حياتي مع طالبان.. ملا عبد السلام: حين طُلب مني أن أتسلم قيادة طالبان المعتدلة- الحلقة 31

08 أكتوبر 2020 - 07:00

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر.

مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة.

هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

إعداد: عادل الكرموسي

زارني الجنرال عمر بعد يومين من بدء القتال وبجعبته طلبان. قال: «بصفتي القائد الأعلى وممثل طالبان، علي المشاركة في فصل أعضاء طالبان المتشددين عن المعتدلين». وزاد قائلا أن ذلك سيساعد طالبان ويحفظها. لكن ما كان في نيته حقا هو أن يقسم طالبان لإضعافها. وطلب مني أن أتسلم قيادة طالبان المعتدلة ضد أمير المؤمنين، وأكد لي أنهم سيدعمونني ماليا ولوجيسيا. هذا الاقتراح تعمل عليه إدارة الولايات المتحدة الجديدة برئاسة أوباما. وقد سبق لبوش، بالتعاون مع بريطانيا وكرزاي، محاولة تنفيذ الخطة ذاتها لسبع سنوات. فهم يظنون أن وجود طالبان مرتبط بالمال والسلطة. في الحقيقة، ترتكز حركة طالبان على إيديولوجيا إسلامية تقاتل في سبيل الجهاد وتحت مبادئ الإطاعة والإصغاء والحوار. وفكرة تقسيمها إلى معتدلين ومتشددين إنما هي هدف غير مسؤول ولا فائدة ترتجى منه.

أما الطلب الثاني للجنرال عمر، فهو أن أكف عن التكلم في الإعلام، وأن ألغي المؤتمرات الصحافية المقررة في السفارة.

 كان علي، قبل أن أدلي بأي تصريح عام، أن أقدم البيان الصحافي إلى الحكومة الباكستانية لتمارس عليه الرقابة التي توائم حاجاتها. وبعدما أنهى الجنرال عمر كلامه، غادر مع مرافقه. لم أرد عليه وتابعت عملي. تفهمت ما نصحوني بفعله، ولكنني لم أفهم أي فائدة سيجنونها إذا انقسمت طالبان، وما هي نتائج ذلك عليها وعلى الملا صاحب، وقد احتفظت بهذه المعلومة لنفسي.

 كنت أعقد مؤتمرا صحافيا كل يوم في تمام الساعة الرابعة بعد الظهر، لأخبر العالم بما يحدث في أفغانستان. أقدم معلومات عن الوضع العام أو عن أحداث معينة، كما أجيب عن أسئلة الصحافيين. تلقيت اتصالات متعددة من عزيز خان في وزارة الخارجية، يطالبني فيها بلزوم الصمت.

في الساعة الثالثة بعد الظهر، أقوم بجمع المعلومات من مختلف أنحاء أفغانستان. وفي الساعة الثالثة والنصف، أطبعها، وأقدم نسخة منها إلى الاستخبارات الباكستانية. وقبل أن يعود هو إلى مكتبه، أعقد مؤتمرا صحافيا.

وبهذه الطريقة كنت أنشر الأخبار قبل أن تستطيع الاستخبارات الباكستانية القيام بأي شيء.

أرسلت الاستخبارات إلي ثلاثة إنذارات رسمية تفيد بأن المعلومات كانت تصلهم في الوقت نفسه الذي كنت أعقد فيه المؤتمر الصحافي. قدمت إليهم اعتذاراتي، وقلت لهم إن التقرير قد وصلني من أفغانستان عند الساعة الثالثة بعد الظهر، وصححته، وأرسلته إليهم بعد 30 دقيقة. كنت أعتذر إليهم عن التأخير الواقع متحججا بنقص المعلومات أو بتغيب مترجمي أو بتأخر المسؤول في طباعة التقرير على الآلة الكاتبة. واستطعت عبر تلك الطرائق أن أتصدى لكل محاولة يقومون بها لوضع رقابة على كلامي.

تابعت عملي حتى مع التهديدات الدائمة التي كنت أتلقاها. وحين وقع مزار الشريف بأيدي تحالف الشمال، ألحت الاستخبارات الباكستانية لأتصل بوزير الدفاع، الملا عبيد الله، حاكم قندهار، وبالملا محمد حسن آخوند، وأطلب منهما المجيء إلى باكستان. فأخبرت جهاز الاستخبارات بأنني لا أستطيع الاتصال بهما بهذه البساطة، فهما أرفع مني مرتبة، كما أنني لا أريد أن يذهبا إلى باكستان لأنني واثق من أن الاستخبارات سوف تعتقلهما.

 استمرت الاستخبارات تتصل بي كل بضع دقائق وتسأل إن كنت أبلغت الملا عبيد الله أو الملا محمد حسن. فأجبت بأنني تكلمت معهما وحذرتهما من القدوم إلى باكستان لاحتمال توقيفهما. لم أثق يوما بأي من وعود باكستان. كان من الصعب في تلك الأيام أن أتنقل في إسلام آباد، وأنجز عملي دون أن يمنعني أحد من ذلك، أو دون أن أخسر أوراق اعتمادي.

 كنت أقضي معظم أوقاتي ألاحق الأحداث، وأتابع الأوضاع الدولية وما يحدث في أفغانستان. وآخر شخص من الاستخبارات الباكستانية التقيته كان العقيد إمام، الذي عرفه الأفغان جيدا أيام الجهاد ضد الروس، وهو الآن يشغل منصب القنصل في قنصلية باكستان في بهرات. وقد رُحِّل من أفغانستان بعدما بدأت الولايات المتحدة هجومها. لم تثق طالبان به، وأجبر على مغادرة البلاد رغم محاولته البقاء في قندهار.

طلب مني موعدا، فتقابلنا في السفارة. وبعدما تبادلنا السلام، راحت الدموع تنساب على وجهه ولحيته البيضاء، حتى إنه لم يستطع أن يتكلم، ثم قال فجأة: «الله أعلم ما قد يحدث في أفغانستان، لكن الملامة تقع على باكستان، فكم قامت بأعمال وحشية ضد جارتها! والآتي أعظم!». وراح يلوم مشرف الذي محا عقدين من التعاون والمعاناة والصداقة، وأزال مجد الجهاد. وقال: «يجب على باكستان أن تخجل». ثم راح يبكي من جديد قائلا إنهم لن يستطيعوا محو ما فعله مشرف، وهم الذين سيتحملون عواقب فعلته ليس في الدنيا فحسب، بل في الآخرة أيضا. ثم غادر ولم ألتق، بعدها، أي موظف في الاستخبارات الباكستانية، إلا حين أتوا وألقوا القبض علي، علما أنهم كانوا يراقبونني عن كثب. مافتئت ثلاث دراجات نارية تلاحقني وتقف خارج السفارة وخارج منزلي ليلا نهارا..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.