فاعلون يتساءلون: الدعم الثقافي.. ريع لشراء الذمم أو مساعدة على النهوض بالثقافة؟ – اليوم 24
عثمان الفردوس
  • مؤجل 2

    «الوطن أولا».. مذكرات بوستة في الحياة والسياسة

  • إتيان باليبار

    الكتاب توصيف للصراعات داخل الثقافة الواحدة.. «العالم».. مرافعة باليبار حول المواطنة الكونية

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الثقافة في زمن الزوم!

الرئيسية

فاعلون يتساءلون: الدعم الثقافي.. ريع لشراء الذمم أو مساعدة على النهوض بالثقافة؟

 بين الريع والاستحقاق يدور النقاش، هذه الأيام، حول نتائج دعم المشاريع الثقافية التي كشفت عنها الوزارة مؤخرا. جوهر هذا النقاش نابع من استبعاد مشاريع ذات أهمية وجدوى كبيرين، عند البعض، ودعم أخرى صنفها كثيرون في خانة التفاهة والابتذال. وهو نابع أيضا من التباين الكبير بين الأرقام المعلنة. تعود “أخبار اليوم” إلى هذا الموضوع، من وجهات نظر متعددة.

كلما أعلنت وزارة الثقافة عن نتائج دعم المشاريع الثقافية، ترتفع الأصوات مستنكرة تبديد المال العام، أو محتجة ضد اختيار هذا المشروع على حساب ذاك، متهمة مسؤولي الوزارة وأعضاء اللجان بانعدام النزاهة والشفافية، إلخ. فأين تكمن المشكلات التي تؤجج هذه السجالات التي لا تنتهي؟ هل تكمن في عجز الوزارة عن الوصول إلى صيغة مثالية لتنفيذ هذا الدعم؟ أم في المعايير الموضوعة لاختيار اللجان؟ أم في معايير الانتقاء؟ أم مفهوم الدعم نفسه الذي لم يحدد بشكل واضح؟ أم في دفاتر التحملات؟ أم في أهداف وغايات ترتبط بالريع وشراء الذمم وإسكات الأصوات؟

إشكالية مفهوم الدعم

تثار الكثير من المشكلات كلما أعلنت الوزارة عن نتائج دعم هذا المجال أو ذاك. لكن لا تثار، موازاة مع ذلك، الإشكالية الأساس؛ أي تحديد مفهوم الدعم. صحيح أن الوزارة وضعت دفتر تحملات يحدد شروط الترشح للاستفادة من هذا الدعم، وعملت على تطويره مع مرور الدورات، لكنها لم تقدم أبدا تعريفا قانونيا واضحا لمعنى الدعم. من هذا الالتباس ينبع هذا الجمع- عند الكثيرين- بين الدعم باعتباره آلية مشروعة تساعد على إنجاز المشاريع الثقافية والفنية، والريع بوصفه مسلكا للمحسوبية والزبونية، أو لشراء الذمم وإسكات الأصوات المعارضة، إلخ. في هذا السياق، أثار الشاعر عبدالسلام المساوي، في تدوينة نشرها على صفحته، أول أمس، هذه الالتباس بالقول: “حتى يفهم الناس ولا تجرح كرامة الفنانين الحقيقيين، فالمبالغ المقدمة لبعضهم هي دعم لمشاريع فنية تقدموا بها، وليست إكرامية جزافية بسبب كورونا..”

كما ينبه الكاتب والباحث يونس الوكيلي إلى خطورة التحريف الذي يطال طبيعة هذه الآلية ومقاصدها، إذ يقول إن “دعم مشاريع فنية وفق شروط محددة تشرف عليها لجان متخصصة في المجال أمر معتاد في مجال الفن أو الثقافة أو الرياضة أو البحث العلمي… إلخ. كطريقة للرفع من جودة الإنتاج.” ويقول الروائي طارق بكاري بالرأي عينه، حيث يعتبر أن الفنان يحتاج إلى الدعم في الظروف الراهنة، كباقي المتضررين من الجائحة الوبائية. غير أنه يؤاخذ الوزارة على عدم اقترابها من الوسط الفني لتحيين معطياتها، حتى تتمكن من التمييز بين من يستحق ومن لا يستحق. هنا يقول بكاري: “تضم اللائحة أسماء لم نسمع بها من قبل ولا تملك وجودا فنيا ولا قدما راسخة في المجال، إلى جانب وجوه تنتمي إلى زمن آخر خسر رهان العصر وفقد بريقه القديم.”

بين الفن والرداءة

تحيل عبارة: “الفنانون الحقيقيون”، في تدوينة المساوي، ضمنا على وجود ممارسة لا يمكن تصنيفها ضمن خانة الفن، وكذا وجود فئات تنتحل صفة “الفنان” للاستفادة من دعم الدولة. فالسجال الحاد الذي ثار خلال الأيام القليلة الماضية نابع من هذا الإحساس بدعم فئة لا تملك رصيدا فنيا، ولا فهما جيدا للأغنية المغربية، ولا لما ينبغي أن تكون عليه، مقابل إقصاء أصحاب المشاريع الفنية الحقيقية. وقد أشارت الفنانة لطيفة رأفت، في شريطها المبثوث على موقع “يوتيوب”، بحرقة إلى هذه المفارقة الخطيرة.

وإذ يذكر المخرج أمين ناسور أن الدعم يمثل سياسة قطاعية معتمدة منذ حكومة التناوب (1998)، غايتها تقديم إعانات مالية لإنجاز مشاريع ثقافية وفنية، وفق تعاقدات واضحة يحددها دفتر التحملات، فهو يؤكد على أن المشكلة تكمن في هذا الجانب بالضبط. فهو يوضح أن معايير اختيار أعضاء اللجان، وكذا المعايير التي تحددها هذه اللجان لفرز الملفات المرشحة، هي جوهر المشكلة التي تثير هذه السجالات الحادة بين الفنانين على الخصوص. يرى ناسور أنه لو حددت المعايير على هذين المستويين، لما كانت هناك احتجاجات كلما أعلنت الوزارة عن نتائج الدعم.

فعلى سبيل المثال، علمت الجريدة أن بيت الشعر في المغرب تقدم بمشروع سباق وبناء، قوامه إنتاج تلحين قصائد لشعراء مغاربة بمساهمة بعض كبار الملحنين المغاربة. لكن المشروع لم يستفد من الدعم. في هذا السياق، استغرب مراد القادري، رئيس البيت، عدم اختيار المشروع الرائد الذي رشحه البيت للاستفادة من الدعم، حيث اعتبر أن هذا المشروع يروم الرفع من قيمة الأغنية المغربية، من خلال أعمال مشتركة بين شعراء وملحنين وموسيقيين ومطربين، قصد إنتاج أفق جديد لهذه الأغنية. إذ يرتكز هذا المشروع، الذي اقترحه الكاتب محمد اشويكة على البيت، على تلحين قصائد للشعراء محمد بنطلحة ونبيل منصر ومليكة العاصمي ونسيمة الراوي وحسن نجمي وآخرين. وهو يتألف، بحسب القادري، من 120 وثيقة متكاملة، تضم قصائد الشعراء وأسماء الملحنين وكل المواصفات الفنية التي يحتاج إليها كل مشروع من هذا الحجم. ولم يعرف حتى الآن السبب وراء استبعاد اللجنة هذا المشروع، إلا أن القادري كشف لـ”أخبار اليوم” أن البيت سيطعن في النتائج المعلنة، وسيوجه استفسارا في الموضوع إلى اللجنة خلال الأيام القليلة المقبلة.

من الناحية التقنية، لا بد من الإشارة، في هذا الباب، إلى ملاحظتين: أولا، يطرح كثيرون علامات استفهام عديدة حول هذا التفاوت بين مجالات الكتاب والنشر من جهة، ومجالات الموسيقى والغناء. في هذا الصدد، كيف يمكن تفسير أن يحصل الكتاب على دعم لا تتعدى قيمته 10 آلاف درهم، قيمة تكاد تكون عبارة عن صدقة (بحسب أحد مصادرنا في هذا الاستطلاع)، فيما يمكن أن يحظى أي مغن على دعم سخي يتجاوز 100 ألف درهم على أغنية لا تتعدى مدتها ثلاث أو أربع دقائق؟ أما الملاحظة الثانية، فهي تهم المدة الفاصلة بين تاريخ الإعلان عن فتح باب الترشح للدعم وتاريخ الإعلان عن نتائجه، حيث إنها مدة طويلة استغرقت نحو أربعة أشهر، بينما كان يفترض أن تخفف المساطر البيروقراطية، وأن تعلن النتائج بعد أسبوع أو أسبوعين من تاريخ إغلاق باب الترشح، بالنظر إلى الظرف الوبائي الراهن، الذي يدعو إلى الحفاظ- ولو على وتيرة متوسطة- من سير الأنشطة الثقافية، وإلى تفادي النتائج المترتبة عن توقف الحياة الثقافية نهائيا.

التشكيل.. حالة خاصة

منذ أن أعلنت المؤسسة الوطنية للمتاحف مبادرتها لدعم مجال الفنون التشكيلية، بإبداء رغبتها في اقتناء لوحات من تشكيليين مغاربة مقابل مبالغ مالية محددة، نبه البعض إلى أن مصطلح “الدعم الذي وظفته المؤسسة غير دقيق، على اعتبار أن العملية تقوم على عملية تبادلية؛ أي اللوحة مقابل سعرها؛ فيما المقصود يعني تقديم مساعدة على إنجاز مشروع قيد التصور فقط. تكرر هذا الالتباس مع الدعم الاستثنائي الوزاري. وفي هذا يوضح بنيونس عميروش، لـ”أخبار اليوم”، أن العملية الأخيرة تعكس، في مجال الفن التشكيلي، الاقتناء، لا الدعم، مشيرا إلى أنها مبنية على مبدأ المنافسة، على الترشح، كما في مجالات الموسيقى والغناء.

في هذا السياق، كان المطلوب من الوزارة أن تقدم الدعم للتشكيليين الشباب (المبتدئين)، لكونهم الأكثر تضررا من توقف الأنشطة الثقافية والفنية. إذ يتضح من خلال الأسماء المعلنة- وباستثناء بعض المبدعين الذين يميلون إلى البحث والتجريب- أن دعم هذا المجال، وخاصة ذلك المخصص لمعارض الفنون التشكيلية والبصرية التي تنظمها الأروقة، ارتهن بالجانب التجاري، لا بالأبعاد الفنية والجمالية والإبداعية، حيث استفاد من الدعم رجال أعمال وأثرياء هم في غنى عن الاستفادة من المال العام، ناهيك عن بعض أشباه الفنانين المهتمين بالتجارة. وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبته إدارة المؤسسة الوطنية للمتاحف، قبل بضعة أسابيع، إذ كان يجدر بالوزارة ألا تسقط فيه، لأن منابر إعلامية- ومنها “أخبار اليوم”- كانت نبهت إلى ذلك في حينه.

دعم الكتاب.. عود على بدء

خلافا للأغنية، اختارت الوزارة أن تعتمد، في مجال النشر والكتاب، مبدأ الاقتناء، وهي الصيغة التي كانت قائمة، قبل أن تنتقل الوزارة، منذ تولى مقاليدها محمد الأمين الصبيحي، إلى صيغة دعم المشاريع. يقتضي هذا المبدأ، وفق دفتر التحملات الأخير، أن تقتني الوزارة عددا من العناوين، تتألف من نسخ مضاعفة، من دور النشر والمكتبات ونقاط البيع، وأن توزعها على المكتبات والخزانات العمومية. لكن النتائج المعلنة تثير العديد من الأسئلة الغامضة حول معايير انتقاء الملفات المرشحة. نستشهد في هذا السياق بما رواه للجريدة حسن الكمون، صاحب مكتبة باريس بالجديدة ورئيس الكتبيين المستقلين بالمغرب.

يذكر الكمون بأن الدعم الموجه للمكتبات، عموما، يهم إحداث المكتبات وتحديث المكتبات القائمة، وكذا التنشيط الثقافي بالمكتبات وفق برنامج مسطر مسبق، شريطة الاستجابة لبنود دفتر تحملات خاص في هذا الباب. وقد خصصت الوزارة مليارا و500 مليون سنتيم، من مجمل دعم الكتاب والنشر، لدعم المكتبات. إلا أن حسن الكمون يشير إلى أن طلبات الدعم غالبا ما تكون قليلة، بالنظر إلى أن المكتبات بمفهومها الحديثة قليلة في المغرب، وأن الكثير من المكتبات لا تستجيب لبعض بنود دفتر التحملات، وفي مقدمتها شرط مساحة فضاء العرض الذي ينبغي أن يكون في حدود 50 مترا مربعا أو أكثر. ينضاف إلى هذا أن الكثير من المكتبات ستحرم من الدعم الخاص بالتنشيط الثقافي، بالنظر إلى التوقف الذي فرضه فيروس كورونا.

وقد طرحت صيغة اقتناء الوزارة الكتب من المكتبات لتغطية عجزها التجاري الناتج عن توقف عمليات البيع منذ بداية الحجر، وعلى امتداد الشهور التالية. إلا أن الملاحظ في هذا الباب، وفق ما يرويه الكمون، أن بعض المكتبات استفادت من مبالغ كبيرة، وأخرى مماثلة لها من حيث الحجم والمساحة والتنظيم لم يتعدَّ نصيبها إلا بضعة آلاف درهم. والمثال الصارخ هنا مكتبتا “خدمة الكتاب” و”كليلة ودمنة” اللتان توجدان في الشارع نفسه بالرباط، حيث استفادت الأولى من نحو 191 ألف درهم، بينما لم تحصل الثانية سوى على 19 ألف درهم. والمثير للاستغراب أن نصيب بعض المكتبات لم يتجاوز ألفي درهم، كمكتبة “ليبوك” التي حصلت على 2400 درهم أو مكتبة وراقة جليز التي حصلت على 1125 درهما، وهي مبالغ لا تغطي حتى تكاليف إعداد ملف الترشح للدعم. إذ يقول الكمون إن هذه المفارقات أثارت استياء كبيرا في صفوف الكتبيين.

يتساءل الكمون في هذا الصدد عن المعايير التي ساعدت البعض على الحصول دعم مضاعف، واحد في مجال النشر وثان في مجال المكتبات. والسبب كامن في استمرار الحرس القديم الذي يرفض مبدأ النزاهة وإشراك فعاليات أخرى في لجان الانتقاء، حيث ينتقد الكمون عدم تعيين الوزارة أي كتبي داخل اللجنة الخاصة بفرز المشاريع المقدمة في مجالي النشر والكتاب. كما يتساءل عن مدى حرص الوزارة على تحقيق غايات الدعم التي تروم تشجيع الكتبيين على محيطهم والمشاركة في الحياة الثقافية، إلخ.

أما فيما يتعلق بدعم الكتاب والنشر، فالملاحظ هو تربع دور نشر بعينها على عرش المستفيدين من الدعم، كما جرت العادة منذ سنوات. يأتي في مقدمة المستفيدين ناشرون فرنكفونيون معروفون باستفادتهم من أشكال دعم خارجية متنوعة، من المؤسسات الفرنسية على الخصوص. يشير البعض أن الحري بالوزارة أن توجه المال العام، في هذا الباب، لمن يهتمون بالثقافة المغربية بلغتيها الرسميتين العربية والأمازيغية، أو تشجع الناشرين الذين يعملون على توزيع الكتاب المغربي على أوسع نطاق، ليس محليا فقط، وإنما عربيا وعالميا.

شارك برأيك