محمد الحاجي
ليونيل ميسي .. العالم قبل عِقد ونصف يعرفه ويتابعه ويقتفي أخباره ويتفرج على معجزاته فوق ميادين كرة القدم، لكن قليل من يسأل عمن يفكر مكان هذا الولد الأسطوري .. من يخطط لمساره ؟ من يبرمج كل صغيرة وكبيرة في حياته ؟ من يدير ثروته ومن يدقق في عقوده ومعاملاته المالية ؟ من ينوب عنه في التفاوض والتواصل مع محيط مثقل بضغوطات النجومية ؟ليو في بداياته مع البارصا لم يجد شخصا يثق فيه أكثر من والده ليسلمه كلأمور حياته .
خورخي هوراسكو ميسي .. هذا الأرجنتيني ذو الأصول الإيطالية نشأ في حي فقير في روساريو وسط كثير من الأسر التي قدِم أجدادها من موانئ نابولي وجنوة وصقلية قبل ثلاثة قرون .. تزوج من سيليا إبنة الجيران قبيل أيام من انطلاق مونديال 1978 الذي كانت تحتضنه بلاد الطانݣو .. كان لهما شهر عسل استثنائي أنهياه بحضور المباراة النهائية بين الأرجنتين وهولندا داخل مدرجات الملعب .
عاد خورخي و سيليا إلى روساريو وبدءا معركتهما مع الحياة .. اشتغل هو كعامل بسيط في معمل للصلب وصناعة الأسلاك، فيما هي كانت تطوف على منازل الأغنياء للقيام بأشغال النظافة .. كلاهما عملا لساعات طويلة
لمضاعفة الأجر الزهيد ومقاومة شبح الفقر .
تفرغت سيليا لمنزلها خصوصا بعد الإنجاب .. ماتياس ورودريغو وليونيل وماريسول كانوا في حاجة إلى أمّ بقربهم تراقب شقاوتهم الطفولية في أحياء لا يُؤتَمن فيها على مستقبل الأبناء.
خورخي الأب واصل الليل بالنهار في مهن شاقة يعيل من مدخولها أبناءه الأربعة .. كانت فراسته الأرجنتينية المشبعة بهوس كرة القدم تنبؤه أن إبنه الثالث ليونيل سيكون له شأن عظيم .. لقد بدت عليه علامات ذلك من خلال
موهبته الخارقة وسط أقرانه .. فقط كان يؤرقه ظهور أعراض مرض هشاشة العظام على إبنه الصغير مما كان يهدد مسيرته الكروية بالتوقف في سن مبكرة .
فكر الأب وتدبر وفي الأخير قرر .. سنة 2001 حمل جميع أفراد الأسرة إلى أول طائرة تتجه من بوينس إيرس إلى برشلونة .. هناك طاف على مختلف نوادي كرة القدم لكي يتكفل أحدها بتكاليف علاج إبنه ليو الباهضة .. في الأخير لم يجد غير البارصا التي دفعت لمدة عام كامل مبلغ 900 أورو شهريا مقابل حقنة علاجية فعالة لكي يستعيد الطفل الذهبي عافيته وينخرط في فئات لاماسيا بشكل عادي .
تسلق ليونيل فئات النادي ليوقع عقده الأول سنة 2005 وسط اهتمام الخبراء وذوي العيون التقنية الثاقبة التي كانت تجزم بولادة فلتة مختلفة من فلتات الزمان .. كانت بداية النجومية وكان لابد من تعيين شخص ليتكفل بأموره
خارج الملاعب .. بكل سلاسة وجد الأب خورخي نفسه يقوم بهذه المهمة، والإبن أيضا لم يكن يرى في الوجود شخصا ليقوم بها أكثر ثقة ممن كان سببا في وجوده بهذا العالم .. خصوصا لما عادت الأم سيليا رفقة أبنائها الثلاث إلى الأرجنتين وتركت زوجها ليتفرغ كليا لليونيل حتى أصبح مثل ظله الذي لا يفارقه في تفاصيل حياته .
يقول خورخي في حوار مع صحيفة « أولي » الرياضية الأرجنتينية « لقد شعرت عند أول يوم في برشلونة أن مهمتي الجديدة هي أن أوفر كل شروط الراحة لليونيل » ..كان وقْع الدهشة على خورخي عند بداية شهرة إبنه
صعبا .. تساءل الكثيرون كيف للعامل البسيط في مصنع الصلب أن يصبح وكيل أعمال يسير عائدات مالية مهمة ويفاوض في الأمور المعقدة للإشهار والعقود والمعاملات المصرفية وفوق ذلك عليه إجادة الخضوع لمصالح
الضرائب التي تجتهد في إحصاء كل عائدات النجوم .. كانت الخطوة المهمة التي قام بها خورخي ميسي في بدايات إبنه ، هي الإستشارة مع صديق أرجنتيني يعمل إطارا مصرفيا عاليا في برشلونة، يومها التقط أولى خيوط
النجاح في مهمته الجديد « لقد كان السند الأول الذي عرفت به عالم إدارة الأعمال إضافة إلى وكلاء نجوم آخرين لم يبخلوا علي بتوجيهاتهم » يضيف خورخي .
مرت 15 سنة على أول عقد احترافي لليونيل ميسي في ملاعب كرة القدم، طوال هذه المدة كان الأب ووكيل الأعمال يتعلم قواعد المهمة حتى أصبح يتقن لغة الأرقام وتقنيات التفاوض ومكامن الربح والخسارة .. لقد صار اليوم على رأس مؤسسة عملاقة تقدر عائداتها السنوية الصافية بثلاثين مليون أورو، ناهيك عن مداخيل أخرى مهمة تدار عن طريق أسهم البورصة والمساهمة في مشاريع استثمارية متعددة في جميع قارات العالم .
حدث يوما أن تابعت محكمة إسبانية ليونيل ميسي ووالده خورخي بتهمة التهرب الضريبي، و خلال الجلسة سأل القاضي ليونيل عن وثيقة ما .. كان جواب الإبن واضحا أكثر من المطلوب .. « لا أفهم كثيرا هذه التفاصيل، أنا
مهنتي أن ألعب كرة القدم، أبي هو المكلف بكل هاته الأشياء ولدي الثقة الكاملة فيه، إنه يقوم بعمله بشكل صحيح ».
ليونيل ميسي أعلن قبل أيام عن رغبته في ترك البارصا واختفى، فيماالأضواء اتجهت إلى والده بشكل غير مسبوق .. الجماهير ووسائل الإعلام يعرفون أن النسبة الكبيرة في قرارات النجم الأسطوري يكون لخورخي فيها نصيب كبير … هو دماغه و لسانه خارج الملاعب .