أعاد الجدل حول الدخول المدرسي في سياق فيروس كورونا المدرسة إلى واجهة النقاش العمومي. الارتباك الذي حصل في تدبير النموذج التربوي لسنة دراسية تبدو استثنائية، كشف مرة أخرى عن أوجه القصور البنيوي الذي يعاني منه قطاع التعليم. لقد عرت الجائحة عن حجم الخصاص في البنيات والتجهيزات، وكشف عن المسافة القائمة بين خطاب صانعي القرار المركزي وبين البنيات التنفيذية في الأسفل، وهو البون الذي يزكي الاعتقاد السائد حول العلاقة المتوترة بين الخطاب الذي يروم الدعاية والتجميل، وبين الواقع الذي يكشف باستمرار عن حجم النقائص التي مافتئت تتسع.
أقوى الأمثلة على ذلك الدعاية التي قام بها الوزير الوصي على القطاع حول وجود بروتوكول صحي قادر على تأمين دخول مدرسي آمن من الفيروس الفتاك، بينما الواقع المدرسي يكشف أن البنيات التحتية التعليمية غير مؤهلة أصلا لكي تستقبل الإجراءات والتدابير المتخذة في البروتوكول، فكيف يمكن لمدارس عارية من كل التجهيزات الضرورية مثل الماء والكهرباء، علاوة على الإنترنيت أن تشكل بنية مناسبة للحد من الوباء، ومنع تحول المدارس إلى بؤر قاتلة لملايين التلاميذ، ومن ورائهم أسرهم وعائلاتهم.
لقد أنفق على التعليم آلاف الملايير خلال العقدين الأخيرين، واستهلك البرنامج الاستعجالي خلال الفترة ما بين 2009 و2012 مثلا، أزيد من 32 مليار درهم، كان يفترض أن توجه نحو تأهيل المدارس، لكن لا شيء من ذلك تحقق على النحو المطلوب. وبحسب تقرير لمنظمة « اليونيسيف »، فإن ثلث المدارس في المغرب بدون صرف صحي، و20 في المائة بدون ماء صالح للشرب، علما أن هذه الأرقام نسبية ولا تعكس كل الحقيقة، فكم من المدارس مثلا تتوفر على ربط بالماء، لكن لا يعني أن الماء متوفر باستمرار، وكم من المدارس تتوفر على ربط بالكهرباء، لكن لا يعني أن الكهرباء متوفر باستمرار، وهو الواقع التي يسوء أكثر كلما ابتعدنا من مركز المدن نحو البوادي والجبال.
لا ريب أن جائحة كورونا قد كشفت أن البنيات التحتية لقطاع التعليم ليست في المستوى الذي يجعلها قادرة على مواجهة الجوائح والأزمات، ولهذا كثيرا ما تلقت أسرة التعليم، خصوصا الأساتذة، كلام الوزير الوصي ومساعديه، بكثير من السخرية، التي تكشف أن الخطاب الرسمي يكاد يكون منفصلا عن الواقع الحقيقي للتعليم، وهو أحد أوجه أزمة المدرسة المغربية التي تضرب عميقا في العقود الماضية، وتنضاف إلى التوترات القائمة في القطاع.
بين الخطاب والواقع
يثير الخطاب الرسمي حول الدخول التعليمي في ظل جائحة كورونا جدلا باستمرار، فالوزير الوصي يبدو كما لو أنه يتحدث عن واقع غير الذي يعانيه الأستاذ والتلميذ، خصوصا حين زعم أن الدخول المدرسي سيكون عاديا، رغم تفشي الجائحة، وقد شجع ذلك الأسر على اختيار التعليم الحضوري بنسبة 80 في المائة، لكن تصريحاته المطمئنة تلك سرعان ما تساقطت كأوراق الخريف بمجرد افتتاح المدارس، لتقرر وزارة الداخلية الإغلاق، وتتدارك بذلك ما فات وزارة التربية الوطنية أن تنتبه إليه وتأخذه بعين الاعتبار.
الارتباك في أداء الوزارة الوصية تجلى أيضا في عدم حسمها في النموذج التربوي الذي ينبغي اعتماده، وبحسب عزيز لعويسي، كاتب مهتم بالتربية والتعليم، فإن عدم حسم الوزارة في النموذج التربوي « قد نجد له هامشا من التفهم والتبرير، اعتبارا لتطورات الحالة الوبائية في ظل ما بات يسجل من أرقام قياسية ومن مؤشرات مثيرة للخوف والقلق، تصعب من مأمورية اتخاذ القرار التربوي المناسب »، مؤكدا أن هذه الحالة تضع الوزارة الوصية أمام ثلاثة سيناريوهات أو نماذج تربوية محتملة: الأول يتعلق بالتعليم « الحضوري »، والثاني يتعلق بالتعليم « عن بعد »، فيما يتعلق الثالث بالاعتماد على « التعليم المدمج » (حضوري، عن بعد). وهو الثالوث الذي يزيد، بحسب لعويسي، من ضبابية المشهد وغموض الرؤية ويقوي الإحساس بالقلق والترقب والتوجس والانتظار لذى الرأي العام التعليمي والوطني، كما يقوي من مشروعية التساؤل حول سبل تدبير وأجرأة خيار « التعليم عن بعد » في حالة اعتماده بشكل كلي، أو في حالة تبنيـه بالتناوب مع « التعليم الحضوري »، بشكل يجعله مثار قلق بالنسبة إلى آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، ومصدر ترقب وتوجس بالنسبة إلى الأطر التربوية والإدارية، في غياب تصور واضح بخصوص ما يتطلبه من وسائل وشروط وضوابط قانونية وتخطيطية وتدبيرية وتقويمية.
الانفصال بين الخطاب والواقع في قطاع التعليم ليس جديدا، بل يكاد يكون بنيويا، وقد سبق وأن رصد عالم الاجتماع الراحل، محمد العيادي، ذلك بدقة مشهودة. يؤكد العيادي كيف أن النموذج المدرسي المغربي مثلا، الذي أقامته دولة الاستقلال ولم يكن قائما في عهد الحماية، يقوم على مبدأين: الأول، هو مبدأ تدرج المعرفة، أي الأخذ بمبدأ التدرج المعرفي والذهني والنمو النفسي للطفل والمراهق، وذلك هو ما يفسر تدريس مواد ومعارف معينة في بداية المسار الدراسي وبعضها الآخر في نهايته. المبدأ الثاني، هو الانتقاء، وآليته الأساسية هي الامتحان، لكن العيادي لاحظ أن الامتحان لم يكن دوما هو الآلية الحاسمة، لأن الأمر يخضع لما تقرره الإدارة من اعتبارات، تفرضها إكراهات مادية أو سياسية، وهي اعتبارات لا علاقة لها بالاعتبارات التربوية ولا المعرفية. بمعنى آخر، فإن الهالة التي تحيط بها السلطة التعليمية الامتحانات تبقى مجرد خطاب، بينما الواقع شيء آخر، فالامتحان ليس هو الآلية الوحيدة التي يتم بها الانتقاء من طور إلى طور تعليمي آخر.
العيادي توقف، أيضا، عند عملية تلقين المعرفة في المدرسة المغربية، ولاحظ أن الخطاب الرسمي كثيرا مع يركز على الانفتاح والجودة، لكن الواقع شيء آخر. إن تلقين المعرفة يتطلب مدرسين جيدين، لكن انتشار الغش في الامتحانات يؤكد أن منتوج المدرسة غير صالح. بمعنى آخر، إذا كانت المبادئ التي يمكن الاتفاق عليها، فإن الاختلالات تكمن في كيفية تلقين المعرفة وفي الملقنين وآليات الانتقاء.
يظهر الانفصال، كذلك، عندما نتناول ديمقراطية التعليم، إذ يرى العيادي أن الدولة تبنت خلال العقدين الماضيين، مبدأ التعميم، لكن السؤال هو: هل تعميم التعليم يعني المساواة في التعليم؟
في بداية الاستقلال، كان جميع الأطفال أو الغالبية المطلقة منهم تنحدر من أوساط غير متمدرسة على وجه العموم، وبالتالي، كان هناك نوع من المساواة بين هؤلاء الأطفال أمام التعليم المدرسي. لكن الأمر لم يعد، كذلك، اليوم، إذ هناك لامساواة بين الأطفال أخذا بعين الاعتبار انتماءهم الاجتماعي والثقافي والطبقي، ومن ثم صار التعميم لا يعني المساواة، بل يعني تركيز وإعادة إنتاج اللامساواة التي يلعب فيها المستوى الاقتصادي والانتماء الاجتماعي والثقافي دورا أساسيا .
هناك باستمرار هوة سحيقة بين الخطابات المدرسة الرسمية وما ينتج عنها من دوريات ومذكرات، بما فيها المقدمات التي نجدها في المؤلفات المدرسية، والتي تدعو إلى ما جرى تداوله حول الفكر النقدي والإبداع والانفتاح، وبين الواقع الفعلي للعملية التعليمية التي يدينها الجميع، وهذا يطرح مسألة أجرأة المبادئ المتفق عليها. فكل المشاريع الإصلاحية بقيت حبرا على ورق، وهو ما يفسر القطيعة الموجودة بين صانعي السياسة التعليمية وبين المنفذين للعملية التعليمية.
ولذلك عند أول اصطدام حقيقي ومعلن، يحدث أن يركز الخطاب الرسمي على التلميذ وضعف مستواه، لكن يجري تجاهل أن التلميذ هو نتاج منظومة تعليمية تشكو مع ضعف عام، وعلى سبيل المثال كثيرا ما تركز التقارير الرسمية على الضعف اللغوي مثلا لدى التلاميذ، لكن التقارير عينها لا توفر أدنى معطى حول المستوى اللغوي لدى المدرسين، أي الأساتذة، بل تتعمد السكون والتجاهل، لأن الحقائق قد تدين الوزارة الوصية كونها توظف في القطاع من ليسوا مؤهلين للتدريس بأي لغة كانت.
جذور الأزمة
تعود جذور أزمة المدرسة والجامعة، أي قصورها عن النهوض بوظيفتها التربوية والمعرفية والإدماجية أساسا، إلى مقاربات إصلاحية فاشلة تلاحقت دون أن تستطيع وقف الاندحار بالمدرسة عن القيام بوظائفها المذكورة، وقد جرى تشخيص تلك المقاربات من قبل أكثر من مثقف متخصص، ويمكن الإشارة إلى ثلاث قراءات في هذا الصدد:
القراءة الأولى اعتبرت أن الخلل نشأ في المدرسة وتطور بسبب تحويلها إلى فضاء للصراع السياسي بين نظام الملك الراحل الحسن الثاني ومعارضيه من أحزاب الحركة الوطنية. حسن أوريد، المفكر والأستاذ الجامعي، رصد مظاهر لهذا الصراع في كتابه: « من أجل ثورة ثقافية »، حيث واجه خصومه السياسيين، وهم مثقفون ومفرنسون وخريجو المدرسة المغربية بعد الاستقلال، بإحياء التقليد من خلال تدريس الدين الإسلامي وتعميم الكتاتيب القرآنية في الوقت الذي لجأ فيه إلى التضييق على الفلسفة، فخلق معركة وهمية بين الدين والفلسفة لم تبرأ المدرسة منها إلى اليوم، كما اختار دعم خيار التعريب ضد الفرنسية محاربا خيار الازدواجية اللغوية في التعليم، فاختلق بذلك معركة وهمية ثانية لازالت مستمرة إلى اليوم، بعدما غذّاها الخطاب الهوياتي المنغلق.
أورد حسن أوريد في كتابه: « الإسلام السياسي في الميزان » قصة طريفة تكشف كيف وظّف الملك الحسن الثاني التعليم في الصراع السياسي، فروى على لسان الأكاديمي ورجل التربية، محمد شفيق، أنه لمّا عيّنه الملك خبيرا في الديوان الملكي سنة 1968 كلفه بإعداد تقرير تقني عن القيمة البيداغوجية للتعليم في الكتاتيب القرآنية. وأنهى شفيق تقريره بخلاصة مفادها أن « التعليم في الكتاتيب القرآنية هو أساس تخلفنا الحضاري »، فاندهش المدير العام للديوان الملكي إدريس المحمدي، وسأل شفيق إن كان يريد تقديم التقرير للملك بذات الخلاصة، فرد شفيق متشبثا برأيه. وبعد أسبوع يقول شفيق « نادى عليّ السيد المحمدي وحينما غشيت مكتبه، لجّ في الضحك، وأخبرني أن جلالة الملك يأمرني بأن أحرر مذكرة إلى وزير التربية الوطنية أطلب منه تعميم تدريس الكتاتيب القرآنية في كافة ربوع التراب الوطني ».
القراءة الثانية تعتبر أن الخلل في المدرسة المغربية يرجع إلى كونها باتت فضاء لترسيخ « التنافر القيمي » بين مرجعيات قيمية متعارضة. ذلك أن الخروج من مرحلة الصراع السياسي بين نظام الحسن الثاني ومعارضيه إلى رحاب التوافق السياسي قد انعكس على وظيفة المدرسة أيضا. في هذا السياق، يرى محمد الصغير جنجار في دراسته: « حدود الاختيار التوافقي وانعكاساته على منظومة القيم في المدرسة المغربية (مجلة المدرسة المغربية)، أن المجتمع المغربي، مثل غيره من المجتمعات، يعيش مفارقة وتفاوتا بين ديناميتين: دينامية التحديث (البنيات، القوانين، المؤسسات..) ودينامية الحداثة باعتبارها تمس أساسا الفكر والتمثلات والقيم والعقليات. ويرى جنجار أن وظيفة المدرسة في هذا الإطار هي « إنتاج التناسق القيمي ». فالمدرسة مثل الجيش والإدارة الحديثة من إبداعات الدولة-الأمة، دورها « تركيب وبناء المجتمع الحديث ». لكنها في المغرب يبدو دورها مخالفا للفلسفة التي أطرت نشأتها الأولى.
ففي رأي جنجار كل « متفحص للنصوص المرجعية الحديثة للمنظومة التربوية المغربية (الميثاق الوطني للتربية والتكوين مثلا) أو المناهج والكتب المدرسية المعمول بها، لن يجد عناء في القول بأن المنظومة التربوية المغربية تقبل بالنسبية المعيارية وتعتمدها كخيط رابط بين كل ما تقدمه من قيم لرواد المدرسة ». وإذا كان الخطاب الرسمي والإعلامي يكرر أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين هو « ثمرة توافق وطني »، فمعنى ذلك في رأي جنجار « اختيار نقل التنافر الطبيعي القائم معياريا في المجتمع، أي تنازع القيم، إلى قلب المؤسسة التربوية، ومن ثم تصبح المدرسة مرآة تعكس تناقضات المجتمع ».
القراءة الثالثة، ترى أن استفحال الأزمة حاليا يعود إلى هيمنة التكنوقراط على السياسة التعليمية. ذلك أنه خلال منتصف التسعينيات، صدر التقرير الشهير للبنك الدولي الذي خلص إلى أن التعليم في أزمة بنيوية، وقد ترتب على ذلك تشكيل لجنة ملكية لإصلاح التعليم سنة 1998 كان من نتائج عملها وضع الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 2000، لتبدأ دينامية جديدة شعارها الرئيس: إبعاد السياسة عن التعليم لصالح التكنوقراط. وهي المرحلة التي ساد فيها خطاب رقمي، ينتصر إلى الكم على حساب الكيف، وإلى الشكل على حساب المضمون، ومن نتائج ذلك أنه في الوقت الذي اتسع تعميم التعليم مثلا انخفضت جودته، فارتفع الهدر المدرسي وسط التلاميذ، مثلما ارتفعت البطالة وسط خريجي الجامعات، وهي المظاهر التي لم تتمكن الإصلاحات المتتالية منذ بداية العشرية الأولى (الميثاق، المخطط الاستعجالي..) من معالجتها أو وضع الأسس الكفيلة بذلك.
يتكلم التكنوقراطي لغة الأرقام، ويفكر في المدرسة كأي مقاولة يجب أن تحقق أرباحا، بعيدا عن محيطها الثقافي والسياسي والاجتماعي. يعتقد أنه يملك الحل، لكن يسقط من حيث لا يدري في منطق السوق، لذلك تراه ينخرط بقوة في الترويج لشعار « ملاءمة التكوين مع سوق الشغل ». تقف الكاتبة « مرتا نوسبوم » في كتابها: « لا من أجل الربح » عند هذه الظاهرة، أي هيمنة منطق السوق على التعليم من شأنه إبعاد الأخير عن مهمته، أي تزويد التلميذ بالقدرات الضرورية التي تجعل الديمقراطية نظاما حيا. وهكذا ينتج التعليم آلات نفعية عوض أن ينتج مواطنين مكتملين.
تلخص القراءات الثلاث أطوار السياسة التعليمية، بحيث تعاقبت على تدبير المدرسة المغربية ثلاث مقاربات لم تفلح في معالجة الداء، أي رفع العوائق والحواجز التي تحول دون قيام المدرسة بوظيفتها المجتمعية.
وفي تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2018، توصل إلى خلاصات لا يبدو أن القوى المهنية والرسمية والنقابية الممثلة في المجلس لديها حولها أدنى خلاف، إذ شدد أن قطـاع التربيـة والتعليـم لا يزال يُعانـي مـن أوجـه قصـور بنيويـة، وأن المدرسة المغربية بـات ينظـر إليها بشـكل متزايـد علـى أنهـا أحـد العوامـل الرئيسـية التـي تسـاهم فـي تفاقـم الفـوارق الاجتماعيـة.
توترات تكبح المدرسة
يمكن القول استنادا إلى دراسة للبنك الدولي حول « توقعات وتطلعات: إطار جديد للتعليم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا » (2018) إن المدرسة المغربية اليوم تعاني من توترات تكبحها عن التقدم، إذ لاحظت الوثيقة أن البلدان في المنطقة، ومنها المغرب، تأخرت كثيرا في « تفعيل الاستثمارات الذكية والفعالية في أغلى الأصول لديها، وهو شعوبها وشبابها ». وسجل معدو التقرير أن عملية التعليم في المنطقة تعاني من أربع مجموعات من التوترات والتجاذبات تتمثل في: التوتر بين الشهادات والمهارات، التوتر بين الانضباط والاستعلام، وبين السيطرة والاستقلالية، ثم بين التقليد والحداثة. وقد شكلت هذه التوترات عائقا أمام تطور التعليم وتهيئة الطلاب للمستقبل، رغم تفاوتها من بلد إلى آخر.
فالتوتر بين الشهادات والمهارات، يتجلى في كون الشهادة عادة ما تكون في شكل درجة علمية أو دبلوم مرتبط باكتساب مجموعة محددة من المهارات والمعارف، وتعتبر في سوق العمل دلالة على الإنتاجية، بناء على افتراض مفاده أن سنوات تعليمية أطول تعني مستويات إنتاجية أعلى، ولذلك كان التوظيف في القطاع العام مضمونا تاريخيا في كل بلدان المنطقة، وهكذا صار اكتساب شهادة بمثابة إنجاز نظري يقدّر أكثر من اكتساب المهارات، وأصبحت العلاقة بين الشهادات والمهارات نتيجة لذلك في الشرق الأوسط ضئيلة أو معدومة. وتبقى دول المنطقة عالقة في « توازن مبني على الشهادات »، حيث يؤدي ضعف الطلب على المهارات وقوة الطلب على الشهادات في سوق العمل إلى حث الأسر على مطالبة نظام التعليم بالشهادات أكثر من المطالبة بالمهارات، وبدوره، يستجيب نظام التعليم لمطالبها من خلال توفير الشهادات..
أما التوتر بين الانضباط والاستعلام، فقد رصدته الوثيقة في كون الانضباط يضمن التقيد بالأعراف في المجتمعات التي تتسم بأعراف اجتماعية قوية، وترتبط مفاهيم الانضباط والاستعلام ارتباطا وثيقا بطرق التعليم والمناهج الدراسية، وبالتفاعلات اليومية داخل المدارس والفصول الدراسية بين الإداريين والأساتذة والتلاميذ، ويؤدي التركيز المفرط على الانضباط إلى شيوع الحفظ والتعلم السلبي، حيث تعتمد المناهج على الحفظ والتلقين، ولا يترك سوى وقت ضئيل لتنمية التفكير النقدي لدى التلميذ. وعلى الرغم من أهمية الانضباط، فإن زيادته عن اللزوم قد يقيد الطلاب على التعلم، أو التفكير، أو استكشاف الأفكار، أو التساؤل عن المفاهيم. ولعل انتشار الانضباط يكون على حساب الاستعلام، هذا الأخير يعزز علاقة التلميذ بمحيطه، ويساعد على وضع المفاهيم في سياقها المناسب، عن طريق الأسئلة والتجارب، وبناء المهارات التي يجب إتقانها خلال الحياة.
يتمثل التوتر الثالث في التنازع بين السيطرة والاستقلالية، ويقصد بذلك التوتر بين السلطات المركزية والسلطات المحلية، أي بين الوزارة والأكاديميات والمدارس أو الجامعة، وإذا كانت بعض الدول، ومنها المغرب، اختارت التوجه نحو اللامركزية في قطاع التعليم، فـإنه لم يمكن المؤسسات اللامركزية من القدرات والموارد اللازمة التي تساعد على تكريس هذا التوجه بشكل نهائي.
ويشكل التوتر بين التقليد والحداثة أحد التوترات التقليدية كذلك، كونه يُمثل التحدي الأكبر في المواءمة بين الاحتياجات التنموية للعالم الحديث، مع الواجبات السلوكية في المجتمع الديني.
يرى البنك الدولي أن تحقيق تقدم في إصلاح التعليم يتطلب معالجة التوترات الأربعة، وإنشاء نظام تعليمي مثمر وناجح، ويكون هذا النظام حديثا ومرنا، ويعتمد النهج الحديث من أجل اكتساب الشباب للمهارات التي يحتاجون إليها، ولإنشاء هذا النموذج لا بد من اعتماد إطار جديد للتعليم.
تعكس هذه التوترات أزمة خيارات سياسية في قطاع التعليم، ومهما كانت التعبيرات المستعملة في التوصيف، إلا أن الأزمة أصبح واقع، وبحسب المفكر محمد سبيلا في مقالة له حول « أزمة المدرسة والجامعة »، فإنه « لم يعد يخفى على أحد اليوم أن منظومتنا التعليمية تعاني من العديد من المشاكل الحادة، كميا وكيفا بنيويا ومضمونا تجعلها تعيش وضعية أزمة »، مؤكدا أن « كلمة أزمة يجب أن تؤخذ هنا لا في معناها التراجيدي أو الكارثي، بل بمعناها الوظيفي أي بمعنى أن هناك اختلالات كبيرة في أداء المدرسة لدورها وللوظائف الموكولة إليها من طرف المجتمع ». وأن هذه « الصورة السلبية تنتشر اليوم في مجتمعنا، يعرفها الجمهور كما تشهد بها النخب، وذلك بسبب العلامات والمؤشرات السلبية والمشاكل التي يعاني منها نظامنا التعليمي ».