فسحة الصيف.. تاريخ المرض من الشيح إلى التلقيح- الحلقة الثانية

25 سبتمبر 2020 - 07:00

محمد حبيدة

كانت المارستانات قد تدهورت تدهورا كبيرا، وكانت المعارف الطبية العربية قد تراجعت كثيرا، ولم يبق بالساحة سوى المشعوذين والدجالين. ولم تعد تنفع الكتب الطبية والصيدلانية، على أهميتها، مثل حديقة الأزهار في شرح ماهية العشب والعقار، لصاحبها أبو القاسم الغسّاني، مثلا، في مواجهة الأمراض والأوبئة الكثيرة والمتكررة، حتى أن الأمراء والسلاطين صاروا يلجؤون لخدمات الأطباء الأجانب، مثل ويليام لامبريار، طبيب الأمير المولى عبدالسلام بن السلطان محمد الثالث، في نهاية القرن الثامن عشر، وفيرناند ليناريس طبيب السلطان الحسن الأول، في نهاية القرن التاسع عشر. هذا في وقت كانت فيه الأوبئة قد بلغت درجة فظيعة من العدوى وتسببت في قتل خلق كثير. فالكوليرا التي ضربت المغرب عام 1834، قادمة إليه من أوروبا بحكم الاتصالات التجارية مع بلدانها، كانت أعراضها خطيرة، بحسب هذه الشهادة الإخبارية التي ذكرها محمد الأمين البزاز، في كتابه “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب”: “هو ريح ما سمعوا به، قاتل من حينه، ويسمونه عندنا في المغرب بأسماء الكوليرا والريح الأصفر وبوقليب.. إذا أصاب الرجل تغير لونه واسود جفن عينه ويجعله يقيء من أعلى ويسهل من أسفله، ومن الناس من يشتكي مع ما ذُكر وجع رجليه ويموت في الحين”.

ومعلوم أن هذه اللوحة الصحية السوداء، التي ترسمها النصوص المحلية والأجنبية على السواء، لا تخص المغرب وحده. فالأمر يتعلق بكل المجتمعات البشرية التي لم تكن قد ولجت بعدُ عالم الحداثة وأدواتها العلمية والعقلانية، في بلدان إفريقيا وآسيا، التي عانت قبل التحولات الصناعية المرتبطة باتساع الحركة الاستعمارية، من الكثير من الأمراض والأوبئة، بسبب الظروف البيئية وقلة النظافة. حتى أوروبا، التي كانت قد اتسعت فيها دائرة الثورة الصناعية والعلمية في القرن التاسع عشر، عانت من الأوبئة خلال هذا القرن، ولا سيما الكوليرا التي ضربت بلدانها في أعوام 1830-1832، 1854، 1884، ولم تتحسن أحوالها الصحية إلا بفضل المنهج الباستوري والملاحظة المبنِيَّة على المجهر والتحليلات الطبية، التي أبانت، ابتداء من نهاية القرن المذكور وبداية القرن الموالي، عن فعاليتها الهائلة في معالجة هذه المشاكل، حيث تعددت التجارب السريرية، والمؤتمرات الصحية الدولية التي انعقدت في كبريات المدن الأوروبية، والمجلات المتخصصة، والتجهيزات الصحية، التي جعلت من الطب مؤسسةً قائمة على البحث العلمي، وأداةً من أدوات تفوق الغرب على باقي العالم.

 وفي فصول موالية، يعرض بوجمعة رويان النظام الباتولوجي للأمراض والأوبئة، الذي واجهه الطب الكولونيالي الحديث قصد تدبير البلاد والأهالي تدبيرا يتلاءم ومصلحة إدارة الحماية. فقد عانى المغرب من أمراض التيفوس، والطاعون، والجدري، والملاريا، والزهري، والسُّل، التي كانت تتسبب في نزيف ديموغرافي كبير، وفي بعض الأحيان في إبادة قرى وأحياء حضرية بالكامل. لنضع مرضا من هذه الأمراض تحت المجهر: التيفوس الذي ضرب الناس على نحو متقطع ما بين 1911 و1928. لقد تفشَى هذا المرض بسبب القمل. كان “ينتشر هذا المرض، يقول الباحث، نتيجة لسعات القمل دون غيره، ذلك أن القملة إذا لسعت شخصا تركت بعض القاذورات حول المكان الملسوع، فإذا حك الإنسان ذلك المكان فتح بأظافره خدوشا في الجلد تسهل على الميكروبات الموجودة بتلك القاذورات التسرب إلى جسمه فيصبح مصابا بالتيفوس”. ثم تنتشر العدوى، فيكثر المرضى ويتساقط الموتى. كان أحد المغامرين الفرنسيين، وهو يتجول بالدار البيضاء عام 1913 قد اندهش مما انتشر في أرجاء فندق من فنادق المدينة “من روائح البول والبراز”، ومما رآه في فناء ذلك الفندق: “ثلاثون شخصا بأسمالهم الرثة منطرحين على حصائر قذرة، يجأرون إلى ربهم من وطأة المرض”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.