البكاري: الواقع يكذب أن التعليم هو القضية الوطنية الأولى بعد الوحدة الترابية -حوار

13/09/2020 - 20:00
البكاري: الواقع يكذب أن التعليم هو القضية الوطنية الأولى بعد الوحدة الترابية -حوار

يكثر الحديث عن أزمة التعليم، ترى ما هي مظاهرها؟ وأين تتجلى؟

لا يمكن حصر مظاهر أزمة التعليم، لأن كل فاعل ينظر إلى مخرجات المدرسة المغربية انطلاقا من الحقل الذي يمارس فيه، فالاقتصادي يحصر هذه الأزمة في عدم قدرة المدرسة على تجسير الفجوة بين متطلبات السوق من اليد والأدمغة العاملة وبين الشهادات والدبلومات الموجودة بكثرة. (للأسف حتى بعض النخب الفكرية تختزل أزمة التعليم في هذا المعطى، والذي في الحقيقة هو بدوره نتيجة لأعطاب تخص سياسات عمومية واقتصادية لا تساعد على تحقيق نسبة نمو كفيلة بخلق الثروة، ومن ثم إعادة إنتاج توزيع عوائدها التي من بينها خلق فرص الشغل). أما السياسي، فيمكن أن ينظر إلى أزمة التعليم من خلال عدم نجاح المدرسة في تبيئة ثقافة الديمقراطية والمؤسسية والقانونية، وهو يلقي مثلا بمسؤولية العزوف عن الانخراط في الأحزاب والمشاركة في الانتخابات في جزء منه إلى المدرسة والجامعة اللتين لم تعودا مشتلا لتكوين الأطر السياسية كما في الماضي، وهكذا يشترك السياسي والاقتصادي في تصدير مسؤولية أعطاب مرتبطة بعقود من تمييع السياسة وإفساد الاقتصاد وتدمير القطاعات الاجتماعية إلى المدرسة، التي هي ضحية من ضحايا هذه السياسات، ويمكن أن نقيس على ذلك رؤية المشتغلين في حقول الفكر والدين والتربية (مجال القيم)، لكن من زاوية تقنية من داخل حقل التعليم نفسه، فأعتقد أن مجمل التقويمات التي أنجزت داخليا، أو عبر المشاركة في اختبارات دولية مقارنة، كشفت أزمة عميقة للتعليم المغربي من عناوينها العريضة: ضعف التعلمات الأساس في الطور الابتدائي المرتبطة بالقراءة والكتابة والحساب، الهدر المدرسي والجامعي، عدم الاستقرار على نموذج بيداغوجي واضح (انتقلنا مثلا من التدريس بالأهداف نحو التدريس بالكفايات، دون أن نخرج عمليا من تقويمات إشهادية تعتمد باراديغم الأهداف المجزأة، ودون تملك تصور واضح وموحد عن الكفايات، إذ الكفايات بدورها تضم اختيارات بيداغوجية متعددة)، أعطاب في التكوين الأساس والتكوين المستمر، وقد أبانت جائحة كورونا على ضرورة مأسسة التكوين المستمر لمواجهة الوضعيات المهنية المستجدة.على أنه يجب الانتباه إلى أن هذه الاختلالات وأخرى تتعمق بمشكل مرتبط بحكامة هذا القطاع، فمن جهة، توجد مديريات لا معنى لإحداثها وفي أحسن الأحوال يمكن أن تكون أقساما فقط، في حين لا توجد مثلا مديرية خاصة بتكوين الأطر مثلا، ومن جهة أخرى، فمجموعة من التعيينات سواء على المستوى المركزي أو الجهوي، وكذلك على مستوى مؤسسة دستورية من مثل المجلس الأعلى للتعليم تخضع للتوافقات الحزبية والنقابية، وأحيانا حتى للابتزاز، بعبارة مباشرة: الواقع يكذب أن التعليم هو القضية الوطنية الأولى بعد الوحدة الترابية، كما يقول الخطاب الرسمي.

ما هي أسباب تأخر منظومة التعليم وأزمته بالمغرب؟

السبب الأساس لكل هذه الاختلالات مرتبط بأن الدولة لا تملك جوابا عن سؤال: ماذا تريد بالتعليم تحديدا؟ فالدولة ما بعد الاستعمارية لم تكن ترى في التعليم عند حصول الاستقلال سوى « معمل » لإنتاج الموظفين والأطر الذين سيعوضون الموارد البشرية الفرنسية في مختلف الإدارات، وقد نجحت في هذا الرهان، لكنها بعد ذلك ستحول الهدف من رؤية مرتبطة بنقص الأطر إلى رؤية يتحكم فيها الهاجس الأمني، أي أنه بموازاة مع توفير الأطر والموارد لسير الإدارة ظهرت معارضة سياسية وإيديولوجية من قلب الثانويات والجامعات والنقابات التعليمية، فاتجه تفكير النظام نحو الضبط والتحكم في المدرسة لتتحول من مشتل للمعارضة إلى حقل للتطويع. وهي السياسات التي استمرت إلى حدود الألفية الجديدة عبر سياسات: التعريب غير الممنهج، التقليص من التوظيف، إفراغ المناهج من الحس النقدي، تهميش مواد التفتح بدعوى التركيز على التعلمات الأساس، بلترة الطبقة المتوسطة التي كان يشكل العاملون في التعليم كتلتها الأكبر.

بعد النجاح النسبي في تطويع المدرسة والجامعة والنقابات التعليمية، ستواجه الدولة إشكالا كبيرا مرتبطا بالخصاص المهول في الموارد البشرية، وكذا في الإمكانيات اللوجستية (مختبرات، مطاعم مدرسية، داخليات، قاعات متعددة الوسائط..)، خصاص مترافق مع غياب تصور واضح لما نريده من مدرسة ستواجه عالم التطور التكنولوجي والرقمي.. في هذه اللحظة بالضبط سندخل نفق الارتجالية عبر إنتاج وثائق مرجعية تعيد استنساخ المفردات والعناوين والمصطلحات والاختيارات نفسها، مع تقديمها كل مرة أنها تتجاوز سابقاتها، والأمر غير ذلك (الميثاق، الكتاب الأبيض، البرنامج الاستعجالي، الرؤية الاستراتيجية). إنها وثائق تعبر عن إعادة إنتاج الفشل، وتعبر على أن المساهمين فيها لا يمتلكون الكفايات المعرفية والاستراتيجية والبيداغوجية للتفكير في أزمة المدرسة المغربية، إنهم يتوزعون بين أطر تقنية تستنسخ تجارب الآخر دون القدرة على طرح إمكانات التبيئة، وبين شخصيات قادمة من عالم الحزبية والنقابية بمبرر التمثيلية والتوافق في قطاع يحتاج إلى الحسم في الاختيارات الكبرى وليس التوافق بين غير المؤهلين لفهم تعقيدات آفاق التعليم في عالم يتطور بسرعة.

الجواب الوحيد الواضح عند الدولة، هو تأهيل قطاع التكوين المهني لتهيئة يد عاملة يمكن أن تغري الشركات الكبرى عالميا للاستثمار في البلد.. غير ذلك هناك تخبط، ورؤية للمدرسة على أنها عبء.

إذن، ما جدوى الإصلاحات المتتالية؟ أين يكمن مشكل عدم نجاعتها؟

إن فشل الإصلاحات المتتالية هو نتاج لمقدمات كثيرة، أنتجت وضعا مركبا، بمتدخلين متعددين لا يمتلكون المنظور عينه. وفي هذه الإصلاحات يجب التمييز ما بين زمن ما قبل الميثاق الوطني وما بعده، لأن الميثاق كان لحظة فارقة لم ينتبه لها كثيرون، ففي تلك الوثيقة تم التجرأ على مجموعة من المرجعيات التي كانت تعد من الثوابت  التأسيسية فيما سبق، عبر مجموعة من الإجراءات، من قبيل إعادة تعريف المجانية (مساهمة الأسر)، وإعادة النظر في التعريب من خلال لغات التدريس، والحسم في التدريس بالكفايات دون تملك تصور لأجرأتها، وخلق ممرات في التعليم الجامعي بناء على التفوق في البكالوريا أو التوفر على إمكانات مادية، مما سيجعل التعليم العالي منقسما إلى كليات مفتوحة، وأخرى محدودة الاستقطاب، سواء في الكليات العمومية أو الخاصة. وإحداث الأكاديميات الجهوية، وبدء الحديث عن التوظيف بالعقدة، ووضع استراتيجية مساهمة القطاع الخاص في الوصول لهدف استقطابه لـ 20% من مجموع التلاميذ. هذه الاختيارات الكبرى هي نفسها التي يجري إعادة إنتاجها في كل الوثائق اللاحقة مع تعديلات تمس المصطلح دون ماهيته (استبدال مثلا الدعامة بالمرتكز)، وبالتالي فبعد 20 سنة من وثيقة الميثاق لازلنا نراوح مكاننا، ولازلنا غير قادرين على إنتاج وثيقة واحدة تأسيسية تنطلق من نقد صارم وعلمي لهذه العشرينية.. كل ما يتم الآن، هو توافقات بئيسة أحيانا، ومفروضة أحيانا أخرى، وإجراءات تجري أحيانا في التعليم العالي، وأحيانا في سلك واحد من التعليم المدرسي دون وجود استراتيجية واضحة تجعل كل هذه الإجراءات مرتبطة بسيرورة جدلية بين التعليم العالي والتعليم المدرسي.. لنعط مثالا بسيطا، ما أثر التغييرات الأخيرة التي مست منهاج التعليم الابتدائي في كل أسلاكه على التعليم الإعدادي والتأهيلي؟

حاليا، مع أزمة كورونا، كيف يمكن للمنظومة التعليمية بالمغرب أن تتحمل هذه الظرفية الاستثنائية؟

حتى نكون منصفين، نحن أمام ظرفية استثنائية لم يكن يتوقعها أحد، وبالتالي، فنحن في مرحلة تدبير أزمة من أجل التقليل من الخسائر، وهذا في رأيي يقتضي الاستماتة في تأمين ما أمكن من التعليم الحضوري، ولو في حدوده الدنيا، وعدم الارتكان بسرعة لحل التعليم عن بعد، يجب أن ينتبه الجميع أن تكلفة غياب التلاميذ عن المؤسسات التعليمية لأزيد من ستة أشهر له تكلفة باهظة جدا، سواء على مستوى بناء التعلمات، أو مستوى الصحة النفسية، أو على مستوى انتظام حلقات التمدرس، خصوصا في بلد كالمغرب أثبتت التقويمات الدولية هشاشة نظامه التعليمي وضعف مكتسبات تلامذته، بالنظر إلى المعدلات الدولية، وبالتالي، فاستدامة التعليم عن بعد في ظل خصاص الأسر ماديا وثقافيا، وعدم قدرتها على مواكبة دراسة أبنائها بالمنزل، سيعمق الفوارق أكثر بين مستويات التلاميذ المغاربة والمستوى الدولي، خصوصا في التعلمات الأساس المرتبطة بالقراءة والكتابة والحساب، لا أحد ينتبه أن مئات الآلاف من الأطفال هم خارج التعليم الأولي اليوم.

أعتقد أن الهم الأساس الذي يجب أن تشتغل عليه وزارات المالية والتعليم والداخلية والصحة هو تأمين التعليم الحضوري ما أمكن، وتعبئة الجميع ولو تطلب الأمر فرض ضريبة استثنائية على الثروة خلال الجائحة (« مادامت النية غير معقودة على تضريب الثروات).

وإذا لا قدر الله لم ننجح في هذا الرهان، فستنتظرنا فترات صعبة بعد عودة الحالة الطبيعية، إذ سنجد أنفسنا أما البحث عن جواب لسؤال: ما المناهج والإيقاعات التربوية، وحكامة تدبير زمن التعلم والبيداغوجيات الفارقية والإدماجية الكفيلة بتأهيل أكثر من ثمانية مليون متعلم للعودة إلى الإيقاع البيداغوجي والمعرفي والمنهجي والتواصلي المحايث للمستوى الدراسي لكل واحد؟

شارك المقال