قصتي مع طالبان.. ملا عبد السلام: هذه تفاصيل مراسلتي لبوش والاتصال بالبيت الأبيض- الحلقة 37

06/10/2020 - 08:00
قصتي مع طالبان.. ملا عبد السلام: هذه تفاصيل مراسلتي لبوش والاتصال بالبيت الأبيض- الحلقة 37

إعداد: عادل الكرموسي

حاولت بأقصى جهودي أن أحل الأمر عبر وسائل سياسية، آملا أن أتفادى حربا، فلجأت إلى التكلم ومناقشة الأمر. كنت أعرف عنوان البريد الإلكتروني للرئيس بوش، فراسلته، وقد سبق لي أن هنأته على فوزه في الانتخابات الرئاسية. لكن ذلك لا يعني أنني كنت سعيدا بفوزه. وتساءلت عن الغاية التي تحثني أصلا على تهنئة رجل يُشك في شخصيته على الصعيدين الإسلامي والسياسي. ولكن، بعد أحداث 11 شتنبر، حاولت أن أبدأ حوارا مع البيت الأبيض والرئيس بوش، آملا أن نستطيع التواصل، فنتفادى كل ما يحدث الآن. كان الرئيس كلينتون قد هيأ موقف الولايات المتحدة من أفغانستان، ذلك أنه أرسل صواريخ كروز، وفرض عقوبات دولية على أفغانستان.

كتبت رسالة إلى الرئيس بوش والبيت الأبيض باسم الشعب الأفغاني، وصورت لهما ما نعانيه من جوع وجفاف ومسألة اللاجئين، وذكرت التفاصيل كلها حول ما تسببت به الحرب في المجتمع الأفغاني من أعداء عديدين وانقسامات وخسائر جمة وفوضى واقعة. طلبت منه أن يتوخى الحذر، وأن يفكر في ما قد تخلفه الحرب، وأن يتفادى أخطاء الماضي نفسها. فإذا تابعت الولايات المتحدة في الطريق نفسه، فسوف تتحمل مسؤولية كل ما يحدث.

كتبت الآتي: «لا شك في أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى في العالم. ولا شك في أن أفغانستان قد خسرت في العقدين الأخيرين كل ما تملك. نحن لا نملك أي قوة، اقتصادية كانت أم سياسية، وجيشنا منهمك في المحافظة على المناطق التي تعمها الفوضى، فكيف له أن يواجه الولايات المتحدة؟ كما أن أفغانستان تعيش حربا أهلية منذ عشر سنوات. نحن لا نريد الحرب ولا نملك القوى الكافية».

ونصحت الرئيس بوش بأن يختار الحوار والمحادثات عوضا عن الحرب. وقد بعثت نسخة من رسالتي إلى السفارة الأمريكية في إسلام أباد، وإلى أعضاء البرلمان الأمريكي كلهم، وإلى الكونغرس. حاولت أن أحذرهم من مغبة الحل العسكري، وتأثيره في الولايات المتحدة وأفغانستان، كما اتصلت في الوقت نفسه بمستشار بوش المولود في أفغانستان، خليل زاد، الذي قلت له: «إن عليك، بصفتك أفغانيا، الحؤول دون اندلاع حرب في أفغانستان، وينبغي أن تبذل قصارى جهدك لمنع حدوث ذلك». لطالما تحدثت مع خليل زاد على الهاتف من جلال أباد، وأنا مغادر إسلام أباد، لكي لا تتنصت باكستان على أحاديثنا. قلت له إن على الولايات المتحدة أن تتحدث مباشرة مع أفغانستان دون التركيز على باكستان. فطالبان لا يستمعون إلى باكستان، ولا ينفذون قراراتها. وفكرت بصفتي وسيطا في أن باكستان لن تخدم الولايات المتحدة ولا أفغانستان. ولكن بوش استمر في عناده، ورفض أن يصغي إلى المنطق.

 اتصلت بي الاستخبارات الباكستانية قبل أشهر من الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة. وفي أحد الأيام، أتى موظفان في جهاز الاستخبارات الباكستانية إلى السفارة، ليستعلما الوجهات السياسية المختلفة لحكومة إمارة أفغانستان الإسلامية. كنت أعلم هدف زيارتهما، فزودتهما بالهيكل التنظيمي لإدارة أفغانستان، وادعيت أنني لا أعرف هيكلة الجيش أو تنظيمه. فشك الموظفان في ذلك، وتابعا يسألاني عن الجيش، لكنني قلت لهما إنني لست الشخص المناسب للحديث في هذا الموضوع.

 وفي مرة أخرى، طلبت مني عناصر الاستخبارات الباكستانية زيارتهم في مكتبهم المركزي، فأجبتهم بأنني لا أستطيع القدوم، لكن يسعدني أن ألتقيهم في وزارة الخارجية. وقلت لهم إن بمقدورنا التحدث هناك في أي مسألة ذات علاقة. ثم طلبوا مني القدوم إلى دار ضيافتهم، فرفضت مرة أخرى. في النهاية، زارني الجنرال محمود وكان الجنرال جيلاني برفقته، فرحبت بهما في منزلي.

لم يكونوا في جو يتقبلون فيه المزاح. وبادر الجنرال محمود قائلا: «نحن نعلم أنك على يقين بما سيحدث في المستقبل القريب، ونعلم أنك واثق من أن باكستان ستنضم إلى المجتمع الدولي وتساند الولايات المتحدة ضد أفغانستان. وربما ظننت أن ذلك يناقض الإسلام ومبدأ الجيرة. وربما شككت في كل تلك الأمور، لذلك لم تأتِ لزيارتنا في مكتبنا المركزي. وها قد جئنا لنبلغك أمرين؛ الأول، هو وجود تقارير تفيد بأنكم تخططون لاغتيال الرئيس مشرف. وهنا أحذركم من أننا سنجهض أي خطة تعدونها لذلك، أنصحكم بأن توقفوا عملكم على أي خطة، إن كان الأمر صحيحا.

والثاني: أمر معرفتنا، نحن وأنتم، بأن الولايات المتحدة يرجح أن تشن هجوما على أفغانستان، وهنا أيضا نريد أن نؤكد لكم أنكم لن تكونوا وحدكم في هذا الجهاد ضد الولايات المتحدة، بل سنكون معكم».

 استمعت إليهم بصبر، وحين أنهوا كلامهم قلت لهم بكل هدوء: «إن كان أحدهم يخطط لاغتيال مشرف، فأحسب أن ذلك مسألة باكستانية داخلية لا علاقة لي بها. ذلك أنني لا أملك الوسائل ولا الإمكانيات لاغتياله». وقلت لهم بصوت ساخر: «لا يجدر بكم أن تورطوا الإمارة في خططكم».

 وتابعت القول: «ثانيا، إن كانت الولايات المتحدة ستشن هجوما على أفغانستان، فأنتم تعلمون أكثر مني أي مطارات وأراض سوف تسخر لمهاجمتنا. سنرى لاحقا كم أفغانيا سيستشهد في هذه الحرب. ويا أيها الجنرال، سوف تكون أنت مسؤولا عن سفك الدماء والموت حين تتعامل مع الولايات المتحدة، وسوف تحاسب في هذه الدنيا وفي الآخرة. وسوف تكون عدو أفغانستان الأول».

 

شارك المقال