حياتي مع طالبان.. ملا عبد السلام: كنت مهددا بالقتل وقدمت طلب اللجوء السياسي إلى 6 بلدان- الحلقة 40

09/10/2020 - 07:00
حياتي مع طالبان.. ملا عبد السلام: كنت مهددا بالقتل وقدمت طلب اللجوء السياسي إلى 6 بلدان- الحلقة 40

الملا عبد السلام ضعيف، رجل من رجالات الصف الأول في أفغانستان، وأحد الذين شاركوا في المفاوضات التي أددت إلى نشوء حركة طالبان، كان صوتا إعلاميا للزعيم الروحي لهذه الحركة الملا محمد عمر.

مذكرات كتبها ضعيف بيده، وقال فيها كل شيء، باح بما له وما عليه: نشأته ودراسته في المدارس الدينية، ودوره في صد الحرب السوفياتية على أفغانستان. كشف خفايا علاقته بطالبان ما خبره من مفاوضات سرية وعلنية، داخلية وخارجية، وأسرار تقلبه في المناصب المتعددة التي تبوأها ومنها نائبٌ لوزير الدفاع ونائبٌ لوزير المناجم والصناعة.

هنا في هذه المذكرات المثيرة، سيكشف الملا ضعيف، عن طبيعة العلاقة مع الأميركيين، وما يدور في ميدان المعارك، وخلف الكواليس السياسيّة من صفقات وأسرار. دوره منذ أحداث 11 شتنبر التي قلبت حياته وحياة بلده، وبعدها، حين كان صلة الوصل الوحيدة بين أفغانستان والعالم. قبل أن يصبح السجين رقم 306، في سجن غوانتانامو.

إعداد: عادل الكرموسي

عدت إلى قندهار قبل يومين من شهر رمضان المبارك، لأتحدث مع أمير المؤمنين عن إمكانية محادثات بين أفغانستان والولايات المتحدة. واقترحت قطر أن تتوسط بين طالبان والولايات المتحدة كي توقف القتال القائم بينهما. غادرت إسلام آباد في سيارتي اللاند كروزر، وراحت الاستخبارات الباكستانية تلاحقني على طول الطريق. قطعت حدود شمال، وخشيت ألا تسمح لي باكستان بالعودة.

حين وصلت إلى قندهار، كانت المدينة كلها تغرق في الفوضى. لم يمر على سقوط كابول سوى يومين، وقد عم الحزن كل من بقي في قندهار. توجهت من فوري إلى القيادة العامة التي اتخذت مقرا جديدا داخل المدينة. لقد أردت أن أقابل الملا محمد عمر.

لم يكن في مكتبه، فانتظرته قليلا. بعدما غادرت بساعة، قصفت القوات الجوية الأمريكية المقر فدمر المبنى. ولكن، لحسن الحظ، لم يقتل أحد. لاحظ الملا محمد عمر أن الهجوم تلى خروجي من المبنى، فشك في أنني مراقب، وارتأى أن من الخطير أن يلتقيني.

 كنت في طريقي إلى منزل الملا محمد عمر القديم المهجور الذي يقع خلف مدرسة الجهاد، حين سقطت قذيفة بالقرب من سيارتي، فتعطل إرسال هاتفي بتأثير ذبذبات القذائف. بعد الهجوم الثاني، أيقن الملا محمد عمر أنني ملاحق، ربما كان محقا، وربما كانوا يتعقبونني من خلال جهاز إرسال هاتفي، الله اعلم. ولكن بعدما تعطل هاتفي، لم تسقط أي قذيفة على مقربة مني، وبعد دقائق قليلة، بثت وكالة أنباء روسية أن سفير طالبان في باكستان قد قتل في تفجير استهدف قندهار. ورد الخبر في ملحق صغير، لكنني أعلم لماذا صرح الروس بذلك.

 ورغم أنني لم ألتق الملا محمد عمر، فإنني مررت له رسالة عبر الطيب آغا.

غادرت قندهار في اليوم الثالث من رمضان، وعدت إلى كويتا. رافقني بعض إخوتي في طالبان حتى جسر أزغستان. أوقفت السيارة هناك وودعت أصدقائي، ثم استدرت نحو قندهار وقلت: «أيتها المدينة الجميلة، في أحضانك حبونا ونحن صغار. الله أعلم متى سنلتقي من جديد. الله أعلم ماذا سيحدث وماذا سيحل بي. ولكنني أعلم أن الغياب سيطول. أخشى ألا أمر من هنا لوقت طويل. وأخشى أن تحرق الحرب أرضك الجميلة ومنازلك وحدائقك».

سخر مني رفاقي بطالبان وسألوني لمَ أبدو جادا؟ ولم أتصرف بغرابة؟ ولكنني لم أجبهم. عادوا هم إلى قندهار، ومضيت أنا باتجاه الحدود.

لم أحصل عند الحدود الباكستانية في ويش على تأشيرة الدخول إلا حين أمست الساعة التاسعة. وصلت إلى كويتا في وقت متأخر، وقضيت الليلة في القنصلية التابعة لنا. وفي صباح اليوم التالي، توجهت إلى المطار، وعدت فورا إلى إسلام آباد.

حين وصلت إلى مطار إسلام آباد، أحاط بي عدد كبير من الصحافيين، ورحت أجيب عن أسئلتهم كلها. وعلى الرغم من أنني كنت مسافرا بجواز السفر الدبلوماسي، فإن رجال الشرطة أصروا على تفتيشي. إذ وصلتهم تعليمات بتفتيش الجميع دون استثناء. وقالوا إن الوضع سيئ في باكستان.

عدت إلى إسلام آباد في العشرين من نونبر، ووصلتني في ذلك الحين رسالة من وزارة الخارجية الباكستانية تقول فيها إنها لم تعد تعترف بإمارة أفغانستان الإسلامية، لكنها سمحت لي أنا سفير أفغانستان بالبقاء في باكستان إلى أن تنتهي حالة الطوارئ في بلادي. وأذكر أنها استعملت آنذاك عبارة: «إلى وقت أنسب». كما أمرتني الحكومة الباكستانية بأن أتوقف عن التكلم إلى الإعلام. وراحت المخابرات الباكستانية تلاحقني أينما ذهبت. فقد ركنت سيارة ودراجة نارية أمام منزلي، لتلاحقاني كلما غادرت. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن الزائرين لم يكفوا عن مقابلتي في منزلي.

 وبعد يوم من بدء التفجيرات، زارني طبيب باشتوني في منزلي، وقال للحراس المرابطين أمام باب المنزل إنه قد استدعي لأنني مريض. وأبلغني بأن الوقت قد حان لأغادر، وأن علي الاختفاء دون لفت الأنظار. وقال: «أنا أملك حديقة على الحدود أنشأت عليها فيلا، وسوف أصطحبك لتقيم هناك بعض الوقت». وأسر لي بأن علي ألا أثق بحكومة باكستان، فربما سلمتني إلى الأمريكيين، ذلك أن باكستان مدينة للولايات المتحدة. شكرته على كرمه وعرضه الطيب، لكنني رفضته.

 كنت أشعر بالقلق. فقدمت طلب اللجوء السياسي إلى أربعة بلدان، وهي المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة وقطر وباكستان. لكن لم يصلني رد من أي منها، كما تواصلت مع السفارتين البريطانية والفرنسية، لكنهما أيضا لم تجيباني، حتى إنني ذهبت لأسجل نفسي في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فمنحتني مستندا صالحا مدة شهر، ووعدت بدعمي في أي محنة تصيبني. ولكنني، على الرغم من ذلك، علمت أنني قد أواجه أخطارا أكبر من توقيفي، ألا وهي قتلي، ولكنني فكرت قليلا بأمر توقيفي. إن من الأسهل على باكستان أن تغتالني وتنحني باللائمة على جهة أخرى أو على شخص آخر، من أن تقوم بتسليمي. هذه هي حال الجميع في باكستان، أما أنا فكنت أشك في أن السلطات قد ترميني يوما كعظمة للأمريكيين. وكان بإمكاني الذهاب إلى مكان آخر. إلا أن وجودي في باكستان كان مهما من أجل المحادثات حول سجناء طالبان الذين اعتقلهم التحالف الشمالي. وراح وضعي يسوء يوما بعد يوم في باكستان.

شارك المقال