جائحة من الآلام النفسية.. كوفيد- 19 يفجر مشاعر الخوف والفقد والانعزال

05/09/2020 - 23:00
جائحة من الآلام النفسية.. كوفيد- 19 يفجر مشاعر الخوف والفقد والانعزال

في الإيكوادور، لايزال الناس يبحثون عن جثث أقاربهم الذين قضوا بكوفيد-19 قبل أربعة أشهر. في إيطاليا، توسّل أحد الشباب إلى قس ليطلب له الصفح عن إزالة كمامته في الشارع العام. لم يحدث أن تعرض عدة أشخاص في عدة مناطق من العالم لصدمة قاهرة مثل هذه منذ الحرب العالمية الثانية. فحتى بعد السيطرة على المرض ستعيش الجراح النفسية زمنا بعده.

بالنسبة إلى كثيرين، الجائحة مجرد إزعاج عابر. لكن آخرين يواجهون خطر الإصابة بـ »اضطراب ما بعد الصدمة » (PTSD)  ، والتي تشمل أعراضه الكوابيس والصور المسترجعة وأحاسيس بالذنب والقلق أو الانعزال. وأكثر الناس عرضة للإصابة بهذا الاضطراب هم من فقدوا أقاربهم في الجائحة أو من أصيبوا بالمرض بشكل حاد، إلى جانب ضحايا صدمات سابقة مثل اللاجئين، والعمال في الصفوف الأمامية مثل الممرضين والأطباء. في إسبانيا، سدس المصابين من العاملين في الصحة وكثير منهم يظهرون أعراض « اضطراب ما بعد الصدمة ». ببنغلاديش حيث انخفضت مداخيل الفقراء بـ80 في المائة حين كان الحجر الصحي على أشده، و86 في المائة من السكان سجلوا وفقا لأحد الاستطلاعات معاناتهم من الضغط النفسي الناجم عن الجائحة.

البشر يتأقلمون. أغلب من يمرون بصدمات يتأقلمون معها. حين تنهار منازلهم بسبب الزلازل يعيدون بناءها ويواصلون رحلة الحياة. حتى القصف الجماعي للمدن في الحرب العالمية الثانية لم يكسر عزيمة المدنيين. مع ذلك يجب على العالم التعامل بكل جدية مع الآثار التي يخلفها كوفيد-19 في النفسية الجماعية. الإجراءات المطلوبة لتقليص هذه الآثار لا تكلف الشيء الكثير ويمكن أن تنعكس إيجابا على الفرد والمجتمع ككل.

ترى الأبحاث العلمية المنجزة حول الكوارث السابقة أن الصحة النفسية للناجين على المدى الطويل تعتمد بشكل أكبر على « الدعم المُستشعر » و »الدعم الفعلي ». بمعنى آخر، الشعور بالتضامن الاجتماعي أكثر أهمية من عمليات التبرع بالأموال أو توزيع الغذاء. مثل هذه التبرعات تُقدم بشكل تلقائي، لكن يمكن للحكومات أن تساعد أيضا في هذا الجهد. مثلا تضع فرنسا وحدات طبية ونفسية استعجالية بعد الهجمات الإرهابية والكوارث الأخرى. هدف هذه الوحدات هو تخفيف الآثار النفسية بعيدة المدى لمثل هذه الأحداث بتقديم مواكبة نفسية سريعة قريبة من مكان الحادث. كثير من المدن الفرنسية أعادت تشغيل آلية « نموذج الخيمتين »، واحدة للرعاية الطبية، والثانية للصحة النفسية لمواكبة الساكنة في مواجهة الفيروس.

بعض الأشخاص يجدون العزاء في البقاء وسط الناس، غير وحيدين، وإلا فالملايين يواجهون نفس المحنة في الوقت ذاته. غير أن الجائحة تطرح تحديات غير معهودة أيضا أحدها ألا أحد يعرف متى ستنتهي. كما أن إجراءات التباعد الاجتماعي تزيد من صعوبة التلاقي وتجديد الوصل مع الآخرين، وهي خطوة أساسية للتعافي من الصدمة. زيادة على كون الصدمة الاقتصادية لكوفيد-19 ضربت عرض الحائط خدمات الصحة النفسية في كل مكان وبصفة أكبر في الدول المعوزة.

وفي الواقع، فأهم الإجراءات المطلوبة ذات طابع محلي. إذ يجب أن تُعطى الأولوية للحفاظ على آصرة الجمع ومحاربة الشعور بالوحدة عبر توسيع الولوج للانترنت مثلا. كما يجب توطيد شبكات التعاضد وتقديم المعونة مثل مجموعات واتساب حيث يتكلف الشباب بقضاء حوائج كبار السن مثل توصيل المشتريات إلى منازلهم، كما يجب على الخبراء النفسيين تدريب مزيد من الأشخاص العاديين للعمل كمستشارين نفسيين.

يمكن أيضا للمناسبات الدينية والأحداث الرياضية أن تقدم فضاء فعليا أو افتراضيا للعزاء. يمكن أن تُروى قصة الجائحة في المدارس بما يدفع أولئك الذين  شكلت له مجرد إزعاج عابر للتعاطف مع من شكلّت بالنسبة إليهم حدثا فارقا في الحياة. قد يصعب محو الآلام النفسية الناجمة عن كوفيد-19، لكن بالإمكان تخفيفها.

شارك المقال