بلال التليدي: ليس هناك ما يبرر لحزب العدالة والتنمية الاستجابة لأي ضغوط مهما كانت -حوار

07 سبتمبر 2020 - 08:00

طفت إلى السطح أطروحة سياسية يقال إنه يدافع عنها بعض قياديي حزب العدالة والتنمية، وتتعلق بتقليص المشاركة السياسية في الانتخابات المقبلة، وهي ليست المرة الأولى التي يظهر فيها هذا الخطاب. ما رأيك في هذا الطرح؟

لا أعرف على وجه التحديد من في قيادات العدالة والتنمية يدافع عن هذه الأطروحة، فلحد الآن الغموض هو سيد الموقف، وما يزيد الغموض حدة أنه لم يصدر من القيادة أي إثبات أو نفي، في الوقت الذي اعتادت التواصل لبيان الحقيقة، عندما يتعلق الأمر بـ”افتراءات” و”مغالطات” تتهم بها وسائل الإعلام.

لا أستطيع الجزم بوجود مثل هذا الموقف، وما إذا كان هناك قرار أو تداول من جانب القيادة بهذا الشأن، أو أن الأمر تجاوز الموقف وبلغ مرحلة التفاهمات، أو أن الأمر مجرد رغبة لجهات معينة لا تقبل تصدر العدالة والتنمية للانتخابات، في ظل غياب منافس سياسي حقيقي، فبدأت تسرب هذا الخيار، وتقيس نبض الداخل الحزبي، بعدما تأكد لديها أن المشكلة في هذا الموضوع لن تكون مع القيادة، وإنما مع الصف الداخلي.

هل هي مفاوضة سياسية غير صريحة؟

في ظل عدم الوضوح، لا أحد يملك الحقيقة حول وجود مثل هذه التفاهمات من عدمه، الذي أعلمه من سابق التجربة أن هذا الخيار طرح في انتخابات 2003 الجماعية، وأجبرت قيادة الحزب على تبنيه تحت طائلة تحميلها المسؤولية المعنوية عن أحداث 16 ماي 2003، ولم يكن هناك خلاف داخل القواعد حول إكراهات هذا القرار. ولم تكن للقيادة وقتها خيارات كثيرة، إذ وضعت بين نار التقليص ونار الحل، فاختارت القيادة أخف الضررين، وتفهمت القواعد القرار، واعتبرت أن المرحلة تقتضي الانحناء للعاصفة، وهو الذي كان، إذ خرج حزب العدالة والتنمية من هذه الوضعية مع انتخابات 2007، وأصبح جزءا من الطبيعة السياسية، ولم يطرح خيار تقليص نسبة المشاركة منذ ذلك التاريخ.

ولذلك لا أرى أن هناك ظرفية سياسية مشابهة تفرض مثل هذا الخيار، إلا أن تدفع بعض الجهات التي تخشى تصدر العدالة والتنمية للانتخابات، أو للدقة لا تريده أن يبقى لولاية ثالثة يقود الحكومة، أو ربما تخشى من عودة عبدالإله بنكيران إلى قيادة الحزب، (تدفع) في اتجاه هذا القرار، زعما منها أن متوالية التنازلات التي قدمتها القيادة الحالية تسمح بإجبارها على هذا القرار الطوعي من جهة، والقسري من جهة أخرى.

هل ينسجم هذا الطرح مع المنهجية الديمقراطية في فرز الخطوط السياسية؟

المنهجية الديمقراطية التي نحتها عبد الرحمان اليوسفي كمفهوم، قصد بها ترتيب المتعين ديمقراطيا، أي أن الذي فاز في الانتخابات واحتل المرتبة الأولى هو الذي يستحق رئاسة الحكومة، لا أن يتولى هذه المهمة من لم يدخل الانتخابات أصلا، وفي حالة استجابة قيادة العدالة والتنمية للضغوط واتخاذها للقرار، تكون هي التي فرطت في استقلالية قرارها الحزبي، بحكم أن مثل هذه القرارات تفرض أن توضع على طاولة المجلس الوطني، حتى تتحرر القيادة من الضغوط وتحمل الجميع مسؤولية القرار، ولو أن تضع جميع الإكراهات ضمن الحيثيات.

وتقديري أنه ليس هناك ما يبرر هذا القرار، ولا الاستجابة لأي ضغوط مهما كانت، فالاختيار الديمقراطي الذي ينص عليه الدستور يمنع التعامل مع الأحزاب بمكاييل مختلفة، بحيث يتم الضغط على بعضها ودعم وإسناد بعضها الآخر، والاشتغال على توفير شروط تحالف البعض ضد البعض، هذه صورة من العبث التي تتنافى مع الديمقراطية، وتضع جدية الدولة على المحك.

أليس ذلك تحايلا على خريطة المشهد السياسي عبر تعديل كفتها بشكل قسري؟

إذا كانت بعض الجهات لا ترغب في تكرار تجربة صعود العدالة والتنمية، وليست لها ثقة في وجود منافس سياسي يمكن أن يهزم العدالة والتنمية، ويجنبها التدخلات الفوقية، فالحل ليس هو أن تقنع حزبا ما بأن يدخل الملعب بفريق يضم أقل من 11 لاعبا، حتى يتم تمكين الفريق الآخر من الفوز، ونقنع الجمهور بأن المباراة كانت نزيهة وشفافة. إذا كنا نريد الديمقراطية، فينبغي أن نتحمل نتائجها، وإذا كان المشكل في الحقل السياسي الذي لم يستطع أن ينتج منافسا سياسيا أكثر من عقدين من الزمن، فالمشكلة ببساطة تلقى على كاهل التحكم في هذا الحقل، فهو المسؤول عن قتل المنافس، لأن المنافس يولد من رحم الشعب لا من توجيه فوقي.

هل يمكن أن تكون خطوة استباقية لتراجع انتخابي محتمل لحزب العدالة والتنمية؟

في اعتقادي أن الداخل الحزبي، أقصد حزب العدالة والتنمية، منقسم حول تقويم طبيعة المرحلة، قسم يرى أن القيادة جنت في الأخير ثمن تنازلاتها، وقراءتها الخاطئة للوضع السياسي، وهي الآن لا تملك غير خيار المسايرة، وقسم آخر يرى أن السقف المتاح والممكن للفعل السياسي في ظل الشروط السياسية القائمة هو ما قامت به القيادة، ولا يمكن أن تتحمل أكثر من طاقتها على الفعل، وقسم آخر وسط يرى أن المشكلة ليست في القيادة، وإنما في عدم نضج الديمقراطية في البلاد، وأن تغييب هذا المعطى هو الذي يتسبب في خلق حالة من الاحتقان داخل مكونات الصف الداخلي.

وفي تقديري، لا يتصور صدور هذا الاقتراح من المكون المنتقد لخيارات القيادة، وذلك لسبب وجيه، وهو أنه يعتقد بمسؤولية القيادة في إنهاك الحزب وإضعاف شعبيته بسبب افتقادها للعنوان السياسي في إدارة المرحلة، إضافة إلى أنه يتصدر مواجهة فكرة تقليص نسبة مشاركة الحزب، ويرى في الاستجابة أو الرضوخ لهذا الطلب الخارجي استكمالا لمسار التنازلات المنهكة لشعبية الحزب.

على أن هناك رأيا آخر ينطلق من تقدير مختلف، يرى أن على الحزب العودة إلى المعارضة لتأمين وحدة الحزب وإعادة بناء فاعليته السياسية، وأن استمراره في الحكومة بنفس التدبير السياسي سينتهي به إلى نفس مصير الاتحاد الاشتراكي، ولذلك ربما ينتصر هذا الرأي لفكرة تقليص نسبة مشاركة الحزب حتى يعود الحزب إلى موقعه الطبيعي في المعارضة، ويشتغل إلى جانب القوى الديمقراطية لإنضاج الشرط الديمقراطي في المغرب.

أما القيادة، فليس من مصلحتها أن تدفع في اتجاه تقليص نسبة المشاركة، لأن ذلك سيقدم الدليل القاطع على فشل تدبيرها للمرحلة، واضطرارها إلى الرضوخ للطلب الخارجي الذي يعاكس التجربة الديمقراطية.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.