يراهن جون نكينجاسونج، مدير المركز الإفريقي للمراقبة والوقاية من الإمراض، على التنسيق بين الدول، وتحضير استراتيجية مشتركة تضمن الحصول على اللقاح. ينكب هذا الباحث على إنقاذ قارة تجاوز عدد الإصابات فيها 1.4 مليون إصابة و36 ألف هالك. ورغم أن عدد الإصابات والوفيات يبدو منخفضا مقارنة بمناطق أخرى، فإن نكينجاسونج يدعو إلى الحذر في ظل خطورة الفيروس. يقضي هذا العالم، البالغ من العمر 61 عاما والمزداد بالكاميرون، حياته اليومية ينتقل من اجتماع افتراضي إلى آخر. لا يخفي ارتياحه لانخفاض معدل انتشار الفيروس في القارة، لكنه حذر دائما. وفي هذا يقول: «لا يمكن الحديث عن كوفيد-19 باستعمال أفعال مصرفة في الماضي. نحن أمام فيروس خطير». هدفه الرئيس، والذي تحول إلى مصدر قلق له، منذ يناير الماضي، هو ربح المعركة ضد الفيروس من خلال العمل الجماعي. لذلك، يؤكد قائلا: «الطريقة الوحيدة لكي لا نكون عرضة للخطر هي التعاون والتنسيق في ما بين بلدان قارتنا الإفريقية، وليس أن تعمل البلدان منفردة».
لماذا تلح كثيرا على التعاون بين الأمم الإفريقية؟
نعرف جميعا اليوم أن هذا الفيروس يتحرك بسرعة وينتشر بسهولة. ندرك أنه يهددنا. وإذا بقي النزر اليسير من الفيروس في منطقة ما، فإنه سيتحول إلى تهديد للبلد برمته، وسيجعلنا مهددين جميعا. لهذا، يجب أن نعي أن أفضل طريقة لمحاربته هي أن نتواصل في ما بيننا. في الحقيقة، نحن نتواصل اليوم بشكل جيد، وننسق في ما بيننا بطريقة أفضل، ونتعاون بشكل أفضل. وهذا أساسي من أجل محاربة الجائحة.
ما هي التدابير التي تعملون عليها معا بالضبط؟
التدبير الرئيس هو عبارة عن استراتيجية مشتركة تُنسقها الحكومات (الإفريقية)، وبالضبط حكومة سيريل رامافوزا (رئيس جنوب إفريقيا) من موقعه رئيسا للاتحاد الإفريقي. أما التدبير الثاني الأكثر قوة، فهو مجموعة العمل التي تضم أخصائيين من كافة أرجاء القارة، كما نجتمع (عن بعد) كل أسبوع، بالضبط، كل يوم ثلاثاء حوالي الساعة الرابعة بعد الزوال. نجتمع، افتراضيا، من أجل تحديد استراتيجيات جديدة واعتمادها، مع أخذ تطورها بعين الاعتبار. واستنادا إلى ذلك، أنشأنا اليوم منصة مشتركة تشتغل كأمزون أو علي بابا، حيث يمكن الحصول على المعدات والآلات من أجل محاربة الجائحة. هذه المنصة نموذج للزمالة في القطاع الخاص. ويبقى المبتغى هو نشر القدرة على تشخيص الفيروس على نطاق واسع.
برأيك، هل هذا الاتحاد هو الذي يقف وراء الأرقام المنخفضة في القارة من حيث عدد الإصابات والوفيات؟
بعد ثمانية أشهر، منذ تسجيل أول حالة، يمكننا أن نؤكد جازمين بأن الإجراءات التي اتخذناها بسرعة أبطأت انتشار الفيروس. لقد كانت هناك دول إفريقية بالكاد سُجلت فيها حالتان أو ثلاث وفرضت الحجر الصحي، فيما لجأت دول أخرى إلى الحجر الصحي في مناسبتين. كانت ستكون لدينا اليوم ملايين الإصابات لو لم نقم بذلك. بفضل رد فعلنا السريع ربحنا الوقت من أجل تنزيل إجراءات الحفاظ على الصحة العامة. في الواقع، لم تكن لدينا، في البداية، القدرة على القيام بأكبر عدد من اختبارات الكشف عن الفيروس، ومع ذلك لايزال لدينا نقص. يتوجب علينا القيام بما يناهز 12 مليون اختبار شهريا، لكن، على الأقل، استطعنا القيام بأزيد من 14 مليون اختبار منذ بداية الجائحة. لقد وُفِّقنا في رد الفعل.
في مداخلتكم عن بعد بمناسبة فوزكم بجائزة جلوبال جولكيبرز (2020 Global Goalkeeper Award) تحدثتم عن أهمية ضمان الولوج إلى اللقاح. هل مشروع «مبادرة كوفاكس» كافٍ (عبارة عن تحالف يضم 172 دولة من أجل ضمان تزويد الدول الأكثر فقرا باللقاح)؟
عيوننا كلها منصبة على هذه المهمة. نثق في آلية كوفاكس، ونرغب في أن تمضي قدما إلى الأمام، لكننا نستكشف سبلا أخرى، مثل التعاقدات المباشرة، أو التفاوض مع شركات صناعة الأدوية من أجل تحقيق هدفنا المتمثل في تحصين وتمنيع 60 في المائة من الساكنة الإفريقية. الشيء الذي يوفره لنا مشروع كوفاكس هو 220 مليون جرعة من اللقاح، وهذا يمثل فقط 20 في المائة من سكان القارة. ونحن الآن نشتغل على هذا الفارق (بين ما هو موجود وما هو ضروري). إذا منحنا اللقاح فقط للأطر الطبية واستمر انتشار الفيروس، سينتهي هذا الأخير إلى تعطيل الاقتصاد وحركة التنقل والحياة الاجتماعية من جديد.
هل تشكل جنوب إفريقيا الاستثناء في هذا التدبير الناجح للجائحة؟ لقد سجلت 600 ألف حالة، أي نصف مجموع الإصابات المسجلة في كل القارة؟
لا. يجب أن نرى في جنوب إفريقيا قصة نجاح. نحن أمام بلد يبلغ تعداد سكانه 60 مليون نسمة. وأؤكد لك أنه لولا الإجراءات المتخذة، كانت ستسجل اليوم ما بين مليونين وثلاثة ملايين إصابة. تجدر الإشارة إلى أن الحالات الأولى سجلت هناك، وبعد ذلك بقليل سجل الارتفاع السريع للإصابات. هكذا أوقفوا كل شيء. لكن، لا يمكن وقف اقتصاد بلد برمته. وعندما سُجلت طفرة في عدد الإصابات، فُرض حجر صحي آخر. وفي الأسابيع الأخيرة، بدأ عدد الإصابات يتراجع بشكل كبير. وهذا هو ما يجب أن ننتبه إليه، وليس عدد الإصابات. والأرقام تظهر أن هناك سياسات جيدة في تدبير الصحة العامة.
هل تستعدون لانهيار محتمل للمنظومة الصحية، أم إن ذلك مستبعد بالنسبة إليكم؟
مشكلتنا الوحيدة هي أنه رغم أن حالات الإصابة ليست مرتفعة لدينا كما كنا نتخيل، إلا أنها تعرقل برامج صحية أخرى لمحاربة السل والسيدا والملاريا مثلا. إنه مشكل سنعانيه، والذي لا يمكننا تركه جانبا. التوجه السائد هو التفكير في أنه لدينا «فقط» 34 ألف هالك، فيما بلغ العدد في العالم مليون هالك. لكن، ليس كهذا يجب النظر إلى الأمور. بجب الإقرار بأنه بسبب كورونا ستكون هناك الكثير من الوفيات المرتبطة بأمراض أخرى. فالجائحة اليوم تلقي بظلالها على باقي الأمراض، وعليه، يجب الانتباه إلى الوفيات الأخرى (غير المرتبطة بكورونا). الشيء الواضح هو أنه لا يمكننا أن نثق أو نكتب تاريخ كوفيد-19 في إفريقيا استنادا إلى الأزمنة الماضية باستعمال أفعال مصرفة في الماضي. بل إن الفيروس سيكون محددا لمستقبلنا. إنه فيروس خطير جدا.