من إحدى العيون في خارج الدوار. إذ تنقل النساء المياه إما على رؤوسهن أو على ظهور الحمير أحيانا ».
وهذا أمر ضروري من أجل البقاء، بحسب حسن، الذي يؤكد أن المياه لا تصل إلى البيوت بتاتا، لافتا إلى أن « جميع سكان الدوار وحتى الدواوير المجاورة يعبئون المياه من هذه العين أو المطفيات والآبار التي تجفّ بدورها كلما تتأخر الأمطار، خاصة مع ارتفاع دراجة الحرارة والصيف »، مضيفا: » للأسف هذا الصيف لم أستطع الالتحاق بأسرتي بسبب إجراءات الحجر في الدار البيضاء، وكلما فتحت الصنبور هنا أتذكر أن أولادي يبحثون عن قطة ماء هناك ».
من جانبهم، يعي جيدا مسؤولو هذه المنطقة، حجم المآسي التي تتخبط بها ساكنة هذه المنطقة التي تعاني « الإهمال »، على حد تعبير مصدر مسؤول في جماعة أربعاء أيت أحمد الذي وصف ما يحدث بـ »الكارثة الكبرى والطامة المسكوت عنها ».
ويتهم المتحدث المشرفين على هذا الملف بالإسراف في تبذير المال العام « دونما إنجاز نتيجة تذكر وتعود بالنفع على الساكنة »، موضحا أن السلطات التي يفترض أن تقوم بدراسات الكشف عن المياه الجوفية، تحضر « سونضاج » أو المسمى عبار المياه بتكلفة عالية تبلغ أحيانا 14 مليون سنتيم أو أكثر، وتحفر وتنقب هنا وهناك ولا تجد ماء. إن المسؤولين عن هذا الملف كما ذكرت لا يستبقون هذه العملية بدراسات علمية للأرض والفرشة المائية وتحديد مكامن المياه الجوفية، كما أن وكالة الحوض المائي لا تجد إلا نسبة قليلة لأنها تعتمد فقط، على طرق تقليدية في التنقيب، وكل هذا يحدث في مغرب 2020 « .
ويرى المتحدث أن الحل الفوري الذي يجب أن تتخذه السلطات اليوم، وبشكل فوري لتندمل مآسي المواطنين في المنطقة، هو « التسريع بإتمام الدراسة التقنية التي بدأها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب oneep منذ سنة 2016، وكان من المنتظر إتمامها سنة 2019، فبدون هذه الدراسة يصعب الحديث عن مشروع مائي واعد وحقيقي قد ينهي معاناة الساكنة مع الماء الصالح للشرب ».
وزاد المصدر ذاته قائلا: « ولأن الجماعة تتوفر على منبع مائي يسمى بعين بوتبوقالت واعد بصبيب 174 لترا في الثانية في فترات الصيف، ويتجاوز 240 لترا في الثانية في أوقات الأمطار، وجب التفكير والتعجيل بهذا الأمر لضمان حقوق وكرامة الساكنة بهذه الجماعة القروية النائية »، مضيفا: « وجب توزيع هذا المياه على الدواوير لأن 90 في المائة من الساكنة لا تصلها المياه مطلقا، وهذه مسألة حياة أو موت ».